اقتصاد

أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يدخل مرحلة البحث عن التمويل قبل قرار الاستثمار النهائي

دخل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي “AAGP”، الذي تقدر كلفته بنحو 25 مليار دولار، مرحلة البحث عن التمويلات الخاصة ومتعددة الأطراف، في وقت يستهدف فيه المغرب وشركاؤه اتخاذ قرار الاستثمار النهائي بشأن المشروع خلال الربع الرابع من سنة 2026، وفق ما أوردته منصة “bne IntelliNews” المتخصصة في أخبار الأسواق والاقتصادات الناشئة.

وأفادت المنصة بأن المغرب طرح المشروع ضمن جهود أوسع لتعبئة التمويلات الخاصة وتمويلات مؤسسات التنمية متعددة الأطراف، وذلك خلال اجتماع رفيع المستوى حول “تمويل المستقبل” نظمته المملكة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نيويورك يوم 23 شتنبر الجاري، حيث أشار وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة إلى الأنبوب باعتباره أحد المشاريع التي تدعمها المملكة بهدف ربط الاقتصادات والأسواق الإفريقية.

وقال بوريطة خلال الاجتماع إن احتياجات إفريقيا لتمويل البنية التحتية تتراوح بين 181 و221 مليار دولار سنويا خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2030، داعيا بنوك التنمية متعددة الأطراف إلى تقليص المخاطر وتحسين قابلية المشاريع للتمويل وجذب رؤوس الأموال الخاصة طويلة الأمد، من خلال آليات إقليمية للضمان والاستثمار المشترك.

ولم يسفر الاجتماع، بحسب “bne IntelliNews”، عن الإعلان عن أي التزام تمويلي جديد خاص بأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، فيما تواصل الرباط بحث إمكانات الدعم مع مؤسسات مالية دولية، من بينها بنك التصدير والاستيراد الأمريكي “US Exim” والبنك الدولي.

وكان سفير المغرب لدى الولايات المتحدة، يوسف العمراني، قد قدر في يوليوز الماضي كلفة المشروع بنحو 26 مليار دولار، مقابل نحو 25 مليار دولار الواردة في وثائق المشروع الرسمية، فيما أكد متحدث باسم بنك التصدير والاستيراد الأمريكي وجود مباحثات أولية بشأن المشروع، بينما لم يقدم البنك الدولي تعليقا حول الموضوع.

ويواجه المشروع تحديات لا تقتصر على تأمين التمويل، إذ نقلت “bne IntelliNews” عن آن صوفي كوربو، الباحثة في مجال الطاقة بمركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أن العدد الكبير للدول المشاركة في المشروع قد يجعل تنفيذه معقدا، مستشهدة بالصعوبات التشغيلية واضطرابات الإمدادات التي عرفها أنبوب الغاز لغرب إفريقيا، رغم أن مساره أقصر بكثير.

كما أثارت الباحثة تساؤلات حول إمكانية تمديد خط الغاز إلى أوروبا، في وقت تتجه فيه القارة الأوروبية إلى تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري، بينما تراهن السلطات المغربية على وجود طلب محتمل على الغاز باعتباره أحد عناصر الجدوى التجارية للمشروع.

وفي هذا السياق، سبق للمديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن “ONHYM”، أمينة بنخضرة، أن قالت في ماي 2024 إن المكتب تمكن من تأمين مشتر للغاز من بين أكبر مجمعي الغاز في أوروبا، لاقتناء كامل الكميات التي سيتم تصديرها عبر خط أنبوب المغرب العربي-أوروبا بعد ربطه بأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي.

ويمتد المشروع على مسافة تقارب 6800 إلى 6900 كيلومتر عبر 13 دولة، انطلاقا من نيجيريا على طول الساحل الأطلسي لإفريقيا وصولا إلى المغرب، حيث يرتقب أن يرتبط بخط أنبوب المغرب العربي-أوروبا، بما يتيح إمكانية نقل الغاز إلى الأسواق الأوروبية.

