الانتخابات التشريعية… وإعادة إنتاج الصوت الخفي
للتو انهينا مرحلة أخرى من مراحل اختبار مسارنا الديموقراطي، محطة من محطات تقصي مدى جودة استثمار التراكم الذي حققناه عبر سيرورة بناء الممارسة المواطِنة، وفي إفراز من ينوب عنا في تدبير الشأن العام، وتنفيذ السياسات العمومية. للتو أنهينا محطة جديدة من محطات التحقق من مدى نضج الفعل السياسي، ومساحة الاختيار ونجاعة الخطاب ووعي المواطن بما له وما عليه. فكانت النتيجة عائقا جديدا/ قديما عنوانه: العزوف عن انخراط أغلب المغاربة والمغربيات في تقوية المشاركة في هذا العرس الانتخابي الذي أضحى طقسا نقوم به كل خمس سنوات. فوقفت النسبة عند عتبة %38 تقريبا من مجموع أولئك الذين اعترفت الجهات الرسمية بتسجيلهم على لوائح الراغبين في الإدلاء بصوتهم يوم الاقتراع، وهو رقم لا يسائلنا فقط كمجتمع وكدولة، تراهن على تجاوز الكثير من معضلات الماضي، في مناخ إقليمي ودولي، يختبر صلابة الداخل أكثر من جس نبض علاقاتنا بالخارج، بل ينم عن وجود قوى خفية وصوت استثنائي، وهمس شعبي لم يعد يرغب في الظهور، إلا في تجليات لا يريدها أن تكون عبر القنوات الرسمية التي ظلت الدولة والأحزاب السياسية ومختلف الهيئات تنادي بكونها المدخل الأجود لقيادة مسارات التغيير نحو المغرب الذي نتوخاه جميعا.
الصوت الخفي هو تلك %62 ممن غاب يوم الاقتراع، أي ما مجموعه 10 مليون تقريبا(حسب تصريحات الجهات الرسمية دائما)، بالمقارنة مع 6 ملايين الذين أفرزوا هذه الخريطة الحزبية، هذه النسبة الهائلة غابت عن الأنظار، تتابع السياسة، تنتقد، تعبر عن سخطها هنا وهناك، لكنها لزمت تطبيق قاعدة ” الحضور في عز الغياب” لترسل رسائل، ربما فشلت الحكومات المتتالية عن فك شفراتها. وحتى إن كدنا نتفق أن أغلب التحليلات تتجه صوب انتقاء أحداث بعينها، باعتبارها أحسن تعبير عن صوت هذه النسبة المرتفعة، وتخص صيحات “جيل z”، ورواد “العبور الكبير” نحو سبتة ومليلية المحتلتين.
لكن السؤال الذي لابد من الانطلاق عبره، علنا نُوضع في سكة طرح القضايا الفعلية والحقيقية لما بعد 23 شتنبر ، أو بالأحرى، ما بعد” 38 بالمئة” التي حصدناها، وهي الأضعف منذ انتخابات 2007، التي قادتنا لنكون وجها لوجه مع موجة “ذاك الربيع الذي ما فتئ يتحول إلى خريف طويل الأمد” لولا حنكة نظام ولحمة شعب وتجربة قل نظيرها في تدبير الأزمات”. والسؤال الذي علينا طرحه اليوم هو: ماذا بعد كل هذا الذي جنيناه من عوز ورفع المواطن ليده من أي انخراط مباشر لاختيار من يمثله داخل مؤسسات تشريعية، دونها لا نستطيع التقدم، ولو خطوة في هذا العالم الذي يقيس الدول بمستوى مواطنيها في الحرية والكرامة والمعرفة والابتكار والوعي بتحديات المرحلة. على من تُلقى مسؤولية ما وصلنا إليه من اختفاء صوت أغلب المواطنين عن الساحة السياسية حينما نحتاج لهذا الصوت؟ ما العمل من أجل إزالة هذه الحواجز “الإسمنتية ” السياسية والثقافية التي أضحت عادة وتقليدا، أدى بالمواطن للتقليل من وظيفة صناديق الاقتراع في الرفع من وتيرة التغيير حسب الطموح والتطلعات؟ كيف سنعيد الثقة للمواطن مستقبلا؟ حتى لا تتكرر مثل هكذا وضعية يقرر فيها 395 مواطنا، أفرزته صناديق اقتراع لـ6 ملايين ناخب مصير ما يقارب 39 مليون مغربي ومغربية؟
أظن أن الجواب سيكون شاقا وشقيا، بل ومزعجا للبعض، لكنه سيكون فعالا لإعادة تقويم موقعنا، وهنا يكون السؤال بمثابة عملية تشريح، والجواب توجُّه مباشر نحو إزالة الورم الذي سبب كثيرا في ألم الوطن وتفعيل ما سيوحدنا جميعا من أجل تجاوز هذه المحطة السياسية والانتخابية، لن يكون إلا باعتراف صريح من لدننا جميعا/ ناخب ومنتخب، أحزابا وحكومات، أغلبية ومعارضة، دولة ومجتمع…. وإليكم بعضا مما علينا أخذه مأخذ الحسبان، علَّه يقينا شر المعضلة التي جعلت مصير أمة في يد ثلة قليلة ممن يعشقون إعادة انتاج “اللامعنى” في تدبير الشأن العام، ويزرعون في زمن قلقلنا الجماعي بذور اليأس رغم تشبتنا بالتفاؤل، لأننا أمة تواقة دوما لبلوغ نشوة الانتصار.
أولا، لايمكن لهذا الخطاب السياسي الذي تنتجه الأحزاب السياسية بهذا الشكل وهذه المفاهيم وهذه الرنة tonalité وهذه الحلول، وهذه الرؤية التي لا تنتج إلا خطابات وبرامج متشابهة، لا يلمس فيها المواطن، مهما كان مستواه المعرفي والثقافي، أي لمسة إبداعية أو قيمة مضافة، لأنه خطاب مفعم بالكثير من الرتابة والتكرار، وتناسخ البرامج والعبارات والجمل، وتكاد جلها تنطلق من المرجعيات ذاتها ومن الأحداث نفسها، مما ينتفي معه أي فرق في التصور أو المنظور السياسي أو التدبيري لمختلف القضايا والمشاريع التي ينادي بها المواطن، والتي من الضروري تنفيذها من أجل السير قدما نحو مدن وقرى، وجهات في مستوى طموحات الناخبين.
ثانيا: مادام المعيار هو الشخص بدل الحزب، والانتماء العائلي بدل البرنامج وتاريخ المنجزات( وهنا لا نعمم طبعا)، ومواقف الهيئات الحزبية في مختلف المحطات التي تمر منها البلاد، فنحن أمام انتخابات ناقصة من حيث توطيد البعد الديموقراطي في مسألة الاختيار، وإن كانت الأحزاب وحدها غير مسؤولة عن هذا المؤشر( الشخص هو الحزب والحزب هو الشخص)، فهي وحدها تتحمل مسؤولية توجيه الخطاب السياسي نحو تقوية إطاراتها النظرية والتنموية في مختلف المجالات/ القطاعات( الصحة التعلم، الحرية، الكرامة، تحديات تدبير المدن، مشكلات العالم القروي، الجبل، الساحل، …)، ولاشك أن ارتفاع نسب التصويت في العالم القروي والمراكز الحضرية وبعض المناطق والجهات التي ما تزال فيها “النعرة القبلية” تفعل فعلتها في تحديد الممارسة السياسية والحزبية، دليل آخر على اختزال هذه العملية، الديموقراطية، في مجرد تصفية حسابات، ليست سياسية طبعا، بل حسابات قبلية وأحيانا أسرية، لا علاقة لها بأي برنامج أو تصور أو خطاب تنموي قادر على منافسة الخصوم السياسيين.
ثالثا: مادام مفهوم “الأعيان” لم يخضع بعد لتغييرات نفسية واجتماعية وثقافية، في أذهان الساكنة المحلية، فهو سيظل تشويها لمعنى النخبة المحلية، التي تضمن حضور صوتها مهما كان الحزب أو البرنامج أو حتى نسبة المخالفين أو المعارضين على المستوى المحلي( وغالبا ما لا يستطيع أحدا أن يجاري الوجهاء في جشعهم، وغطرستهم وسيطرتهم على الرأي العام المحلي)، كأن التاريخ توقف منذ أن حرر الأنثربولوجي البريطاني إرنست غيلنر Ernest Gellner عنا كتابا لخص فيه دور الصلحاء ( ومن هذه النخبة التي تتزعم البوادي والحواضر في الانتخابات اليوم سحنة بل امتداد، وأحيانا هي ذاتها العائلة الممتدة لهؤلاء الصلحاء)، ومنذ أن أطلق ريمي لوفو Rémy Leveau عنانه التحليلي، ليصل إلى أن هؤلاء الأعيان، هم صماَّم أمان لتحالف استراتيجي، يكون فيه العالم القروي رهان توزان بين المركز والهامش، لذا، فالتحولات الكبرى التي عرفها المجتمع المغربي، لم تستطع زعزعة هذه الأنساق الكبرى التي تقوَّت أكثر داخل الحواضر، وساهمت في التأثير السلبي على بناء الممارسة الديموقراطية انتخابيا، عبر الكفاءة بدل الأعيان. وهنا نكرس سيرورة تاريخية محكومة بإعادة إنتاج نفس النخبة، التي تهيمن على كل الشيء وتستطيع القيام بأي شيء إلا خدمة المصلحة العامة، لأنها دوما ضد سنّ سياسات عمومية لا تصب في صميم خدمة مصالحهم، أو من سيخلفهم من أبناء ومريدين. وربما هو ذاته المنطق الذي يحكم أغلب الأحزاب السياسية، ولا يتسع المقام لإعطاء المزيد من الأمثلة على ذلك. وفعلا هذه البنية السياسية والثقافية المتحكمة في إعادة انتاج النخب المحلية في صيغة “أعيان”، لا تستطيع الأحزاب السياسية، سواء كانت يمينية أو يسارية، مجددة أو محافظة، أغلبية أو معارضة أن تتخلص منها، مادام الهدف على حد تعبير أحد الزعماء السياسيين هو : ” الحصول على المقاعد”، لذا، خضعت الأحزاب لإملاءات الأعيان وطموحاتهم، مما أضر بسمعتها وقدرتها على استقطاب الفئات التي سئمت من ثقافة الوجهاء، هؤلاء الذين أثبت التراكم التاريخي لبلدنا أن أغلبهم لم يكن يخدم إلا مصلحته، سواء أكان قريبا أو بعيدا من السلطة المركزية وأفضالها.
