السلطة بصيغة المؤنث!
أن تتولى امرأة رئاسة الحكومة المغربية، فهذا حدث تاريخي بلا شك.
لكن بعد انتهاء لحظة الإعلان، والصور الرسمية، والتهاني، تبدأ القصة الحقيقية: كيف سنتعامل مع امرأة وهي تمارس السلطة؟
والحقيقة أننا حصلنا على جزء من الجواب حتى قبل تعيينها.
فبينما كان من المفترض أن ينشغل النقاش بالاقتصاد والتشغيل والصحة والتعليم، كانت مواقع التواصل الاجتماعي منشغلة بأسئلة أخرى أكثر «إلحاحا».
مثلا: كيف ستصلي رئيسة الحكومة بجانب الملك؟
نعم، الصلاة.
يبدو أننا حسمنا ملفات الاقتصاد والبطالة والمدرسة والصحة، ولم يبق أمام المغرب سوى هذا الإشكال الدستوري المستعصي!
مضحك، طبعا. لكن خلف هذه الطرافة شيء يستحق التوقف عنده.
لأن المرأة حين تصل إلى السلطة لا تُراقَب فقط فيما تفعله، بل كثيرا ما تُراقَب أيضا في الطريقة التي تتكلم بها، وتجلس بها، وتبتسم بها، وتلبس بها، وحتى في مقدار الحزم المسموح لها به.
وهنا يظهر ما يسمى بـ Double Bind، أو «القيد المزدوج».
إذا كانت حازمة، فهي متسلطة.
إذا فضّلت التوافق، فهي ضعيفة.
إذا أظهرت طموحها، فهي «طامعة في السلطة».
وإذا اختارت الهدوء، فهي تفتقد إلى الكاريزما.
باختصار، المطلوب بسيط جدا: أن تكون قوية، ولكن ليس كثيرا. حازمة، ولكن بابتسامة. طموحة، ولكن دون أن يظهر طموحها. صاحبة شخصية، ولكن رجاءً… ليس أكثر من اللازم.
مهمة سهلة جدا!
أن المغرب لا يكتشف اليوم المرأة في مواقع القرار.
الراحلة زليخة نصري كانت لسنوات في قلب الدولة، وزينب العدوي تتولى اليوم مسؤوليات مؤسساتية مهمة. وهناك مغربيات كثيرات أثبتن، منذ زمن، أن الكفاءة في تدبير المسؤولية لا تحتاج إلى إثبات مؤنث في كل مرة.
ما تغير اليوم هو حجم الضوء المسلط على المنصب.
رئيسة الحكومة ستكون تحت أنظار الجميع. ستُنتقد قراراتها، وستُناقش اختياراتها، وستُحاسب على حصيلتها.
وهذا طبيعي جدا.
بل أتمنى ذلك.
انتقدوا سياستها الاقتصادية. اسألوها عن التشغيل. حاسبوها على المدرسة والصحة. ناقشوا الميزانية، والاستثمار، والقدرة الشرائية، والوعود التي تحققت وتلك التي بقيت مجرد وعود.
هذه هي السياسة.
لكن لننتبه فقط إلى تلك اللحظة الصغيرة التي ينحرف فيها النقاش، دون أن نشعر، من «ماذا قررت؟» إلى «كيف قالتها؟»، ومن الحصيلة إلى الشخصية، ومن السياسة الاقتصادية إلى… اللباس.
ونحن، بصراحة، لدينا موهبة خاصة في هذا المجال.
قد نبدأ النقاش بعجز الميزانية، وبعد ثلاثة تعليقات فقط نجد أنفسنا نناقش لون الجاكيت.
لا تسألوني كيف وصلنا إلى هذا. لكننا نصل دائما!
وهنا تحديدا تصبح الكلمات مهمة.
لأن تكرار نفس الأوصاف يصنع، مع الوقت، صورة ذهنية. والصورة الذهنية، كما يعرف أهل التواصل جيدا، قد تصبح أحيانا أقوى من الوقائع نفسها.
أن تصل امرأة إلى رئاسة الحكومة حدث تاريخي.
لكن بالنسبة إليّ، الاختبار الحقيقي يبدأ في اليوم التالي.
حين نتمكن من انتقادها دون أن نحتاج إلى التذكير بأنها امرأة.
حين نختلف معها دون أن يصبح طبعها موضوع النقاش.
حين نؤيد قرارا أو نرفض آخر، ونحاسبها على ما فعلته وما لم تفعله، تماما كما نفعل مع أي رجل جلس على الكرسي نفسه.
يومها فقط لن يكون التغيير في جنس من يمارس السلطة.
سيكون التغيير قد وصل إلينا نحن أيضا.
أما الآن، فالرمز أصبح واقعا.
فلنترك جانبا كيف ستصلي، ماذا سترتدي وكيف ستبتسم…
ولنتحدث، أخيرا، في السياسة.
اترك تعليقاً