العمل الاجتماعي بالمغرب.. بين ثقافة التضامن ومطلب المهننة
لقد ظهر العمل الاجتماعي كمحاولة مهنية لمواجهة المشكلات الاجتماعية التي تواجه الأفراد والجماعات والمجتمع. فبعدما كان المجتمع المغربي يواجه المشكلات التي تنخر عمقه عبر المبادرات الإحسانية والتضامن الخيري، أصبحت الحاجة إلى عمل أكثر تنظيمًا ومهنية وفعالية، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المغرب، وتزايد الكوارث الطبيعية التي اجتاحته في الآونة الأخيرة، (كوفيد-19، وزلزال الحوز، والفيضانات بمدينة القصر الكبير بإقليم العرائش، وفيضان مدينة تاكونيت بإقليم زاكورة). لهذا، زادت الممارسات الاجتماعية وتداخل العمل الاجتماعي مع المبادرات الإحسانية والخدمات والأنشطة التي تقدمها بعض الجمعيات تحت سقف العمل الجمعوي. وتتأرجح هذه الممارسات بين العشوائية في التنظيم والندرة في التدبير والتخطيط. لهذا، أصبح لزامًا الفصل بين العمل الاجتماعي وباقي الأعمال الاجتماعية الأخرى. فما العمل الاجتماعي؟ وما الفرق بينه وبين المساعدات الاجتماعية والعمل الجمعوي؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة عملًا اجتماعيًا؟ ولم الحاجة إلى مهنة العمل الاجتماعي؟
لقد قدم الاتحاد الدولي للأخصائيين الاجتماعيين (IFSW) والجمعية الدولية لمدارس العمل الاجتماعي (IASSW) (2014) تعريفًا عالميًا للعمل الاجتماعي باعتباره مهنة قائمة على الممارسة، فهو تخصص أكاديمي يهدف إلى التغيير والتنمية الاجتماعية، ويتأسس على نظريات علمية، ويسعى إلى تحقيق التمكين، ومساعدة الأفراد على مساعدة أنفسهم، ومواجهة التحديات الحياتية، وتعزيز الرفاه.
انطلاقًا من هذا التعريف، يتضح أن العمل الاجتماعي ليس ممارسة قائمة على الحظ والعشوائية، وإنما هو تدخل مهني منظم، قائم على نظريات علمية وتخطيط منهجي هادف، موجه للأفراد والجماعات والمجتمع. فلا يمكن اعتبار كل الممارسات الخيرية عملًا اجتماعيًا، رغم وجود هدف المساعدة والتغيير الإيجابي.
أما العمل الجمعوي، فيرتبط بالأنشطة التطوعية التي يقوم بها الفرد أو الجماعة، على شكل خدمات متصلة أو متقطعة، مستمرة أو مؤقتة، تهدف إلى الدفاع عن قضايا اجتماعية أو تحقيق أهداف مشتركة. ويلتصق أحيانًا مفهوم العمل الجمعوي داخل المجتمع المغربي بالإحسان والشفقة والتضامن. باعتباره عمل مدني تطوعي تقوم به جمعيات أو متطوعين وفاعلين جمعويين، دون الحاجة إلى شرط الخبرة الأكاديمية والتكوين العلمي. ولكن لا يمكن الجزم بأن كل الخدمات التي تقدمها الجمعيات هي عبارة عن أنشطة تطوعية فقط؛ فهناك مجموعة من الجمعيات والمؤسسات تقدم عدة خدمات بطرق تدخلية مهنية، وبالتالي فهي تصنف في خانة العمل الاجتماعي، خاصة حينما يتم الانتقال من النشاط الإحساني إلى الممارسة المهنية والعلمية.
وفي هذا المنحى، فقد عرّف الأستاذ الباحث “فوزي بوخريص” العمل الجمعوي في كتابه «في سوسيولوجيا العمل الجمعوي بالمغرب: من التطوع إلى العمل المأجور» (2015، ص. 231) بأنه: “ممارسة اجتماعية منظمة تقوم على مشاركة الأفراد داخل جمعيات وأطر جماعية، بهدف تحقيق أهداف مشتركة وخدمة قضايا المجتمع، ويتخذ أشكالًا متعددة تتراوح بين العمل التطوعي والمبادرات الاجتماعية والتنموية، وقد تطور في المغرب من النشاط التطوعي إلى أشكال أكثر تنظيمًا ومهنية”.
هذا الانتقال لا يزال محتشمًا ولم يتحقق بالشكل الكافي؛ لأن الحقل الجمعوي المغربي يعرف عشوائية متجذرة في عمق الممارسات لدى الفاعلين الجمعويين، بالإضافة إلى ندرة وقلته التكوين العلمي للأطر في هذا. ومن زاوية أخرى، قد يُعزى هذا الخمول إلى طبيعة الجمعيات التي تنشط في هذا الحقل، لأنها ربما في بدايتها قد تأسس بناء على منفعة خاصة، وأحيانًا قد تخضع للتوجيهات السياسية والحزبية. فهناك مجموعة من الجمعيات قد تنبثق من رحم الأحزاب السياسية والتي قد تراعي مصلحة الحزب أكثر من الغاية التي وجدت في الأصل من أجلها.
