وجهة نظر

العزوف الانتخابي.. هل فقد المغاربة الثقة في الأحزاب؟

مشهد تعبيري يجسد العزوف الانتخابي وأزمة المشاركة السياسية في المغرب، مع خريطة المملكة وصندوق اقتراع

لعل أبرز ما يستوقف في الانتخابات التشريعية الأخيرة ليس فقط نتائجها، وإنما حجم العزوف عن المشاركة. فقد بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 15.8 مليون ناخب، بينما لم تتجاوز نسبة المشاركة 38.02%، أي أن نحو 62% من المسجلين اختاروا عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع. وهذه النسبة أقل بكثير من نسبة المشاركة المسجلة سنة 2021، التي بلغت 50.35%.

ومن الصعب قراءة هذا العزوف باعتباره مجرد لامبالاة عابرة. فهو يعكس، في جانب منه، أزمة ثقة متراكمة بين قطاعات من المواطنين والأحزاب السياسية والعملية الانتخابية نفسها. فعلى مدى عقود، تعاقبت الحكومات والبرلمانات، وتوالت الوعود والبرامج الانتخابية، لكن المواطن المغربي ما زال ينتظر أن تنعكس السياسات العمومية بشكل ملموس على حياته اليومية، من خلال تحسين الدخل، وتوفير فرص الشغل، والارتقاء بالتعليم والصحة، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية.

لقد أصبح السؤال الذي يطرحه كثير من المواطنين بسيطاً ومباشراً: ما الذي تغير فعلياً بعد كل انتخابات؟ وما الذي تحقق من الوعود التي قطعتها الأحزاب خلال الحملات الانتخابية؟..

وعندما لا يرى المواطن أثراً واضحاً لصوته في تحسين أوضاعه المعيشية أو في تغيير السياسات التي تمس حياته اليومية، فإن علاقته بالانتخابات تصبح أكثر فتوراً، وقد يتحول العزوف من موقف فردي إلى ظاهرة سياسية واجتماعية.

ولا يعني ذلك أن الانتخابات بلا قيمة أو أن المؤسسات المنتخبة لا دور لها، وإنما يعني أن استمرار العزوف بهذه المستويات يفرض على الأحزاب والمؤسسات السياسية أن تتوقف ملياً عند أسبابه، وأن تسأل نفسها لماذا ابتعد جزء كبير من المواطنين عن صناديق الاقتراع.

فالمغرب حقق خلال العقود الماضية مشاريع كبرى وتحولات مهمة في عدد من المجالات، لكن ذلك لا يلغي وجود أزمات اجتماعية واقتصادية متكررة، ولا يلغي شعور فئات من المواطنين بأن ثمار التنمية لا تصل إليهم بالقدر الذي يتطلعون إليه.

إن أزمة الانتخابات في المغرب ليست فقط أزمة يوم اقتراع، بل هي قبل ذلك أزمة ثقة تحتاج إلى معالجة عميقة. واستعادة ثقة المواطن لن تكون بكثرة الشعارات والوعود الانتخابية، وإنما بقدرة المؤسسات والأحزاب على تقديم نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد تنظيم الانتخابات، وإنما تحتاج أيضاً إلى مواطن يؤمن بأن صوته قادر على إحداث فرق، وإلى أحزاب تقنعه بأن مشاركته لن تكون مجرد ورقة توضع في صندوق، ثم تُنسى وعودها بعد انتهاء الحملة الانتخابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • محمد أيوب
    منذ 3 أسابيع

    السؤال المخرج: جاء بالمقال ما يلي"...فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد تنظيم الانتخابات،وإنما تحتاج أيضاً إلى مواطن يؤمن بأن صوته قادر على إحداث فرق..."...هل استطاعت انتخاباتنا كلها منذ بداية تنفيذها الى الأخيرة اقناع الناخب بأن صوته قادر على إحظاث فرق؟كمواطن/ناخب فجوابي الصريح والواضح والذي اقتنعت به ولا زلت وسأستمر على قناعتي،هو:لا...ثم لا...ثم لا...لهذا قاطعت الانتخابات الأخيرة...قناعتي هذه مؤسسة على معاينة واقعية ومن خلال آراء ومواقف نخبة من الباحثين والدارسين والاعلاميين داخل الوطن الذين شرحوا وفسروا آليات الحكم بوطننا...ومن بين هؤلاء المرحوم خالد الجامعي والمرحوم المهدي المنجرة والاستاذ نجيب أقصبي غيرهم كثير...نعلم جميعا: "خروب بلادنا"وبالتالي لا حاجة للذهاب بعيدا في التحليل واستخلاص النتائج،بنسبة العزوف تكفي لابطال اية نتيجة منطقية وذات مصداقية على ما جرى...المؤسسات ستستمر في أداء مهامها طبقا للدستور مهما بلغت نسبة المشاركة،لكنها ستبقى في مرمى حجر السؤال المؤرق:ما مدى مصداقيتها مع انحسار منسوب الثقة بين الفاعلين:الأحزاب والناخبين؟ان تكرار نفس الوجوه لن يثمر الا مزيدا من العزوف...لمعالجة الظاهرة نحتاج الى التغيير:تغيير الدستور...تغيير أسلوب الاقتراع...ربط المسؤولية بالمحاسبة فعلا لا قولا...