الصريح والضمني في منطق المنتخب الأمي
منذ نشأة المجتمعات الإنسانية والحاجة متزايدة إلى تنظيم احوالها وتدبير شؤونها، إذ اختلفت صيغ هذا التنظيم وتظافرت أهدافه حتى استقرت عند اعتماد صيغتين أساسيتين متكاملتين هما سلطة التدبير وسلطة التشريع. وإذا كانت الأولى تستعمل وسائل الدولة وبالتالي فهي تخضع لخياراتها واستراتيجياتها وتعتبر مناطا لممارسة السيادة ببعدها الكوني، فإن الثانية هي تعبير عن إرادة الجماهير ورغباتها في تصريف مشاريع تعود عليها بالنفع والعيش الكريم وذلك عبر ممثلين يختارهم الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة، وهنا تبدأ المشكلة، لأن ضمان الحرية والنزاهة في الإنتخابات بشكلها المعهود هو غاية لن تدرك لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية، وحسبنا أن نعرج على واحد منها على الأقل وهو يتعلق بطبيعة الإقتراع ذاته والذي يتيح للمواطن، مهما بلغت درجة أميته، التقدم للترشيح برأس فارغ مرفوع، فقط عليه أن يستجيب لشرط السن ولتزكية السكان، لا يهم قدرته على المرافعة ولا إلمامه بالقوانين، هنا نقصد بالذات المنتخب الأمي الذي رماه افتراض حسن نية تارة، وحسب ونسب تارة أخرى الى الواجهة الساخنة تحت القبة لتدبير شؤون الناس والتي تقتضي من جملة ما تقتضيه القدرة على المناورة، ليس دائما بشرف، ولكن في مجمل الأحوال بأساليب المكر والنفاق والكذب والتخفي وإرجاء الأمل والتسويف.. هكذا نرى واقع المنتخب الأمي الذي غالبا ما تراهن عليه سلطة الوصاية ليأتمر بأمرها، بدل أن يكون مرجعا موثوقا فيه لرصد خصاص في الإحتمال أو متابعة مشروع قيد الإكتمال.
ليس غريبا أن المنتخب الأمي يزاوج، امام من يمثلهم، بين موقفين، أحدهما ضمني والآخر صريح، فحين يتحدث عن إحلال الديمقراطية كمنهج في المعاملات وفي الحياة السياسية، فإنه يحرص ويوصي بالتداول على تقلد المسؤولية ليس بمنطق الجدارة والأهلية بل بمنطق التناوب الميكانيكي والتفويت، وحين يتحدث عن قطع الطريق على السماسرة والمفسدين فإن مداركه لن تسعفه في معنى القطع المجازي المقصود هنا وسيذهب إلى تبني القطع الحقيقي لطريق من لم يسانده في الإنتخابات. وحين يعدكم أنه سيمثلكم أحسن تمثيل أمام الجهات العليا بكل أمانة فذاك يعني انه سيكون بارعا في التمثيل عليكم انتم الطبقة الدنيا وسيضعكم أمام فرجة ممتدة على مدى خمس سنوات قابلة للتجديد. لكن الأخطر من كل هذا هو حين ينتحل المثقف أو الشبيه بالمثقف صفة المنتخب الأمي فيغير من سحنته ويصطنع شعبوية لا تخطؤها العين بالمبالغة في التودد لأناس كان بالأمس القريب يزدريهم ويستصغر شأنهم، هذا الصنف من المنتخبين يوهمون الناس بتواضعهم ويدفعون بلفيف من الشهود المرتزقة لتأكيد جدارتهم ن كما أن لهم قدرة هائلة على استمالة أناس حائرين أمام خيارات أحلاها مر أو خائرين أمام جبروت حزب مهيمن.
مجمل القول، فالصريح والضمني عند هؤلاء المنتخبين بأصنافهم السالفة الذكر لا يستجيبان للمتعارف عليه في التدبير السياسي السليم بل يعبران فقط عن الرغبة في الإكتساح كيفما كانت الأدوات الموصلة إليه.
اترك تعليقاً