منتدى العمق

محاولة لفهم ظاهرة “ولاد لبريفي”

علي أوتشرفت

تشهد المنظومة التعليمية بالمغرب تحولات هيكلية وعميقة تجعل من مفاهيم الشارع اليومي مادة دسمة للتفكيك السوسيولوجي. فلم يعد شيوع لقب “ولد لبريفي” مجرد تسمية أو وصم يطلقه الرأي العام المغربي على منتسبي التعليم الخصوصي في مقابل تلامذة “مدرسة الدولة” أو “مدرسة المخزن”، بل أضحى مقولة اجتماعية مشحونة بأبعاد هوياتية وطبقية تعكس الواقع المأزوم الذي أفرزته الاختيارات الاقتصادية والسياسات التربوية الوطنية. إن التنازل التدريجي والدائم عن قطاع سيادي وحيوي كالتعليم، وإتاحة المجال لمستثمرين ورجال أعمال تحركهم في أحيان كثيرة منطق السعة المالية ومراكمة الأرباح، قد أعاد تشكيل وظيفة المؤسسة التعليمية برمتها، فنقلها من كونها مجالس للتنشئة القومية والارتقاء الاجتماعي إلى مشاتل لتكريس التمايز الطبقي وصناعة الاستحقاق الزائف عبر النفخ في العلامات وتسويق نجاحات وهمية يدرك الجميع أنها منفصلة عن الواقع المعرفي للناشئة.

لابد أولا من محاولة فهم هذه الظاهرة انطلاقا من سوسيولوجية التربية، وهنا لابد لي من استحضار السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو وأطروحته حول إعادة الإنتاج، وذلك بالكشف عن الآلية التي تجعل من المدرسة أداة مُموهة لإدامة التفاوُتات الاجتماعية، إذ يوضح كيف تسهم البنيات التربوية في تحويل “الرأسمال الاقتصادي” إلى “رأس مال رمزي” وثقافي معترف به شكليا أو صوريا. وحين نُسقط هذا الطرح على السياق المغربي، نجد أن التعليم الخصوصي التجاري يتيح لشرائح ميسورة، وأخرى ينتمي أفرادها للطبقة الوسطى المنهكة، أن تشتري لأبنائها وضعية اعتبارية تميزية وشواهد منفوخة النتائج، أملا في ضمان موقع متقدم في سلم التراتبية الاجتماعية. غير أن هذا الفعل يستند في الواقع إلى آلية هجينة للشرعنة؛ حيث يُستبدل الاستحقاق العلمي القائم على الجهد الفردي باستحقاق شرائي يعتمد على قدرة الأسرة المادية. وفي المقابل، يتحقق تحذير لوي ألتوسير الذي اعتبر المدرسة “الجهاز الأيديولوجي الأساسي للدولة”؛ فعندما ترفع الدولة يدها مؤقتا أو جزئيا عن هذا الجهاز السيادي وتتقدمه لمقاولات تجارية، تفقد قدرتها على صياغة الوعي الجمعي وإرساء قيم المواطنة المتساوية، ليصبح النظام التعليمي مخترقًا بالمنطق السلعي وقوانين العرض والطلب.

إن قراءة تفاصيل التباين بين القطاعين العام والخاص بالمغرب تتطلب مقاربة منهجية، إذ إن التعليم الخصوصي لا يشكل بنية واحدة صلبة؛ فهو يمتد من المدارس ذات البعثات الأجنبية المغلقة على النخب الميسورة إلى مدارس خصوصية تجارية محلية تنتشر في الأحياء السكنية المتباينة. وهذه الأخيرة هي التي تقصدها غالبية الأسر المغربية مكرهة جراء تراجع المدرسة العمومية وخصوصا في المرحلة الابتدائية، فليس غريبا أن تجد أستاذا أو مدير أو فتشا أوحتى وزيرة التعليم في المغرب يعمل في التعليم العمومي ولا يثق في ارسال أبنائه له. غير أننا اذا توقفنا عن مؤسسات التعليم الخصوصي سنجد أنها بدورها تعاني مشاكل أعمق ومن اختلالات بنيوية في هويتها وغايتها؛ فقد تحول الكثير منها إلى ما يشبه الضيعات المقاولاتية التي يديرها مالكها بمزاجية فردية ومنطق مالي صرف، يتحكم في رسوم التسجيل وواجبات الدراسة والخدمات الملحقة، ويختار أطقمها الإدارية والتربوية استنادًا إلى الولاء والتواطؤ التنفيذي لا على أساس التكوين والكفاءة العلمية. وتفسير هذه الوضعية يستدعي أطروحة السوسيولوجي الألماني ماكس فيبرحول الهيمنة وبناء المشروعية؛ فبدل أن يتمتع المدرس بالسلطة “العقلانية-القانونية” والرمزية المكتسبة من جدارته المعرفية وحصانته المؤسسية، يُجرَّد داخل التعليم الخاص المقاولاتي من أسباب هذه الهيبة، ليتحول إلى أجير هش واقع تحت تهديد التسريح وتقلبات أرباب العمل، مما يُضعف منزلته الرمزية المعرفية أمام المتعلمين ويجعله مطوقًا برغبات الإدارة وأولياء الأمور.

