تراجع المشاركة وتحديات اقتصادية ترسم معالم الحكومة المقبلة بعد انتخابات 2026
اعتبر الأكاديمي منير فرام، أن انتخابات 23 شتنبر أفرزت تحديا يتجاوز صناديق الاقتراع نحو تشكيل أغلبية قادرة على الحكم وتلبية انتظارات مجتمع قاطع جزء كبير منه التصويت، مسجلا تراجع نسبة المشاركة إلى 38.08 بالمائة مقارنة بـ 50.86 بالمائة سنة 2021 و42.27 بالمائة خلال 2016.
وأوضح المصدر ذاته في مقال تحليلي نشرته المجلة الفرنكفونية “جون أفريك” أن عزوف الناخبين يشكل معطى سياسيا بارزا، حيث لم يصوت سوى حوالي ستة ملايين شخص من أصل ما يقارب 15.8 مليون مسجل، معتبرا أن هذا الامتناع قد يعكس تباعدا عن الأحزاب أو اختلافا في فهم جدوى الانتخابات، مما يطرح تساؤلا محوريا على الجهاز التنفيذي المقبل حول كيفية استعادة ثقة المواطنين وجعل المؤسسات قادرة على جذب اهتمام غير المصوتين.
وسجل الكاتب تباينات ملحوظة في نسب المشاركة بين الجهات، مبرزا أنها بلغت 77 بالمائة بجهة العيون الساقية الحمراء، و61 بالمائة بالداخلة وادي الذهب، و53.48 بالمائة بكلميم واد نون، وهو ما يدعو، بحسبه، إلى قراءة هذه الانتخابات كتعابير مختلفة لعلاقة المواطن بالدولة والمجال الترابي، وليس فقط كصراع بين الهيئات الحزبية.
وكشفت النتائج المؤقتة للتشريعيات، عن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للمشهد بـ 97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ 66 مقعدا، والاستقلال بـ 65 مقعدا، فيما سجل حزب العدالة والتنمية عودة قوية بـ 54 مقعدا مقارنة بـ 13 مقعدا في 2021، يليه الحركة الشعبية بـ 29، والاتحاد الاشتراكي بـ 26، والتقدم والاشتراكية بـ 19، ثم الاتحاد الدستوري بـ 17 مقعدا من أصل 395 المكونة للغرفة الأولى.
وأشار التحليل إلى أن هذه الهندسة تفتح باب المفاوضات السياسية، مبينا أن الائتلاف المنتهية ولايته، المكون من الأحرار والبام والاستقلال، يحتفظ بأغلبية برلمانية مريحة تبلغ 228 مقعدا، متجاوزا عتبة 198 صوتا المطلوبة لنيل الثقة، غير أن تغيير موازين القوى داخله وعودة “البيجيدي” يفرضان إيقاعا جديدا للتوازنات خلال الولاية التشريعية المقبلة.
وذكر الباحث بالإطار الدستوري الذي يحدد هذه المرحلة، حيث يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، قبل أن يخضع فريقه لتصويت نيل الثقة بالأغلبية المطلقة، مشددا على أن التحدي الفعلي للأغلبية المنتظرة ليس تجميعا للمقاعد، بقدر ما هو بناء سياسي حول برنامج حكومي يحدد الأولويات كالتعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية.
وأضاف كاتب المقال أن المغرب مقبل على هذه المحطة بملفات اقتصادية ثقيلة وهشاشة مستمرة، مشيرا إلى أنه رغم إحداث 193 ألف منصب شغل سنة 2025، إلا أن البطالة طالت 1.621 مليون شخص، بنسبة 13 بالمائة من الساكنة النشيطة، وبلغت 37.2 بالمائة وسط الشباب، و20.5 بالمائة لدى النساء، مع فقدان القطاع الفلاحي لـ 41 ألف منصب.
وتابع المصدر مبرزا ضرورة قراءة مؤشرات سنة 2026 بحذر، بعد اعتماد المندوبية السامية للتخطيط لبحث جديد حول اليد العاملة بمعايير أكثر صرامة لقياس البطالة، لافتا إلى أن اليد العاملة بلغت في الفصل الثاني 11.764 مليون شخص، بمعدل مشاركة استقر في 42.2 بالمائة، لم تتجاوز فيه حصة الشباب 22.9 بالمائة والنساء 21.5 بالمائة.
وأكد المحلل الاقتصادي أن الحكومة القادمة مطالبة بمواكبة دينامية التصنيع والبنيات التحتية والانفتاح الإفريقي والمشاريع الكبرى لأفق 2030، وتحويلها إلى فرص شغل وحركية اجتماعية، مشددا على أهمية ارتكاز الأغلبية على ثلاث شرعيات متلازمة؛ شرعية الصناديق التي تمنح التفويض، وشرعية البرلمان التي تتيح الحكم، وشرعية الإنجاز التي تضمن استمرار الثقة.
وخلص المتحدث في ختام تحليله إلى أن المرحلة الحالية، بعد انتهاء لغة الصناديق وبدء زمن المفاوضات لتشكيل التحالف الحكومي، تتطلب تقديم أدلة ملموسة على قدرة العمل العمومي على إعطاء نتائج فعلية، قادرة على تقليص المسافة السياسية وتحويلها إلى ثقة تعيد ربط المقاطعين بالمشهد السياسي.
اترك تعليقاً