رابعا: تحويل الانتخابات وحملاتها ولوائح مرشحيها إلى مجرد مهرجانات موسمية، أوصلتنا إلى هذه النتيجة، بعد تراكم محفوظ في سجل الأخطاء الهائلة التي ارتكبناها على طول سنوات مضت، لاسيما بعدما أضحت مواقع التواصل الاجتماعي خزانا معلوماتيا غنيا، إذ لم تعد ذاكرة الشعب وحدها القوية، بل حتى الوسائل التقنية المحيطة به، من الشبكة المعلوماتية إلى أنماط الذكاء الاصطناعي، توفر زخما مهما من المعطيات التي لا يمكن لأي زعيم حزبي أن ينكر أن الحملات الانتخابية متشابهة، والبرامج تكاد تكون نسخا لبعضها البعض( ليس فقط على صعيد البرامج الوطنية المشتركة بين الجهات، بل حتى تلك التي من الضروري أن تراعي الفوارق الجهوية والتنوع الجغرافي والثقافي والاختلاف الجدري لبعض الحاجبات المحلية.
خامسا: نفس الوسائل تؤدي حتما إلى نفس النتائج، قولة مأثورة وذات فعالية في حالتنا هذه، حيث لن يؤدي استعمال نفس الآليات المتحكمة في رسم الاختيارات الحزبية والسعي المستمر للحفاظ على نفس التمثلات لدى الساكنة، سوى إلى تكريس نفس الخريطة السياسية بنفس المفاهيم وبنفس الأحزاب، وبنفس الوجوه حتى. إلى حد استرعى انتباهي تعبير أحد المتتبعين للشأن السياسي والحزبي، لما اختزل نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 في عبارة: ” لن تكون هناك حكومة جديدة، بل هو تعديل حكومي موسع، لكون نفس الأحزاب هي ذاتها التي احتلت الرتب الأولى وبنفس المرشحين تقريبا، ما عدا موجة الترحال الحزبي الذي ساهم في تغيير الانتماء لبعضهم، دون أن يغير من طريقة التفكير في مصالحهم الخاصة، والتي تبدأ أولا، بضمان تزكية في حزب يخول لهم الظفر بالمقعد دون معاناة الحملة أو تذكير المواطنين بما أنجز وما لم ينجز في الولايات المتتالية التي كان فيها ممثلا برلمانيا للساكنة دون أن يحدث ولو تغيير طفيف في الواقع اليومي للمواطنين.
أمام كل هذه العوامل، وغيرها، كان من البديهي أن تضعف نسبة المسجلين والمصوتين إلى هذه العتبة غير المسبوقة، وبديهي أن تفرز صناديق الاقتراع هذه النسخة المحيَّنة من حكومة 2021 بصيغة مغايرة، إلى حد يستطيع كل متتبع أن يدلي بقائمة أسماء المرشحين الذين سيحظون بالفوز، وأولئك الذين هم مجرد “أرانب سباق” في ساحة انتخابية وسياسية تقدم التعدد في عز الوحدة، والتغير في عمق الثبات. عموما، مرت الحملات الانتخابية ومر “الفعل الانتخابي” في أجواء تطبعها إعادة انتاج الكثير من “السلوكات” التي تمس الممارسة الديموقراطية في جوهرها، سواء تلك التي حولت البرامج الانتخابية إلى شخصنة مفرطة في تصفية الحسابات السياسية بين المرشحين، أو تلك التي اختزلت الصراع الانتخابي في استثمار القبيلة والأعيان وأساليب أخرى، في عز صمت أكثر من% 70 من أولئك الذين يخول لهم القانون الإدلاء بصوتهم. هنا غابت البرامج وغابت التحديات الكبيرة التي ستواجه الحكومة المقبلة مهما كانت تركيبتها ومهما كانت التوافقات داخلها. نتمنى أن نتجاوز كل هذه المنزلقات الحزبية والانتخابية، لأنها تمس رهاناتنا السياسية والتنموية ومكانتنا الإقليمية والدولية في الصميم، وأن تتمكن الحكومة المقبلة من فتح رهان إصلاح الفضاء الحزبي والسياسي، عبر تغيير الترسانة القانونية المنظمة للأحزاب والانتخابات والاقتراع ومسارات انخراط “الكتلة الصامتة” وجعل المؤسسات الحزبية فعلا، هيئات تعبر عن الأفق الديموقراطي الذي نطمح إليه.
إبراهيم أونبارك
دكتوراه في الفعل السياسي وتدبير قضايا التراب
اترك تعليقاً