هذا التحول البنيوي يعكس الإشكالية العميقة لغياب الضوابط الرقابية الصارمة؛ إذ يُطرح التساؤل السوسيولوجي حول كيف تسمح المؤسسات الرسمية للدولة لمستثمرين بدخول هذا المجال الحساس دون دفاتر تحملات صارمة وتدقيق تفتيشي منتظم. لقد أدى هذا التساهل إلى بروز ظواهر تربوية خطيرة تحول في ظلها التلميذ من متعلم خاضع لأخلاقيات المعرفة إلى زبون يتوفر على سلطة التأثير المباشر داخل الفصل. وفي هذا الشأن، أشار المفكر رولان بارت أن اختلال موازين القوى في الخطاب ينتهي دائمًا بفرز ممارسات سلطوية جديدة؛ وهو ما نشهده اليوم في سلوكيات ببعض المؤسسات الخصوصية حيث يُمارس التلاميذ نوعًا من “الكاستينغ” والفرز لمدرسيهم، فيفاضلون بينهم انطلاقا من مدى تساهل الأستاذ مع مزاجيتهم وتفريطهم في الانضباط. ويُستبعد الأستاذ المدافع عن كرامته المهنية وعن سمو المعرفة لصالح من يتساهل مع النقط الممنوحة والتهاون السلوكي.

إن هذا التسيب والفوضى التي يعاني منها قطاع التعليم بالمغرب والملاحظ بوجه خاص داخل بعض فضاءات التعليم الخصوصي يتصل مباشرة بما أسماه إميل دوركايم بالحالة “اللامعيارية” أو الأنوميا ؛ وهي الحالة التي تتلاشى فيها القواعد الأخلاقية والضوابط المنظمة للجماعة. فبدل أن تقوم المدرسة بدورها التاريخي والمتمثل في التنشئة الأخلاقية وغرس حس الانضباط والتضحية والاندماج السليم في المجتمع، تحول الفضاء التعليمي الخصوصي التجاري إلى مجرد ساحة لتضخم الذات والاستهلاك، وتفريغ المكبوتات السلوكية الشائعة. وتتمثل نتيجة هذه الصيرورة في تخرج أجيال تعاني هوانًا في الكفايات المعرفية والأخلاقية، وتفتقر إلى الحس الوطني الرفيع والانتماء الحقيقي لمقومات الأمة، حيث يتشكل لدى الكثير منهم اغتراب ثقافي يباعد بينهم وبين واقعهم المحلي والاجتماعي.

ان محاولة التأمل في الأبعاد البيداغوجية لهذا التحول، تقودنا الى الوقوف عند المفكر باولو فريري في انتقاده الشهير للنموذج “البنكي” للتعليم؛ حيث يُتعامل مع الطالب كحساب يُودع فيه المعلم المعلومات شحنًا وتلقينًا. غير أن التعليم الخصوصي التجاري يتعدى ذلك نحو “نموذج بنكي مالي صريح” تشترى فيه الشواهد والنقاط بالرسوم الدورية، مما يفرغ التعلم من طابعه النقدي والتحرري. فالنفخ في المعدلات والنتائج المفبركة لا يسهم فقط في تزييف مستوى المتعلم، بل يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في العمق، ويحرم الوطن من خريجين يمتلكون التفكير النقدي وقدرة الابتكار والمواطنة الفاعلة.

إن المخاطر الناجمة عن زحف التعليم الخصوصي غير المنضبط لأي أخلاقيات تتجاوز حدود الجدران الدراسية لتطال استقرار المجتمع المغربي وقيمه التأسيسية. إن انقسام أبناء الوطن الواحد إلى فئتين متمايزتين هما “ولاد البريفي” و”ولاد الشعب” يؤسس لشرخ اجتماعي خطير ويغذي الحقد الطبقي المتبادل؛ إذ يولد لدى طيف من أبناء المدرسة العمومية شعورا بالمظلومية والهضم الرمزي، بينما يُربي لدى شريحة من منتسبي التعليم الخاص النزوع الاستعلائي والانسحاب من الهم الوطني المشترك. هذا التفريد والخصخصة يهددان بالتالي وظيفة المدرسة العمومية المغربية التاريخية باعتبارها البوتقة الجامعة التي تلتقي فيها كل الأطياف لصياغة الهوية الوطنية الموحدة. ولا جرم أن استمرار هذا المساريشكل تهديدا لفرص التنمية المستدامة، ذلك لأن بناء رأسمال بشري كفء ومتوازن يتطلب تعليمًا يقوم على الاستحقاق الواقعي والجودة الفعلية لا على الزبونية وشراء الشواهدوغياب تكافؤ الفرص.

يتضح لي أن مسألة لقب “ولد البريفي” ليست مجرد تسمية لغوية مصطنعة أو ظرفية ، بل هي تشخيص سوسيولوجي مكثف كما تراه نظرية المخيال السوسويلوجي لمشسل مافيوزالي وتنبيه صريح لخلل بنيوي عميق وأزمة قيم طالت الحقل التربوي بالمغرب. إن العودة في نظري ضرورية لكي تستعيد الدولة دورها الموجه والراعي للتعليم باعتباره الخدمة العمومية والسيادية الأولى، وإعادة الهيبة والاعتبار للمدرسة العمومية بصفتها ضامنة تكافؤ الفرص والمواطنة الصادقة، إلى جانب فرض دفتر تحملات صارم وأخلاقيات مهنية حازمة على مؤسسات القطاع الخاص، تنزع عنه صبغته السلعية الصرفة وتسترد للعملية التعليمية عمقها المعرفي والإنساني بعيدا عن نزعة التسليع والمتاجرة بالتعليم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *