سياسة

مشاورات تشكيل الحكومة: ترحيب بـ”بتعيين المرأة الأول” وحسابات متباينة حول الأغلبية والبرامج

افتتحت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة والمنسقة الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة، الجولة الأولى من المشاورات الأولية لتشكيل الحكومة الجديدة، عقب تعيينها من طرف الملك محمد السادس، إثر تصدر حزبها نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، بحصوله على 97 مقعدا.
وجاءت الجولة الأولى من المشاورات في سياق سياسي تطغى عليه رمزية تعيين أول امرأة لرئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، بالتوازي مع تحديات مرتبطة بإعادة بناء الثقة في العمل السياسي، وترميم العلاقة بين المؤسسات والمواطنين، وتحديد أولويات المرحلة المقبلة.

إجماع على رمزية التعيين

أجمعت الأحزاب التي التقتها المنصوري خلال الجولة الأولى من المشاورات، وفي مقدمتها التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، على أهمية تعيين امرأة على رأس الحكومة، معتبرة الخطوة محطة ذات دلالة سياسية ودستورية، وتعكس تطور حضور النساء في مواقع القرار.

غير أن هذا الإجماع حول رمزية التعيين لم ينعكس بالضرورة على مواقف موحدة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، إذ حملت تصريحات قادة الأحزاب الخمسة تصورات مختلفة بشأن أولويات الحكومة المنتظرة، وشروط المشاركة فيها، وطبيعة الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأحزاب خلال الولاية الجديدة.

استمرار من موقع المسؤولية

وفي صفوف حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي حصل على 66 مقعدا، اتسم الموقف بالحذر والوضوح في التعاطي مع المشاورات. وأكد رئيس الحزب محمد شوكي أن اللقاء مع رئيسة الحكومة المكلفة جرى في أجواء اتسمت بالصراحة والوضوح، وشكل مناسبة للوقوف على التحديات المطروحة أمام المرحلة المقبلة.

وشدد شوكي على استمرار الحزب في ممارسة دوره باعتباره “حزبا مسؤولا”، واضعا المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار، في انتظار استكمال المشاورات وتحديد ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة.

استعادة الثقة

أما حزب الاستقلال، الذي حل ثانيا بـ65 مقعدا، فقد جعل من استعادة الثقة في العمل السياسي إحدى أبرز القضايا التي ينبغي أن تحضر في النقاش حول الحكومة المقبلة.

وأكد الأمين العام للحزب نزار بركة أن المرحلة المقبلة تقتضي الوفاء بالالتزامات تجاه الشباب والنساء، إلى جانب التعامل مع الملفات الاجتماعية والاقتصادية ذات الأولوية، وفي مقدمتها التشغيل وحماية القدرة الشرائية، فضلا عن مواصلة الدفاع عن قضية الوحدة الترابية ومقترح الحكم الذاتي.

وفي ما يتعلق بموقع الحزب من الحكومة المقبلة، أوضح بركة أن القرار النهائي بشأن المشاركة من عدمها سيعود إلى المجلس الوطني للحزب، مؤكدا في الوقت ذاته أن الاستقلال سيواصل دعم التجربة السياسية من الموقع الذي سيختاره.

دعوة إلى “قطيعة إيجابية”

من جهتها، دخلت الحركة الشعبية المشاورات برؤية تركز على ضرورة إحداث “قطيعة إيجابية” مع التجربة الحكومية السابقة، والاحتكام إلى المنهجية الديمقراطية في تدبير المرحلة الجديدة.

وأكد الأمين العام للحزب محمد أوزين أن موقع الحركة الشعبية داخل الأغلبية أو المعارضة لا يمثل أولوية في حد ذاته، بقدر ما تهم الحزب طبيعة السياسات العمومية التي ستعتمدها الحكومة المقبلة، خاصة في ما يتعلق بالتنمية المندمجة والنهوض بأوضاع الشباب.

ويعكس هذا الموقف رغبة في ربط النقاش حول المشاركة الحكومية بالمضامين والبرامج، بدل اختزاله في توزيع المواقع داخل الأغلبية المرتقبة.
دعم التحول السياسي

أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد ركز كاتبه الأول إدريس لشكر على البعد الحداثي والرمزي لتولي امرأة رئاسة الحكومة، معتبرا أن حضور المرأة في مواقع القرار يمثل تطورا مهما في المسار السياسي والمؤسساتي للمغرب.

وبالتوازي مع ذلك، اختار الاتحاد الاشتراكي التحفظ بشأن تفاصيل اللقاء ومضامين المشاورات، حيث شدد لشكر على الالتزام بالسرية التامة إلى حين استكمال باقي الجولات، انطلاقا من قاعدة “المجالس أمانات”.

صفحة سياسية جديدة

أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد قدم قراءة أكثر ارتباطا بالرسائل السياسية التي حملتها نتائج انتخابات 23 شتنبر، إذ اعتبر أمينه العام محمد نبيل بنعبد الله أن النتائج تعكس، في جانب منها، حالة من الغضب والعزوف عن المشاركة السياسية، ما يفرض، بحسبه، إعادة التفكير في طبيعة المرحلة المقبلة.

ودعا بنعبد الله إلى فتح صفحة سياسية جديدة تقوم على تخليق الحياة العامة، وتعزيز الحريات، وإعطاء الأولوية للوضع الاجتماعي، معتبرا أن استعادة ثقة المواطنين تمر عبر إجراءات وسياسات ملموسة وليس فقط عبر إعادة ترتيب الخريطة الحزبية.

ورغم تسجيله نقاط تقاطع مع بعض التصورات التي طرحتها المنصوري، أكد الأمين العام للتقدم والاشتراكية أن الحزب لم يحسم بعد موقفه النهائي من المشاركة في الحكومة، في انتظار تعميق النقاش داخل مؤسساته الحزبية.

مشاورات مفتوحة

وتكشف مواقف الجولة الأولى من المشاورات أن تشكيل الحكومة الجديدة لا يرتبط فقط بتجميع عدد كاف من المقاعد لتأمين الأغلبية البرلمانية، بل يفتح أيضا نقاشا أوسع حول طبيعة التحالفات المقبلة، وأولويات البرنامج الحكومي، وشروط المشاركة السياسية لكل حزب.

وبينما تبدو الحسابات العددية عاملا أساسيا في بناء الأغلبية، تفرض نتائج الانتخابات أيضا على رئيسة الحكومة المكلفة التعامل مع مواقف سياسية متباينة، بعضها يربط المشاركة الحكومية بالأولويات الاجتماعية والاقتصادية، وبعضها يركز على إعادة بناء الثقة في المؤسسات والعمل السياسي، فيما يشدد آخرون على ضرورة تغيير منهجية التدبير مقارنة بالمرحلة السابقة.

وتتواصل المشاورات السياسية بالرباط خلال الأيام المقبلة، من خلال عقد لقاءات مع مختلف الهيئات الحزبية الممثلة في البرلمان، في أفق بلورة الخريطة الأولية للتحالف الحكومي المقبل، وتحديد ملامح البرنامج الذي ستقوم عليه الحكومة الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *