المرأة والولاية السياسية في الدولة الدستورية: دلالات تعيين المنصوري رئيسة للحكومة
تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية، يوم 29 شتنبر 2026، ليس مجرد انتقال في تدبير السلطة التنفيذية، وإنما يمثل لحظة سياسية ودستورية ذات دلالات متعددة تتقاطع فيها مقتضيات الدستور مع تطور المشاركة السياسية للمرأة المغربية.
كما تستدعي بحكم طبيعة الحدث إعادة طرح سؤال قديم في الفقه الإسلامي حول مدى مشروعية تولي المرأة الولايات العامة؟
اليوم، كان الحدث الأبرز في الساحة السياسية المغربية تعيين المنصوري رئيسة للحكومة من طرف الملك محمد السادس حيث كُلّفت بتشكيل الحكومة الجديدة استنادا إلى الفصل 47 من الدستور الذي ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وبذلك فإن الحدث، من الناحية الدستورية، لا يخرج عن الآلية التي رسمها الدستور لتشكيل السلطة التنفيذية، وإنما يبرز في هذه الحالة أن الشخصية التي تتولى رئاسة الحكومة؛ امرأة.
وهنا تبرز المسألة الأولى: احترام الدستور نصاً وروحاً؛
فالدستور المغربي لا يجعل الجنس شرطا لشغل رئاسة الحكومة، بل ينص في الفصل 19 على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما ينص الفصل 30 على حق المواطنات والمواطنين في التصويت والترشح للانتخابات، ويشجع على تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية.
أما الفصل 47 فيحدد آلية تعيين رئيس الحكومة دون أن يجعل من الذكورة شرطا لهذا المنصب.
ومن ثم فإن تعيين امرأة لرئاسة الحكومة لا يحتاج، من حيث الأصل الدستوري، إلى تأويل استثنائي أو إلى تعديل في القاعدة الدستورية، وإنما هو تطبيق للمقتضيات الدستورية على شخصية سياسية استوفت المسار السياسي الذي أفضى إلى هذا التكليف.
ومن الطبيعي أن يُقرأ الحدث باعتباره محطة بارزة في مسار حضور المرأة المغربية في مواقع القرار غير أن اختزال دلالته في كونها «امرأة» فقط سيكون تبسيطا لحدث أكثر تعقيدا، فالمرأة المغربية لم تدخل اليوم إلى المجال السياسي لأول مرة، ولم تصل لأول مرة إلى مؤسسة دستورية أو إلى موقع سياسي رفيع، ذلك أن نساء مغربيات راكمن تجارب مختلفة في الحكومة والبرلمان والقضاء والمؤسسات الدستورية والإدارة الترابية والجماعات المنتخبة.
وتكفي الإشارة، في هذا الصدد، إلى زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، وقبلها إلى الراحلة زليخة نصري، التي شغلت منصب مستشارة للملك، فضلا عن تجارب نسائية أخرى في التدبير المحلي والحكومي والبرلماني.
وعليه، فإن أهمية تعيين فاطمة الزهراء المنصوري لا تكمن في اكتشاف الحضور السياسي للمرأة المغربية، وإنما في انتقال هذا الحضور إلى أعلى موقع في السلطة التنفيذية الذي لم تتولَّه امرأة مغربية من قبل.
وهو ما يجعل الحدث امتدادا لمسار، وليس قطيعة مع الماضي.
فعلى المستوى العربي، تكتسب الخطوة المغربية دلالة إضافية.
ذلك أنه سبقت المغرب إلى رئاسة الحكومة في العالم العربي تونس؛ إذ تولت نجلاء بودن رئاسة الحكومة سنة 2021، ثم تولت سارة الزعفراني الزنزري المنصب منذ مارس 2025، وهي ما تزال رئيسة للحكومة التونسية وفق البوابة الرسمية للحكومة التونسية.
وبذلك تصبح فاطمة الزهراء المنصوري ثالث امرأة عربية تتولى رئاسة الحكومة، في حين لا يصح وصفها بأنها الثالثة في العالم الإسلامي، لأن التجربة الإسلامية الأوسع تضم نماذج نسائية سابقة؛ خالدة ضياء الرحمن، رئيس وزراء بنغلاديش في الفترة من 1991م حتى 1996م، كأول امرأة في تاريخ البلاد تتقلّد هذا المنصب وثاني امرأة مسلمة في العالم تتولّى منصب رئاسة حكومة بعد بينظير بوتو.
وهذه التفرقة ليست شكلية؛ لأنها تعكس الفارق بين مفهوم «العالم العربي» ومفهوم «العالم الإسلامي».
لكن عودةً إلى التراث الإسلامي تتساءل عن ماذا قال الفقهاء عن تولي المرأة الولاية العامة؟
وهنا ينتقل النقاش من السياسة إلى الفقه، ومن الدستور إلى التراث الإسلامي.
والنظر الفقهي ينقسم في الحالة هاته إلى اتجاهات متعددة، وليس من الدقة اختزال التراث كله في رأي واحد.
فالقول الفقهي التقليدي الغالب يميز بين الولاية العظمى أو الإمامة الكبرى وبين سائر الولايات العامة مستندين أصحاب هذا الاتجاه، في منع المرأة من الولاية العظمى، بصورة أساسية إلى الحديث النبوي: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وهو الحديث الذي ورد في سياق خبر تولية ابنة كسرى ملكة على الفرس.
وقد ذهبت مؤسسات فقهية معاصرة إلى تبني هذا التفريق؛ فمجمع الفقه الإسلامي الدولي قرر أن جمهور الفقهاء يمنعون المرأة من الولاية العظمى، أي رئاسة الدولة، لكنه في الوقت نفسه أكد أن تولي المرأة للولايات العامة، ومنها القضاء والوزارة ونحوها، مسألة خلافية بين الفقهاء، وخلافها معتبر، وهذه النقطة بالذات مهمة في النقاش المغربي؛ لأن السؤال لا ينبغي أن يصاغ بصورة مبسطة: «هل أجاز الإسلام للمرأة العمل السياسي أم منعه؟» فهذه الصياغة تتجاهل التفصيل الفقهي.
ومن اللافت في التراث الفقهي أن ابن حزم الأندلسي ذهب إلى جواز تولي المرأة الحكم، وناقش الاستدلال بالحديث المذكور، مميزا بين الحكم العام الذي حمل عليه الحديث وبين صور أخرى من ممارسة السلطة.
ويذكر ابن حزم في «المُحلَّى» أن تولي المرأة الحكم جائز، وينقل هذا القول عن أبي حنيفة، كما يستحضر قصة الشفاء بنت عبد الله في ولاية حِسبة السوق.
وهذا يكشف أن المسألة لم تكن، تاريخياً، مغلقة تماماً على قول واحد، وإن كان القول المانع من الإمامة العظمى هو قول جمهور الفقهاء.
وهل رئاسة الحكومة هي الإمامة العظمى؟
هذه هي النقطة الأكثر أهمية في تنزيل الحكم الفقهي على الدولة الحديثة.
فرئاسة الحكومة في النظام الدستوري المغربي ليست هي «الإمامة العظمى» بالمعنى الذي عرفه الفقه السياسي الإسلامي القديم.
فرئيس الحكومة، رجلا كان أو امرأة، يعمل داخل منظومة دستورية ومؤسساتية تتوزع فيها السلطة والاختصاصات بين مؤسسات متعددة، والدستور المغربي يجعل الملك رئيس الدولة، وأمير المؤمنين، وضامن دوام الدولة واستمرارها واحترام الدستور، بينما تمارس الحكومة السلطة التنفيذية تحت سلطة رئيسها، وفق توزيع دستوري للاختصاصات.
ومن هنا نشأ اتجاه فقهي معاصر يرى أن الحديث عن «الولاية العظمى» لا ينطبق بالضرورة على منصب رئيس الحكومة في الدولة الدستورية الحديثة.
وفي هذا يذهب الشيخ يوسف القرضاوي إلى هذا التفصيل، فميز بين الإمامة العظمى ورئاسة الدولة ذات الإرادة النافذة بصورة مطلقة، وبين المناصب السياسية والإدارية الأخرى، معتبرا أن هذه الأخيرة مجال للخلاف الفقهي، وأن طبيعة الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات والتوزيع الجماعي للمسؤولية تجعل إسقاط مفهوم الإمامة التاريخية على كل منصب سياسي معاصر أمرا يحتاج إلى تدقيق.
وبذلك يصبح النقاش أكثر علمية حين نفرق بين النص الفقهي المتعلق بالإمامة الكبرى في التصور السياسي القديم، وبين الوظيفة الدستورية لرئيس الحكومة في الدولة الحديثة.
لا يعني ذلك أن الخلاف الفقهي قد انتهى، ولا أن كل المدارس الفقهية تنظر إلى المسألة بالطريقة نفسها، فالخلاف سيظل قائما لدى من يحمل الحديث على عموم الولاية السياسية مقابل من يقيده بالإمامة العظمى أو يقرأه في سياقه التاريخي والسياسي.
على أن الدولة المغربية حسمت المسألة، من الناحية القانونية والدستورية، داخل منظومتها الدستورية الخاصة.
فالفصل 19 يقرر المساواة في الحقوق والحريات، والفصل 30 يضمن حق الترشح، والفصل 47 يحدد آلية تعيين رئيس الحكومة دون اشتراط الذكورة. ومن ثم فإن السؤال الفقهي يظل سؤالا علميا وفكريا مشروعا، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى خلط بين الحكم الدستوري الوضعي وبين الخلاف الفقهي في الولاية العامة.
والأهم الآن ليس فقط أن المغرب أصبح أمام أول رئيسة حكومة في تاريخه، وإنما ما الذي ستكشف عنه المرحلة المقبلة.
فالمنصوري لم تبدأ بعد ممارسة السلطة الحكومية بصورة كاملة، وإنما كُلّفت بتشكيل الحكومة، وحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات التشريعية، لا يتوفر منفردا على الأغلبية البرلمانية، وهو ما يجعل مرحلة بناء التحالف الحكومي الخطوة السياسية التالية الأكثر راهنية وأهمية وحضوراً.
وهنا ستنتقل رمزية الحدث من مستوى الصورة إلى مستوى الأداء؛ فالمرأة حين تصل إلى موقع القرار لا ينبغي أن تُقاس فقط بكونها امرأة، كما لا ينبغي أن تُحاسب على أساس جنسها، ذلك أن المعيار السياسي الطبيعي هو البرنامج، والقدرة على تدبير المؤسسات، واحترام الدستور، والوفاء بالالتزامات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
والظاهر، على وجه الحقيقة، أن المرأة المغربية قطعت مشواراً طويلا في طريق الحضور داخل المؤسسات، أما تعيين فاطمة الزهراء المنصوري في رئاسة الحكومة فيفتح صفحة جديدة في هذا المسار.
والمرحلة المقبلة هي التي ستحدد مضمون هذه الصفحة: شكل التحالف الحكومي، تركيبته، أولوياته، وبرنامجه، ومدى قدرته على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمغاربة.
إنها، في نهاية المطاف، لحظة يتقاطع فيها الدستور مع التحول الاجتماعي، والفقه مع سؤال الدولة الحديثة، والتجربة السياسية للمرأة المغربية مع اختبار المسؤولية التنفيذية.
وهذا هو المعنى الأعمق للحدث كونه اختبار جديد لقدرة المؤسسات المغربية على تحويل مبدأ المساواة في الولوج إلى المسؤولية إلى ممارسة سياسية ومؤسساتية كاملة داخل الإطار الدستوري للمملكة.
اترك تعليقاً