وجهة نظر

اليسار الراديكالي وإشكالية الاشتباك مع الثوابت

يبدو الاشتباك مع الثوابت واحدا من أكثر العناصر حضورا في خطاب اليسار الراديكالي في المغرب، وخصوصا حين يتعلق الأمر بالملكية والدين والمؤسسة العسكرية. ولا تكتسب هذه القضايا أهميتها من حساسيتها السياسية والمؤسسية فحسب، بل من كونها تكشف طبيعة التصور الذي ينطلق منه هذا اليسار في نظرته إلى الدولة والمجتمع وحدود التغيير الذي يطرحه.

ظل في خطاب اليسار الراديكالي حضور قوي لمفاهيم وصياغات سياسية تشكلت في ظروف تاريخية مختلفة، رغم التحولات التي عرفها المجتمع والدولة وطبيعة الصراعات السياسية والاجتماعية. ويثير استمرار بعض هذه المفاهيم في موقع مركزي داخل الخطاب سؤال علاقتها بالواقع المغربي وتحولاته، خاصة حين تغيب مراجعة الأسس الفكرية التي أنتجتها. وحين يتحول الموروث الأيديولوجي إلى إطار ثابت لقراءة الواقع، يصبح الاشتباك مع بعض مكونات الدولة والمجتمع امتدادا لمنظومة فكرية سابقة، وابتعادا عن تحليل جديد للواقع نفسه.

تبدو المسألة أكثر اتصالا بالوظيفة السياسية للخطاب. فاليسار الراديكالي يعرف طبيعة المجتمع الذي يخاطبه، ويدرك حساسية القضايا المرتبطة بالملكية والدين والمؤسسة العسكرية. وتحتل هذه القضايا في خطابه مساحة تتقدم أحيانا على مناقشة وظائفها السياسية والمؤسسية، لتصبح جزءا من تعريف موقعه السياسي وحدود اختلافه عن غيره. وهنا يتحول الاقتراب من هذه القضايا إلى وسيلة لإعلان الاختلاف وتأكيد الموقف الراديكالي، فتغدو طبيعة الاشتباك معها جزءا من هوية الخطاب نفسه.

لذلك يحتل الاشتباك مع الثوابت مساحة بارزة في جزء من الخطاب الراديكالي، حتى عندما لا يكون المدخل الأقرب إلى الأسئلة التي تحكم الحياة اليومية للمجتمع. وترتبط هذه القضية بترتيب الأولويات، والمكانة التي تحتلها هذه القضايا داخل الصراع السياسي، والوظيفة التي يؤديها حضورها في الخطاب. ومع تحول الاصطدام بالثوابت إلى علامة على الراديكالية، ينتقل الصراع من مناقشة إصلاح المؤسسات وتوزيع السلطة إلى تأكيد الهوية السياسية وموقع صاحب الخطاب داخل المعارضة.

وتبدو المفارقة في أن المجتمع الذي يخاطبه هذا اليسار يحمل، في الوقت نفسه، أسئلة يومية أكثر التصاقا بحياته: الشغل، والدخل، والتعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية، والكرامة، وتكافؤ الفرص. وبرامج اليسار الراديكالي وخطاباته تتناول هذه القضايا بوضوح، غير أن الإشكال يتعلق بترتيب الأولويات، وبالمساحة التي يحتلها الصراع حول الثوابت داخل الخطاب العام مقارنة بالقضايا الاجتماعية التي تمنح العمل السياسي معناه المباشر.

ومن هذا المنظور، تطرح الدعوة إلى الملكية البرلمانية سؤالا حول طبيعة الانتقال الذي تقترحه هذه الصيغة، وما الذي سيترتب عليها فعليا في بنية الدولة وتوزيع الاختصاصات. فما الذي سيتغير تحديدا في توزيع الاختصاصات؟ وكيف ستنظم العلاقة بين الدولة والمجال الديني؟ وكيف ستدار العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية؟ وما الضمانات التي ستكفل استقرار التوازنات الجديدة؟

هذه الأسئلة تضع طرح الملكية البرلمانية أمام مضمونه المؤسسي، وتنقل النقاش من مستوى الشعار إلى مستوى البناء السياسي. فالدستور المغربي يحدد ترتيبات واضحة لعلاقة الدين بالدولة من خلال مؤسسة إمارة المؤمنين، ويمنح الملك اختصاصات دينية حصرية في المجال المنصوص عليه في الفصل 41. كما يحدد في الفصل 42 وظائف الملك باعتباره رئيس الدولة وضامن دوامها واستمرارها والحكم الأسمى بين المؤسسات، ويقرر في الفصل 53 أن الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية.

لذلك فإن الانتقال إلى صيغة أخرى للحكم يعني إعادة النظر في بنية الدولة وتوزيع الاختصاصات داخلها، بما يطال شكل العلاقة بين المؤسسات واختصاصاتها. فالأمر يتصل بحدود اختصاصات الملك، ومسؤولية الحكومة، ودور البرلمان، والعلاقة بين مؤسسات الدولة، وموقع مؤسة إمارة المؤمنين، وطبيعة العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية. ومن ثم فإن تقديم الملكية البرلمانية عنوانا للتغيير يضع هذا الطرح أمام سؤال ضرورته السياسية، وما الذي سيضيفه إلى بنية الدولة والحياة السياسية، وما الذي يمكن أن يترتب عليه في توازنات المجتمع والدولة.

وتزداد أهمية هذا السؤال مع الحضور البرلماني الجديد لبعض مكونات اليسار الراديكالي. فقد أفرزت انتخابات شتنبر 2026 ثمانية مقاعد لتحالف اليسار داخل مجلس النواب، وهو حضور يضع هذا التيار أمام واقع سياسي ومؤسساتي مختلف. ولا يعني ذلك توحيد مواقف مكونات اليسار الراديكالي، فهي تختلف في رؤيتها للمشاركة والمؤسسات ووسائل التغيير، وإنما يضعها أمام اختبار عملي: كيف ينتقل خطابها من إعلان المواقف إلى تقديم تصورات واضحة حول الدولة والمجتمع والسياسات التي تدعو إليها؟

يبقى السؤال متعلقا بما يستطيع اليسار الراديكالي أن يقدمه في السياسة نفسها، وبالمسافة التي يستطيع أن يقطعها بين الموقف المعلن والعمل السياسي الفعلي. فالمجتمع يحتاج إلى خطاب يحدد بوضوح ما الذي يريد تغييره، ولماذا، وكيف يمكن أن يتحول هذا التغيير إلى سياسة ومؤسسات، وما الذي سيترتب عليه في حياة الناس والدولة.

فالراديكالية في السياسة لا تستمد قيمتها من ارتفاع سقف الخطاب ولا من اتساع دائرة الاشتباك، وإنما من قدرتها على تقديم تصور متماسك للدولة والمجتمع، وعلى تحويل النقد إلى بديل قابل للنقاش والمساءلة. ومن هنا يظل السؤال مفتوحا أمام اليسار الراديكالي: هل يستطيع أن يقدم مشروعا ينتقل من الاشتباك مع الثوابت إلى معالجة الاختلالات التي تمس حياة المجتمع، أم سيظل هذا الاشتباك جزءا مركزيا من هويته السياسية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *