منتدى العمق

ضحايا القانون ودور وسيط المملكة في إعادة التوازن بين الشرعية والعدالة

كما نعلم أن الإدارة يجب أن تلتزم بتطبيق النصوص التشريعية باعتبارها الإطار المرجعي الذي يمنح قراراتها المشروعية، ويشكّل في الوقت نفسه ضمانة أساسية يحول دون ترتيب المسؤولية عليها. غير أن هذه النصوص، بحكم طبيعتها العامة والمجردة، لا تكون دائمًا كفيلة بتحقيق الإنصاف في جميع الحالات.

وفي هذا السياق، يسعى وسيط المملكة إلى تحقيق التوازن بين مقتضيات الشرعية ومتطلبات العدالة، إذ إن المشرّع عند وضعه للقواعد القانونية يستهدف أساسًا تحقيق العمومية والتنظيم الشامل، وهو ما قد يترتب عنه استثناء بعض الحالات الفردية التي لا تنسجم تمامًا مع القاعدة العامة، مما قد يؤدي إلى نتائج غير منصفة رغم مشروعية النص.

ومن ثم، فإن هذه الفئة المتضررة من التطبيق الحرفي للنصوص تستوجب نوعًا من التضامن الاجتماعي، بهدف إيجاد حلول منصفة تعوّض الأضرار التي لحقتها نتيجة هذا التطبيق. وقد عبّر أرسطو قديمًا عن هذا المعنى حين اعتبر المتضررين من التطبيق الصارم للقانون ضحايا لعمومية صيغته، باعتبار أن القاعدة القانونية، في عمومها، لا تستوعب جميع الحالات الاستثنائية الدقيقة، بل تركز على الغالب والأكثر شيوعًا.

وانطلاقًا من هذا التصور، يعمل وسيط المملكة على إقناع الإدارة بإعادة النظر في بعض الحالات الخاصة، من خلال طرح تساؤل جوهري مفاده: ماذا كان سيقرر المشرّع لو عُرض عليه هذا النقص في التطبيق أو هذا الحيف الناتج عن القاعدة العامة؟ أكان سيلجأ إلى إقرار نص خاص يعالج هذا الاستثناء؟

وبناءً على ذلك، تُدعى الإدارة إلى القيام بدور قريب من دور المشرّع في تحقيق العدالة، من خلال تبني حلول عملية منصفة من شأنها إصلاح الضرر وإعادة التوازن.

ويُعدّ في هذا الإطار مثالٌ دالّ على الحلول المنصفة، الحالة التي تعرض لها طفل داخل مستشفى عمومي فرنسي، حيث دخل إليه قصد العلاج، غير أنه خرج منه مصابًا بإعاقة دائمة نتيجة حقنه عن طريق الخطأ بمادة أدت إلى بتر أحد أطرافه. وقد ترتب عن ذلك لجوء أسرته إلى القضاء، الذي قضى ابتدائيًا بتعويض الطفل بمبلغ مليون فرنك، وتعويض أسرته بمبلغ إضافي قدره عشرون ألف فرنك.

غير أن الحكم طُعن فيه أمام مجلس الدولة الفرنسي، الذي كان آنذاك يشترط لقيام مسؤولية المرفق العام الصحي إثبات وجود خطأ جسيم من جانب الإدارة. وبما أن الضحية لم يتمكن من إثبات هذا الشرط، فقد انتهى المجلس إلى نفي مسؤولية المستشفى العمومي، مما ترتب عنه من حيث المبدأ وجوب استرجاع مبالغ التعويض التي كانت قد صُرفت للضحية وأسرته.

وقد أفرز هذا الوضع إشكالًا واضحًا على مستوى العدالة، إذ إن تطبيق القاعدة القانونية في هذه الحالة أدى إلى نتيجة غير منصفة، خاصة إذا قورن الأمر بما استقر عليه قضاء محكمة النقض الفرنسية بخصوص المستشفيات الخاصة، حيث لا يُشترط فيها توافر الخطأ الجسيم لقيام المسؤولية، وهو ما كان من شأنه، لو طُبق على الحالة نفسها، أن يؤدي إلى إنصاف الضحية دون إثقاله بعبء الإثبات الصعب.

وأمام هذا التفاوت في النتائج، تدخل وسيط الجمهورية، منطلقًا من وظيفته القائمة على تعزيز الإنصاف المستمد من مبادئ حقوق الإنسان، حيث سعى إلى إقناع الإدارة والحكومة بعدم استرجاع مبالغ التعويض التي سبق صرفها للضحية وأسرته، تأسيسًا على مبدأ التضامن الاجتماعي بوصفه أداة لتحقيق العدالة الإنصافية، وتفادي الآثار القاسية للتطبيق الحرفي للنصوص القانونية.

يمثل هذا المدخل أحد أبرز مجالات تدخل وسيط المملكة، غير أن ممارسته تظل في الواقع محدودة، رغم أن جوهر دوره يقوم أساسًا على تحقيق العدالة والإنصاف لفائدة المتضررين من تطبيق القواعد القانونية، أي ما يمكن وصفه بـ “ضحايا القانون”وتنبع الحاجة إلى إحداث مؤسسة وسيط المملكة من إدراك مفاده أن مؤسسات الدولة، سواء كانت إدارية أو قضائية، قد لا تكون دائمًا كافية لضمان شعور المواطن بالإنصاف في جميع الحالات. فحتى مع توفر الضمانات القانونية والإجرائية، قد تنتج عن التطبيق الصارم أو الآلي للنصوص نتائج لا تحقق العدالة في بعدها الواقعي والإنساني.

ومن هنا برزت فكرة إحداث جهة ثالثة تتوفر لها المرونة والصلاحيات اللازمة للتدخل، ليس فقط في إطار مراقبة المشروعية، وإنما أيضًا في إطار البحث عن الحلول المنصفة التي تراعي خصوصيات الحالات الفردية وتخفف من حدة النتائج غير المتوازنة.
ولا يمكن اختزال عمل مؤسسة الوسيط في مجرد إصدار توصيات أو إعداد تقارير سنوية، على أهميتها كآليات لتشخيص الاختلالات ورصد مكامن القصور في أداء الإدارة. فدور هذه المؤسسة يتجاوز البعد التقريري إلى وظيفة تدخلية وتوفيقية تهدف إلى معالجة التظلمات بشكل عملي، والسعي إلى إيجاد حلول منصفة للنزاعات الإدارية، بما يضمن إعادة التوازن بين الإدارة والمتظلم.

وهي بذلك تمارس دورًا شبه تحكيمي غير قضائي، يقوم على الاستماع، والتحقيق، وتقريب وجهات النظر، ومحاولة إقناع الإدارة بتبني حلول مرنة تراعي خصوصيات الحالات الفردية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *