وجهة نظر

مستقبل التوازنات السياسية بالمغرب: أي تحالف حكومي لقيادة أوراش المملكة؟

علي العسراوي

لم تنه الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 النقاش حول مستقبل المشهد السياسي المغربي، بل فتحت فصلا جديدا عنوانه: كيف ستتحول نتائج الاقتراع إلى أغلبية حكومية قادرة على قيادة المرحلة المقبلة؟

فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم الاستقلال بـ65 مقعدا، بينما عاد حزب العدالة والتنمية إلى البرلمان بـ54 مقعدا، قبل أن يختار الاصطفاف في المعارضة. ومع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها، انتقل النقاش من مرحلة قراءة النتائج إلى مرحلة هندسة الأغلبية.

المعادلة العددية تبدو واضحة: لا يمكن لأي حزب أن يحكم منفردا، فيما تحتاج الأغلبية إلى 198 مقعدا على الأقل. ومن هنا تبرز أمام الأصالة والمعاصرة، باعتباره الحزب المتصدر، مجموعة من السيناريوهات، لكن أبرزها يظل إعادة تركيب التحالف الثلاثي الذي حكم خلال الولاية السابقة، هذه المرة بأوزان سياسية جديدة.

الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال يملكون مجتمعين 228 مقعدا، أي أغلبية مريحة داخل مجلس النواب.

ولا تكمن قوة هذه الصيغة في الحساب العددي فقط، وإنما في وجود تجربة حكومية مشتركة بين مكوناتها. غير أن انتخابات 2026 قلبت ترتيب هذه الشراكة: فالحزب الذي كان شريكا في الأغلبية أصبح اليوم في صدارة المشهد، بينما انتقل الأحرار من المرتبة الأولى إلى الثانية. وبذلك، فإن عودة الأحزاب الثلاثة إلى الحكومة لن تكون مجرد استنساخ لتجربة 2021، بل إعادة تشكيل لها تحت قيادة سياسية جديدة وبأولويات يفترض أن تكون مختلفة. وهنا تحديدا يكمن التحدي: الحفاظ على استمرارية الأوراش الكبرى..

الاستمرارية مطلوبة.. لكن برسائل جديدة

الحكومة المقبلة ستتسلم أوراشا لا يمكن التعامل معها بمنطق البداية من الصفر: الحماية الاجتماعية، إصلاح التعليم والصحة، الاستثمار، البنية التحتية، التشغيل، والتحضير للاستحقاقات الكبرى المرتبطة بأفق 2030.لكن الانتخابات حملت في المقابل كذلك رسائل واضحة حول انتظارات المواطنين، وفي مقدمتها القدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات العمومية.

لذلك، فإن التحدي أمام الأغلبية الجديدة سيكون في تحقيق معادلة دقيقة: استمرارية المشاريع الاستراتيجية مع تجديد السياسات والأدوات.

فالمطلوب ليس فقط مواصلة ما بدأ، وإنما أيضا قياس أثره على المواطن وتحويل الأوراش الكبرى إلى نتائج ملموسة.

أما عودة العدالة والتنمية بـ54 مقعدا، واختياره رسميا موقع المعارضة، تضيف عنصرا جديدا إلى الحياة البرلمانية. فالحكومة المقبلة ستكون أمام معارضة ذات وزن من الولاية السابقة، ما يعني أن النقاش داخل البرلمان “قد” يصبح أكثر تنافسية، سواء عبر الأسئلة أو التشريع أو مراقبة العمل الحكومي. وهذا بدوره يفرض على الأغلبية درجة أعلى من الانسجام الداخلي، لأن حكومة متعددة المكونات لا تستطيع مواجهة معارضة قوية إذا كانت خلافاتها الداخلية أكبر من قدرتها على الاتفاق.

وماذا لو اتسعت دائرة التحالف؟

إذا تعثرت المفاوضات مع أحد مكونات التحالف الثلاثي، فإن الحسابات البرلمانية تسمح بفتح الباب أمام أحزاب أخرى، مثل الحركة الشعبية أو الاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية.

لكن توسيع الأغلبية لا يعني بالضرورة جعلها أكثر فعالية. فكلما ارتفع عدد المكونات، ارتفعت الحاجة إلى تنسيق أكبر وإلى ميثاق سياسي واضح يمنع تحول الحكومة إلى مساحة دائمة للمفاوضات حول المواقع والقطاعات.

ولهذا قد تكون المسألة الأساسية في المشاورات الحالية ليست كم حزبا سيدخل الحكومة؟ بل على أي برنامج سيدخل؟

حكومة 2030 تحتاج إلى سرعة القرار، فالمرحلة المقبلة ليست عادية. فالمغرب مقبل على استحقاقات كبرى، وعلى رأسها الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، إلى جانب مواصلة الاستثمارات الكبرى والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية. وهذا يفرض حكومة قادرة على اتخاذ القرار بسرعة، وعلى تعبئة الموارد وتنفيذ المشاريع وفق آجال واضحة.

ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين الشرعية السياسية والكفاءة التدبيرية، بما يسمح بأن تكون القطاعات الاستراتيجية في يد كفاءات قادرة على الإنجاز، بعيدا عن منطق التوازنات الحزبية وحده.

المشاورات ستكون أكثر أهمية إذا انتهت إلى صياغة ميثاق أغلبية واضح، لا إلى مجرد اتفاق حول عدد الوزراء ونصيب كل حزب من الحقائب. فالميثاق المطلوب ينبغي أن يحدد الأولويات الكبرى للحكومة، وآليات التنسيق بين مكوناتها، وكيفية تدبير الخلافات، والالتزامات الزمنية لتنفيذ المشاريع، ومؤشرات قياس الإنجاز. فالأغلبية القوية ليست التي تملك أكبر عدد من المقاعد فقط، وإنما التي تستطيع تحويل هذه المقاعد إلى قرار سياسي منسجم وفعالية حكومية.

الصندوق حسم الترتيب.. والسياسة ستحسم شكل المرحلة

فقد أعادت انتخابات 2026 ترتيب موازين القوى دون أن تلغي الحاجة إلى التحالف. وضعت الأصالة والمعاصرة في موقع القيادة، وأبقت التجمع الوطني للأحرار والاستقلال في قلب المعادلة.

ومن الناحية العددية والسياسية، تبدو صيغة الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال ذات أساس متين: 228 مقعدا وتجربة حكومية مشتركة، لكن نجاحها لن يتوقف على الأرقام وحدها. بل أن تعرف ماذا تريد، وحكومة تعرف كيف تنفذ، وكفاءات قادرة على تدبير الملفات الكبرى، ومعارضة تمارس دورها المؤسساتي.

الأكيد أن صناديق الاقتراع حسمت من يتصدر المشهد، لكن قدرة الأغلبية المقبلة على تحويل هذه الصدارة إلى حكومة فعالة ستتحدد داخل طاولة المشاورات، ثم في قدرتها على الإنجاز على أرض الواقع. وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للمرحلة الجديدة: هل تستطيع الحكومة المقبلة أن تجمع بين استمرارية الأوراش، وتجديد السياسات، وسرعة التنفيذ، وتجديد الثقة السياسية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *