الصلح في قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25
مقدمة:
أكد المشرع المدني في قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 الذي دخل حيز التنفيذ في 24 غشت من سنة 2026 في مجموعة من مواده على ضرورة عرض مسطرة الصلح على المتقاضين قبل مباشرة أي إجراء من إجراءات الدعوى، وذلك من أجل تشجيعهم على اختيار الحلول الحبية والودية لمعالجة قضاياهم ربحا للوقت ومحافظة على حبل العلاقات الاجتماعية بينهم واختصارا للزمن القضائي الذي يستهلك في العديد من الإجراءات التقليدية والتي تكون مصحوبة -في الغالب- ببعض الإكراهات والصعوبات القانونية والواقعية والشخصية.
وهكذا تم التنصيص في ديباجة القانون الجديد على أنه يرمي إلى تنزيل توصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة والتي تؤكد على “تشجيع اللجوء إلى الصلح لحل المنازعات وتسهيل الولوج إلى القانون والعدالة، وتوفير عدالة قريبة وفعالة للمتقاضين“. كما تم التنصيص على ضرورة إعمال مسطرة الصلح في العديد من مواد قانون المسطرة المدنية، وهو ما سنعمل على إبرازه في فقرات هذه المقالة.
العرض التلقائي للصلح أو بناء على طلب:
ففي المادة 8 من ذات القانون تم التنصيص على أنه “يمكن للمحكمة، تلقائيا أو بناء على طلب أحد الأطراف، أن تعرض الصلح عليهم، ولها في هذه الحالة أن تأمر بحضورهم شخصيا أو من يمثلهم بوكالة خاصة أو انتداب، حسب الحالة.
كما يمكن للمحكمة أن تسند إجراء الصلح إلى دفاع الأطراف أو المساعدين الاجتماعيين أو الأشخاص الذين تقدر المحكمة أنهم مؤهلون لهذه الغاية“.
وفي حال التوصل إلى هذا الصلح التلقائي المعروض من المحكمة أو بناء على طلب أحد الأطراف فإنه يتم تسجيله من طرف المحكمة “بمقتضى حكم غير قابل لأي طعن” حسب الفقرة الأخيرة من ذات المادة.
تدخل المحكمة من أجل طلب الصلح لفائدة القاصر المميز الذي ليس له نائب شرعي:
حيث نصت الفقرة الثانية من المادة 11 من ق م م على أنه ” يمكن للجهة القضائية التي تنظر في الدعوى أن تأذن للقاصر الـمميز، الذي ليس له نائب شرعي أو لم تتأت النيابة عنه، بالتقاضي أمامها أو بطلب الصلح فيما له فيه مصلحة ظاهرة“.
عدم إجراء محاولة الصلح بين طرفي الدعوى مبرر لطلب الإلغاء أمام رئيس المحكمة الابتدائية:
تأكيدا على أن الصلح أصبح عنصرا أساسيا في مراحل التقاضي خاصة في القضايا التي تبت فيها المحكمة الابتدائية ابتدائيا وانتهائيا، أكد المشرع في المادة 32() على أن “عدم إجراء الصلح بين طرفي الدعوى من طرف القاضي” يعد من بين مبررات طلب إلغاء الحكم الصادر في هذا الشأن طبقا للمادة 30 التي تحدد الاختصاص القيمي للمحاكم الابتدائية ابتدائيا وانتهائيا() والمادة 331 التي تحدد الاختصاص النوعي والقيمي لقاضي القرب المدني().
4 – عرض الصلح على الأطراف أثناء إجراء الخبرة:
حيث أصبح الخبير بمقتضى الفقرة الثالثة () من المادة 127 ملزما بضرورة إجراء محاولة الصلح بين الأطراف أثناء حضورهم لإنجاز الخبرة التي تأمر بها المحكمة، مع ضرورة الإشارة إلى ما يفيد قيامه بتلك المحاولة في تقريره الذي يتضمن أيضا أقوال الأطراف وملاحظاتهم وتوقعيهم معه عليه، مع وجوب الإشارة فيه إلى من لا يعرف التوقيع أو يرفضه، وإذا تعلق الأمر بتصريحات كتابية، وجب على الخبير إرفاقها بتقرير الخبرة.
5 – مركزية الصلح في قضايا الأسرة:
أكدت المادة 259 من ق م م على ضرورة إجراء محاولة الصلح في القضايا الأسرية وذلك بعد استدعاء الأطراف للجلسة، ويكون هذا الصلح بحضور الأطراف شخصيا، وفي حال تعذر ذلك لأسباب قاهرة، فيمكن إجراء هذه المحاولة بواسطة وكلائهم أو محاميهم ما لم يتعلق الأمر بحالات الطلاق والتطليق والتعدد فالمشرع يشترط ضرورة حضور الأطراف شخصيا. إلا أن الصلح بواسطة الوكلاء أو المحامين لا يمكن أن يتم تلقائيا من طرف المحكمة أو بناء على وكالة عامة مفوضة، بل لابد من وكالة خاصة من أحد أطراف النزاع أو من كليهما، لأن الصلح من التصرفات التي تترب عليها آثار قانونية هامة تمس جوهر النزاع.. ووسعت المادة من دائرة الجهات التي يمكنها القيام بهذه المحاولة، إذ خولت للمحكمة إمكانية إسناد إجراء الصلح أو الوساطة إلى دفاع الأطراف أو الهيئات أو المؤسسات أو الجهات أو الأشخاص أو المساعدين الاجتماعيين بالمحاكم المؤهلين لهذه الغاية.
وأكدت الفقرة الأخير من المادة 259 ق م م على أن وقوع الصلح يكون لازما للأطراف وأن المحكمة تصدر حكما يثبت الاتفاق وينهي النزاع، وينفذ بقوة القانون ولا يقبل أي طعن.
6- الصلح في دعاوى الطلاق والتطليق:
وفي المادة 274 من قانون المسطرة المدنية أكد المشرع مجددا على ضرورة إجراء محاولة الصلح قبل الإذن بالإشهاد على الطلاق أو الحكم بالتطليق وذلك طبقا لمقتضيات مدونة الأسرة.
7 – الصلح في القضايا الاجتماعية:
تنص المادة 313 من قانون المسطرة المدنية الجديد على أنه “إذا باشر طرفا عقد الشغل مسطرة الصلح التمهيدي المنصوص عليها في مدونة الشغل، فلا يجوز لهما اللجوء إلى المحكمة إلا بعد انتهاء هذه المسطرة.
يعتبر نهائيا ولا يطعن فيه إلا بالزور، كل اتفاق موقع من طرف الأجير والمشغل أو من ينوب عنه، ويكون مصادقا على صحة إمضائه من طرف الجهة المختصة، وموقعا بالعطف من طرف المكلف بتفتيش الشغل”؛ ومعلوم أن مدونة الشغل تنص في الفقرة الثالثة من المادة 41 على أنه ” يمكن للأجير الذي فصل عن الشغل لسبب يعتبره تعسفيا اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي المنصوص عليه في الفقرة 4 من المادة 532 أدناه من أجل الرجوع إلى شغله أو الحصول على تعويض”، وأنه ” يعتبر الاتفاق الذي تم التوصل إليه في إطار الصلح التمهيدي نهائيا وغير قابل للطعن أمام المحاكم.”
وفي حال عدم سلوك مسطرة الصلح التمهيدي بين الأجير والمشغل، ولجوء هذا الأخير إلى المحكمة مباشرة من من أجل فض النزاع مع مشغله فإن المادة 315 من ق م م تؤكد على ضرورة إجراء محاولة صلح بين الأطراف عند بداية الجلسات.
وحددت المادة 316 من ق م م الحالات والكيفيات التي يثبت بها شروط الاتفاق في حالة حصول الصلح بين الأطراف، حيث تكون:
بمقتضى حكم في النزاعات المتعلقة بالشغل؛
وبمقتضى حكم يتضمن تاريخ وقوع الحادثة وتاريخ الشروع في الانتفاع بالتعويض أو الإيراد وجميع العناصر المستعملة لتقدير التعويض أو الإيراد، طبقا للشروط المنصوص عليها في التشريع المعمول به، ويبين في حالة مراجعة الإيراد بسبب الانتكاس أو تفاقم العاهة أو انخفاضها؛ في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية،
وبمقتضى محضر، في قضايا الضمان الاجتماعي، حسب الحالة،
وبمقتضى حكم، يتضمن بيان العناصر المستعملة لتقدير التعويضات والمعاشات المذكورة، طبق الشروط المنصوص عليها في التشريع المتعلق بالضمان الاجتماعي، إذا كان النزاع يتعلق بتعويضات أو معاشات.
وأكد المشرع المدني في القضايا الاجتماعية على ضرورة إثبات عدم وقوع الصلح أو التصالح بين الأطراف بمقتضى محضر، حيث جاء في المادة 317 ق م م على أنه “إذا تعذر تحقيق التصالح لاختلاف الأطراف أو لعدم حضور أحدهم أو ممثل عنه في نزاعات الشغل أو قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، حرر محضر بعدم الصلح، ويبت في القضية حالا أو تؤخر لجلسة أخرى، عند الاقتضاء”.
وجعلت المادة 321 من ق م م من العناصر الأساسية الواجبة التضمين في الأحكام الاجتماعية التنصيص على إجراء محاولة الصلح فضلا عن المقتضيات المشار إليها في المادة 109 من ق م م، وفي حالة إجراء البحث، أسماء الشهود وأدائهم اليمين، وعند الاقتضاء، الإجراءات العارضة ومختلف إجراءات التحقيق المأمور باتخاذها، وكذا النقط الواجب البت فيها.
ونظرا لأهمية البيانات المضمنة في محضر الصلح في القضايا الاجتماعية فقد نصت المادة 325 من ق م م على ضرورة الإشارة في الحكم إلى “مبلغ رأس المال المذكور في محضر الصلح أو الحكم” بمناسبة تحديده لتعويض الإيراد العمري.
8- الصلح أمام قاضي القرب:
ينص منطوق المادة 333 ق م م على أن قاضي القرب لا يمكنه البت في الدعوى إلا بعد تعذر الصلح بين الطرفي الدعوى، مما يفيد بمفهوم المادة أن إجراء محاولة الصلح بين الأطراف مسألة جوهرية لا يمكن تجاوزها، بل إن عدم إجراء هذه المحاولة من طرف قاضي القرب تعد من بين حالات طلب إلغاء الأحكام الصادرة ابتدائيا وانتهائيا أمام رئيس المحكمة الابتدائية المختص طبقا لمقتضيات المادة 32 ق م م.
9- الصلح حاسم للنزاع ولا يقبل أي طعن:
إن من أهم خصوصيات عقد الصلح أنه يحسم النزاع بحيث لا يجوز التراجع عنه ولو باتفاق الأطراف، وقد أكد المشرع هذه الخاصية المميزة لعقد الصلح باعتباره أداة فعالة لحسم النزاع بموجب عدة فصول منها الفصل 1105 من قانون الالتزامات والعقود الذي أكد على أنه يترتب على وقوع الصلح أن تنقضي نهائيا الحقوق والادعاءات التي كانت محلا له.
ونجد أيضا الفصل 1106 من نفس القانون يؤكد على خاصية حسم النزاع وعدم جواز الرجوع في الصلح ولو باتفاق الطرفين، وكما نجد في الفصل 1112 من ذات القانون التأكيد على عدم جواز الطعن في الصلح من أجل إبطاله بسبب غلط في القانون.
وانسجاما مع هذا التوجه المقرر في قانون الالتزامات والعقود فإن المشرع المدني في عدد من مواده أأكد ن وقوع الصلح بين أطراف النزاع يكون حاسما ولا يقبل أي طعن، وهكذا جاء في الفقرة الأخيرة من المادة 8 من ق م م. أنه “في حال التوصل إلى الصلح التلقائي المعروض من المحكمة أو بناء طلب أحد الأطراف فإنه يتم تسجيله من طرف المحكمة بمقتضى حكم غير قابل لأي طعن“. وفي المادة 259 المرتبطة بالصلح في قضايا الأسرة نص المشرع على أنه “إذا تم الصلح أصدرت المحكمة حالا حكما يثبت الاتفاق وينهي النزاع، وينفذ بقوة القانون ولا يقبل أي طعن“. ونص أيضا في المادة 313 ق م م على أن التوصل للصلح في القضايا المرتبطة بنزاعات وحوادث الشغل أثناء مسطرة الصلح التمهيدي بين طرفي عقد الشغل “يعتبر نهائيا ولا يطعن فيه إلا بالزور“..
خاتمة:
إن تخصيص هذه المساحة الواسعة نسبيا من النص الإجرائي المدني من طرف المشرع للتأكيد على ضرورة إجراء محاولة الصلح مع بداية أي مرحلة منن مراحل التقاضي أمام المحكمة، وأثناء سريان الدعوى وتحقيقها، وانتهاء حتى بإمكانية اعتمادها أثناء مرحلة التنفيذ؛ وكذا حماية محاضر الصلح من أي طعن في حال وقوع الصلح بين الأطراف، مع توسيع دائرة من يمكن للمحكمة أن تسند لهم مهمة القيام بمحاولات الصلح سواء تعلق الأمر بدفاع الأطراف أو المساعدين الاجتماعيين أو الأشخاص الذين تقدر المحكمة أنهم مؤهلون لهذه الغاية، لتشكل في مجموعها أدلة قاطعة على أن المشرع المغربي يسير في اتجاه الأخذ بقوة بالوسائل البديلة للتقاضي، وترسيخها لدى أطراف النزاع لتكون أولوية الوسائل التي يلجأون إليها لفض نزاعاتهم المدنية سواء كانت شخصية أو أسرية أو اجتماعية أو تجارية أو إدارية..
اترك تعليقاً