وتشير وثائق المشروع إلى أن الأنبوب مصمم لنقل ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، منها ما يصل إلى 15 مليار متر مكعب موجهة إلى المغرب وأوروبا، فيما تختلف بعض الوثائق الرسمية بشأن الطول النهائي للمسار بحسب مراحل احتساب المشروع.

وتشير وثائق التقييم البيئي والاجتماعي الخاصة بالجزء المغربي من المشروع إلى استهداف اتخاذ قرار الاستثمار النهائي خلال الربع الرابع من سنة 2026، بينما أفادت وكالة “بلومبرغ” في يوليوز الماضي بأن أشغال البناء قد تنطلق سنة 2028، على أن يبدأ تدفق الغاز سنة 2031 في حال تأمين التمويل اللازم.

ويأتي الموعد المستهدف لقرار الاستثمار بعد سلسلة من التأجيلات، إذ كان الرئيس السابق لشركة البترول الوطنية النيجيرية “NNPC”، ميلي كياري، قد تحدث سنة 2022 عن اتخاذ القرار في 2023، قبل أن يرجح في مارس 2024 صدوره في دجنبر من السنة نفسها، ثم أعلنت بنخضرة بعد شهرين أن القرار متوقع في بداية 2025.

ولا يرتقب أن يبدأ الأنبوب، في مرحلته الأولى، بنقل الغاز النيجيري مباشرة إلى المغرب، إذ أوضحت بنخضرة، في تصريحات نقلتها “رويترز” خلال السنة الجارية، أن المقاطع الأولى ستربط المغرب بحقول الغاز في موريتانيا والسنغال، فيما سيربط مقطع آخر غانا بساحل العاج، على أن يأتي المقطع الأخير لربط غانا بحقول الغاز النيجيرية.

وبحسب المصدر نفسه، صمم كل مقطع من المشروع ليكون قابلا للتطوير والتشغيل بشكل مستقل، وهو ما يسمح بدخول أجزاء من الممر الإقليمي حيز التشغيل قبل استكمال المسار الكامل بين نيجيريا والمغرب.

وعلى المستوى المؤسساتي، وقعت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” اتفاقا حكوميا دوليا بشأن المشروع في فريتاون يوم 19 يوليوز الماضي، فيما أوضح المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن أن هذا التوقيع جاء تنفيذا لموافقة قادة دول المجموعة خلال القمة العادية الـ66 المنعقدة في أبوجا في دجنبر 2024، وذلك بعد مذكرة التفاهم الموقعة سنة 2022 بين نيجيريا والمغرب و”إيكواس”.

ومن المرتقب أن توقع المغرب وموريتانيا، باعتبارهما خارج المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، الاتفاق الإقليمي بشكل منفصل، فيما تستهدف نيجيريا والمغرب أيضا توقيع اتفاق حكومي ثنائي خلال الربع الرابع من 2026، بحسب وزارة الخارجية النيجيرية، على أن يوقعه الرئيس النيجيري بولا تينوبو وجلالة الملك محمد السادس.

ويخطط الشركاء، بعد استكمال الاتفاقات، لإحداث شركة للمشروع مقرها الدار البيضاء، إلى جانب هيئة عليا للأنبوب مقرها أبوجا، قبل الانتقال إلى تعبئة المستثمرين والتحضير لقرار الاستثمار النهائي، في وقت يؤكد فيه المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن أن الدراسات الهندسية والبيئية والتقنية الرئيسية أنجزت أو بلغت مراحل متقدمة.

وبلغت الميزانية الإجمالية للمرحلة الثانية من برنامج الدراسات الهندسية الأولية نحو 90.1 مليون دولار، بمساهمات من المغرب ونيجيريا والبنك الإسلامي للتنمية، إضافة إلى قرض بقيمة 14.3 مليون دولار من صندوق أوبك للتنمية الدولية لتمويل أعمال المسح الخاصة بالجزء الشمالي من المشروع.