هكذا يظل العمل الجمعوي بالمغرب موصومًا بالطابع الخيري والمدني، ويُمارس من طرف جمعيات أو متطوعين أو مساهمين أو محسنين. وهذا لا يعني بتاتا أن كل الجمعيات التي تنشط في هذا المجال تتصنف في الخانة السابقة، حيث منها (الجمعيات التي تقدم خدمة اجتماعية) ما تحاول تجاوز الشكل التقليدي التطوعي، وتؤسس لنشاط مهني من خلال توظيف مختصين وعاملين اجتماعيين، وتضع استراتيجيات تدخلية مهنية.
وبالعودة إلى الخدمات والمساعدات والتدخلات الاجتماعية التي تقدمها الدولة المغربية إلى الأفراد، كالدعم المالي المباشر للأسر، والحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية، والرعاية والمواكبة الاجتماعية للفئات في وضعية هشاشة، والإدماج الاجتماعي، والتي ترتبط بسياسة الدولة الاجتماعية، يمكن إجمالها ضمن الخدمات الاجتماعية للدولة. لكن، وبالنظر إلى طابع البعض منها، يمكن تصنيفها ضمن مساعدات تضامنية أو تعاوني خيري أو دعم اجتماعي مؤقت. وبالتالي فهي لا ترقى إلى مستوى تمكين الأفراد، وجعلهم قادرين على مواجهة المشاكل الحياتية التي تعترضهم، إذ تعد أحيانا آلية لتكريس الاتكالية والخمول. ومن جهة أخرى فتنزيل هذه البرامج من طرف متطوعين أو أفراد مدنيين أو بعض موظفين الدولة (مثلا المشرفين على السجل الاجتماعي الموحد كأعوان السلطة أو مخصيين في الاعلاميات)، في غياب التكوين والتأهيل المهني في مجال العمل الاجتماعي قد يجعلها بعيدة عن هدفها نظرا لغياب المهارات التدخلية اللازمة لتشخيص الفئات الاجتماعية المحتاجة لهذه الخدمات.
وبالموازاة مع ذلك، فكلما زادت الخدمات الاجتماعية والمساعدات المقدمة من طرف الدولة، زادت معها الحاجة إلى عاملين وأخصائيين اجتماعيين، وذلك لتفعيل مبدأ المهنية والتخطيط في البرامج الاجتماعية والسياسات التي تسعى من خلالها الدولة إلى تحقيق التغيير والتمكين الاجتماعي للأفراد والجماعات.
إن الحاجة إلى مهننة الخدمات الاجتماعية لا تتعلق فقط بتنزيل برامج الدولة في المجال الاجتماعي، وإنما ترتبط أيضًا بطبيعة المشكلات الاجتماعية التي واكبت التطورات التكنولوجية والاقتصادية التي يعرفها العالم، والتحولات الثقافية التي تطرأ على البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي. لهذا، فلا يمكن الاقتصار على عمل الجمعيات المدنية في إطار العمل الجمعوي لمواكبة هذه التحولات وحل المشكلات الحياتية، بل لا بد من نقلة معرفية أكاديمية، من خلالها يتم ترشيد كل الخدمات التي تقدمها الدولة، وتأطير وتكوين الفاعلين في الحقل الاجتماعي، تجاوزًا للعشوائية في التدخل الاجتماعي، وتحقيقًا للتنمية الاجتماعية الهادفة والتمكين.
وبناءً عليه، لا ننكر أن الحقل الاجتماعي المغربي قد حقق طفرة نوعية في الآونة الأخيرة، وقد تجسد هذا في إصدار القانون 45.18 سنة 2021، والمتعلق بتنظيم مهنة العاملات والعاملين الاجتماعيين، والمرسوم رقم 2.22.604 سنة 2024، الذي يحدد الاعتماد لممارسة مهنة العمل الاجتماعي ويدعو إلى تطبيق القانون السابق (45.18).
ولكن، بالرغم من ذلك، فالعمل الاجتماعي بالمغرب لا يزال فتيًا، ويحتاج إلى ضرورة الإيمان بقدرته على حل مجموعة من المشكلات الاجتماعية التي ترهق الفئات الهشة. وهذا لن يتحقق إلا بوجود إرادة سياسية قوية من طرف الدولة، تترجم واقعيًا عبر تشجيع التكوين في مجال العمل الاجتماعي، وتوسيع قاعدته الأكاديمية عبر زيادة عدد التخصصات المهنية داخل الجامعات المغربية والمؤسسات التي تُعنى به. وكذلك تفعيل دور العامل الاجتماعي في عدة قطاعات، خاصة في التعليم والصحة، من خلال تحديد مهامه ومجالات تدخله وحدودها.
اترك تعليقاً