آيت حسان بولمان… قرى بين جمال الطبيعة ونزيف الهجرة
مع بداية الخريف، حين تتراجع حرارة الصيف وتستعيد جبال الأطلس المتوسط هدوءها، تكشف منطقة آيت حسان، نواحي مدينة أوطاط الحاج، عن وجه آخر لا يظهر في الصور السياحية وحدها.
هنا، بين الجبال والحقول والمدرجات الزراعية، تبدو بعض القرى أقل حركة مما كانت عليه في الماضي.
أبواب موصدة، منازل صامتة، وحقول تنتظر من يعتني بها.
مشهد تختصر تفاصيله قصة سنوات من الهجرة التي غيّرت ملامح الحياة في المنطقة.
آيت حسان، بمختلف دواويرها، تعيش على وقع مغادرة متواصلة للسكان. شباب يغادرون بحثاً عن العمل، وأسر تختار الاستقرار في أماكن تتوفر فيها فرص اقتصادية وخدمات أساسية أكثر.
لكن الهجرة هنا لا تعني فقط انتقال السكان من مكان إلى آخر.
إنها تعني أيضاً أن القرية نفسها تفقد شيئاً من حياتها.
دواوير تتغير ملامحها
تتكون منطقة آيت حسان من عدد من الدواوير، من بينها: لمسارح، بوغيلاس، آيت عمري وعلي، آيت حمي، آيت سعادة، إفرعون، آيت مزي، آيت رحو، آيت يعقوب، أغرم أمقران، الزاوية سيدي عبدالله، وتيميتار.
وتختلف حدة الهجرة من دوار إلى آخر.
في دوار آيت عمري وعلي، تبدو آثار هذا النزيف السكاني أكثر وضوحاً؛ فقد غادر السكان المكان، لتبقى المنازل والأراضي شاهدة على مرحلة كانت فيها الحياة أكثر حضوراً.
وفي المقابل، لا تزال الحياة مستمرة في دوار لمسارح آيت بوغيلاس، حيث يحافظ عدد من السكان على وجودهم، رغم الظروف الصعبة والتحديات التي تواجه المنطقة.
وبين دوار وآخر، تتكرر الحكاية نفسها بدرجات مختلفة:
سكان يغادرون، منازل تُغلق، وأراضٍ زراعية تفقد جزءاً من اليد العاملة التي كانت تعتني بها.
حين تصبح الطبيعة فرصة مؤجلة
المفارقة أن آيت حسان لا تفتقر إلى ما يمكن أن يشكل أساساً لتنمية محلية.
فالمنطقة تمتلك طبيعة جبلية مميزة، ومدرجات زراعية تمتد على السفوح، ومناظر طبيعية، وخصوصية قروية وأمازيغية تمنحها مقومات يمكن توظيفها في السياحة الجبلية والقروية.
لكن هذه المؤهلات، في جزء كبير منها، لا تزال تنتظر أن تتحول من مشاهد طبيعية إلى مشاريع اقتصادية وتنموية.
وهنا يبرز سؤال يطرحه السكان والزوار:
كيف يمكن لمنطقة تمتلك كل هذا التنوع الطبيعي أن تستفيد منه في خلق فرص اقتصادية لأبنائها؟
الإجابة لا ترتبط بالسياحة وحدها.
تحسين الطرق والبنية التحتية، دعم الفلاحة المحلية، تشجيع المشاريع الصغيرة، تثمين المنتجات المحلية، وخلق أنشطة مرتبطة بالسياحة الجبلية والقروية، كلها مسارات يمكن أن تمنح المنطقة إمكانات جديدة للحفاظ على جزء من سكانها، خصوصاً الشباب.
الهجرة… حين تغادر الأقدام وتبقى الذاكرة
في المناطق الجبلية، لا تقاس الهجرة بعدد الأشخاص الذين يغادرون فقط.
فمع كل أسرة ترحل، تتغير علاقة القرية بمحيطها.
المقهى يقل نشاطه، الحقول تصبح أقل استغلالاً، بعض المنازل تُغلق، وتتحول أماكن كانت تعج بالحركة إلى فضاءات أكثر هدوءاً.
ومع مرور السنوات، قد تصبح الهجرة نفسها عاملاً يعمّق الهجرة.
فكلما تراجعت الخدمات والفرص الاقتصادية، أصبح الرحيل خياراً أكثر حضوراً لدى الشباب والأسر.
مستقبل بين الجبل والإنسان
آيت حسان ليست مجرد قرى متناثرة في جبال الأطلس المتوسط.
إنها مجال يعيش فيه الإنسان منذ أجيال، ويصنع من الأرض والجبال مصدر رزقه وذاكرته وهويته.
واليوم، تقف المنطقة أمام تحدٍّ واضح:
كيف يمكن الحفاظ على الإنسان في المكان، وتحويل المؤهلات الطبيعية والزراعية والثقافية إلى فرص حقيقية للحياة؟
فالمطلوب ليس فقط أن تبقى القرى قائمة على الخريطة، وإنما أن تبقى فيها حياة.
وتتوزع منطقة آيت حسان على عدد من الدواوير التي تشكل نسيجها القروي والاجتماعي، من بينها دوار لمسارح، دوار بوغيلاس، دوار آيت عمري وعلي، دوار آيت حمي، دوار آيت سعادة، دوار إفرعون، دوار آيت مزي، دوار آيت رحو، دوار آيت يعقوب، دوار أغرم أمقران، دوار الزاوية سيدي عبدالله، ودوار تيميتار.
ورغم اختلاف حجم السكان وحضور الحياة اليومية من دوار إلى آخر، فإن عدداً منها يشترك في تحديات متشابهة، أبرزها الهجرة، وضعف فرص الشغل، وصعوبة الولوج إلى بعض الخدمات والبنيات الأساسية.
وفي دوار آيت عمري وعلي، تبدو آثار الهجرة أكثر وضوحاً، بعدما غادر سكانه، لتبقى المنازل والأراضي شاهدة على حياة كانت قائمة في المكان.
أما دوار لمسارح ودوار بوغيلاس، فلا تزال الحياة فيهما حاضرة بشكل أكبر، حيث ما زال عدد من السكان متمسكين بالعيش في المنطقة، رغم الصعوبات التي تواجههم.
وبين آيت حمي وآيت سعادة وإفرعون وآيت مزي وآيت رحو وآيت يعقوب وأغرم أمقران والزاوية سيدي عبدالله وتيميتار، تتفاوت حدة هذه التحولات، لكن المشهد العام يعكس واقعاً واحداً: قرى جبلية تمتلك مؤهلات طبيعية وفلاحية وثقافية، في وقت تواجه فيه تحدي الحفاظ على سكانها وضمان مستقبلهم داخل المنطقة.
اترك تعليقاً