ويواجه المشروع في الوقت نفسه منافسة من مسار آخر لنقل الغاز النيجيري، يتمثل في خط أنبوب الغاز العابر للصحراء “TSGP” الذي يربط نيجيريا بالجزائر، حيث أقرت نيجيريا والنيجر والجزائر في 3 يونيو الماضي النسخة النهائية المحدثة من دراسة الجدوى الخاصة بالمشروع، قبل إطلاق أشغال الجزء الجزائري في اليوم الموالي.

ويمتد خط الغاز العابر للصحراء على نحو 4128 كيلومترا، وتبلغ طاقته التصميمية 30 مليار متر مكعب سنويا، فيما أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن شركة “سوناطراك” ستتولى قيادة الأشغال في الجزء الواقع داخل النيجر، بما يوفر للمشروع جهة محددة لتطوير وتمويل هذا الجزء.

وفي المغرب، يجري أيضا تحديث الإطار المؤسساتي المرتبط بقطاع الهيدروكاربورات والمعادن، بعدما نص القانون رقم 56.24، المنشور في الجريدة الرسمية في 15 يونيو الماضي، على تحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى شركة مساهمة مملوكة للدولة في مرحلة أولى، في إصلاح يستهدف منحه مرونة أكبر على مستوى التشغيل والاستثمار.

ويظل تأمين إمدادات الغاز النيجيري أحد التحديات الرئيسية بالنسبة للمشروع، إذ تستهدف خطة الغاز النيجيرية لعام 2026 رفع الإنتاج الوطني إلى 10 مليارات قدم مكعب قياسي يوميا بحلول 2027، ثم إلى 12 مليار قدم مكعب يوميا بحلول 2030، بالتوازي مع توسيع الإمدادات الموجهة إلى إنتاج الكهرباء والصناعة وأسواق التصدير.

وتواجه صناعة الغاز الطبيعي المسال في نيجيريا بدورها قيودا مرتبطة بتوفر الغاز، إذ تبلغ الطاقة الإنتاجية للوحدات الست الحالية لشركة “Nigeria LNG” نحو 22 مليون طن سنويا، فيما يفترض أن يرفع المشروع السابع “Train 7” الطاقة إلى نحو 30 مليون طن سنويا.

ونقلت المنصة عن المدير العام لـ”Nigeria LNG”، أديلوي فالادي، خلال مؤتمر “Gastech” في بانكوك يوم 15 شتنبر الجاري، أن الشركة تستهدف بدء تشغيل الوحدة السابعة بنهاية 2027، فيما بلغت نسبة استغلال الوحدات القائمة نحو 82 إلى 83 بالمائة، مع استمرار توفر الغاز المغذي في تشكيل أحد القيود أمام رفع الإنتاج.

ويضاف إلى ذلك تحدي التجارة الإقليمية، إذ سبق أن بلغت مستحقات شركة “N-Gas”، الخاضعة لـ”NNPC”، لدى غانا نحو 75 مليون دولار في بداية 2025، قبل أن تسدد غانا 65 مليون دولار من المتأخرات بين فبراير وأبريل من السنة نفسها، بحسب معطيات أوردتها “IntelliNews”.

وفي الجانب البيئي والاجتماعي، أثار المشروع أيضا دعوات إلى تعزيز تقييم آثاره على البيئة والمجتمعات المحلية، حيث طالبت مجموعة نيجيرية باسم “Urban-Rural Environmental Defenders” في 18 شتنبر الجاري بإجراء تقييم شامل للأثر البيئي وتعزيز حماية المجتمعات الموجودة في المناطق التي سيمر منها المشروع.

وبذلك يرتبط المسار القريب لأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بعدد من المحطات الحاسمة، أبرزها استكمال الاتفاق بين المغرب وموريتانيا، وإبرام الاتفاق الحكومي الثنائي بين المغرب ونيجيريا، وإحداث شركة المشروع والهيئة العليا للأنبوب، ثم تأمين تمويل البناء والوصول إلى قرار الاستثمار النهائي خلال الربع الرابع من 2026، بينما يظل تشغيل المقاطع الأولى، في حال احترام الجدول الزمني، مرتبطا أساسا بالغاز القادم من موريتانيا والسنغال قبل اكتمال الممر الذي يصل إلى حقول الغاز النيجيرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *