منتدى العمق

هوس المظاهر في زمن السوشيال ميديا

صورة الكاتب عبدالله الحسيني

هل أصبحت الصورة أهم من الواقع؟

افتح هاتفك، وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي لبضع دقائق فقط، وستجد نفسك أمام عالم يبدو مثالياً إلى حد يصعب تصديقه: موائد فاخرة، سيارات لامعة، سفر متواصل، ملابس أنيقة، وابتسامات لا تفارق الوجوه. الجميع تقريباً يبدو سعيداً، ناجحاً، ومستمتعاً بحياته.

لكن هل هذه هي الحياة فعلاً؟

خلف كثير من تلك الصور، هناك واقع آخر لا يظهر في الكاميرا؛ ديون، ضغوط، مشاكل أسرية، قلق، وأشخاص يحاولون بكل طاقتهم الحفاظ على صورة لا تشبه حياتهم الحقيقية.

المظاهر ليست جديدة على المجتمع المغربي. فنحن نعرف جيداً قصة العرس الذي تُصرف عليه أموال تفوق قدرة الأسرة، فقط حتى لا يقال إن العائلة «قصّرت». ونعرف أيضاً من يدخل في الديون لشراء سيارة أو هاتف باهظ، أو يختار ملابس من علامات معروفة، ليس لأنه يحتاج إليها، وإنما لأنه يريد أن يبدو أمام الآخرين في وضع مادي أفضل.

الجديد اليوم أن هذه الرغبة في الظهور وجدت في مواقع التواصل الاجتماعي مساحة واسعة لتكبر وتنتشر. لم يعد الأمر يتعلق بجيران أو أقارب أو دائرة محدودة من المعارف، بل أصبح بإمكان الإنسان أن يعرض تفاصيل حياته أمام مئات أو آلاف الأشخاص في لحظة واحدة.

هكذا تحولت الصورة إلى نوع من «العملة الاجتماعية». عدد الإعجابات قد يمنح البعض شعوراً بالقيمة، والتعليقات تمنح إحساساً بالقبول، والمشاهدات تتحول تدريجياً إلى معيار للحضور. ومع مرور الوقت، قد تتحول مشاركة لحظة جميلة إلى محاولة مستمرة لصناعة حياة تبدو جميلة أمام الآخرين.

حتى السؤال تغير.

لم يعد بعضنا يسأل: «هل استمتعت بهذه اللحظة؟»، بل أصبح السؤال: «هل التقطت لها صورة؟ وهل نشرتها؟ وكم شخصاً تفاعل معها؟».

وهنا تبدأ المشكلة.

فالرغبة في الظهور قد تكون لها كلفة مادية حقيقية. حفلات أكبر من الإمكانيات، سفر من أجل الصور، هواتف وسيارات وملابس يتم اقتناؤها لإرضاء نظرة الآخرين، وأحياناً اللجوء إلى القروض من أجل الحفاظ على مستوى من المعيشة لا يتناسب مع الدخل الحقيقي للأسرة.

لكن الكلفة ليست مالية فقط.

هناك كلفة نفسية أكثر هدوءاً، لكنها ربما أكثر خطورة. فحين يقضي الإنسان ساعات في مشاهدة حياة الآخرين، فإنه يقارنها بحياته بكل تفاصيلها: فواتيرها، مشاكلها، تعبها، خيباتها وأيامها العادية. بينما هو يرى من حياة الآخرين أجمل اللحظات فقط.

ومن هنا يبدأ الإحساس بالنقص.

قد يشعر شاب بأن حياته متأخرة لأنه يرى أصدقاءه يسافرون باستمرار، وقد تشعر فتاة بأنها أقل جمالاً لأنها تقارن نفسها بصور معدلة بعناية، وقد يعتقد شخص أن الجميع يعيش أفضل منه، بينما الحقيقة أن معظم الناس يعرضون الجزء الذي يريدون للآخرين أن يروه فقط.

ولا ينبغي أن نحمّل الفرد وحده مسؤولية هذه الظاهرة. فالمجتمع نفسه يساهم فيها، حين يجعل نظرة الآخرين معياراً للحكم على الإنسان. كثيراً ما نسمع عبارات من قبيل: «ماذا سيقول الناس؟»، وكأن حياة الإنسان مشروع مفتوح أمام الجمهور، وكأن عليه دائماً أن يثبت أنه بخير، حتى عندما لا يكون كذلك.

ثم هناك الإعلانات والمؤثرون الذين يقدم بعضهم نمط حياة يبدو عادياً وسهل الوصول إليه، بينما هو في الحقيقة مرتبط بإعلانات مدفوعة، أو بامتيازات لا تتوفر لمعظم الناس. وهنا يصبح من الصعب على المتلقي أن يميز بين الحياة الحقيقية والمحتوى المصمم خصيصاً ليبدو حقيقياً.

ومع ذلك، ليس كل ما ننشره كذباً، وليست كل صورة استعراضاً. من حق الإنسان أن يحتفل، وأن يسافر، وأن يشتري ما يحب، وأن يشارك لحظاته الجميلة مع الآخرين.

المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهم من اللحظة نفسها، وعندما نبدأ في إنفاق ما لا نملك كي نبدو كما لسنا، أو نخجل من حياتنا الحقيقية لأنها لا تشبه ما نراه على الشاشة.

ربما نحتاج، قبل أي إنفاق من أجل المظاهر، إلى سؤال بسيط لكنه صعب: «لو لم يرني أحد، هل كنت سأفعل الشيء نفسه؟».

إذا كانت الإجابة نعم، فالأمر يتعلق باختيار شخصي ورغبة حقيقية. أما إذا كانت الإجابة لا، فربما نحن لا نشتري شيئاً لأنفسنا، وإنما نشتري نظرة الآخرين إلينا.

في النهاية، مواقع التواصل الاجتماعي لا تعرض الحياة كما هي، وإنما تعرض جزءاً منها. صورة واحدة قد تخفي وراءها شهوراً من التعب، وابتسامة في مقطع قصير قد تخفي مشاكل لا يعرفها أحد.

الصورة قد تجذب الإعجاب، لكنها لا تؤدي فاتورة، ولا تسدد ديناً، ولا تمنح الإنسان راحة حقيقية.

أما الحياة التي تستحق أن نعيشها، فهي تلك التي نشعر فيها بالرضا حتى عندما لا تكون هناك كاميرا، ولا إعجاب، ولا أحد يتابعنا.

لأن الواقع، مهما كان بسيطاً ومتواضعاً، يظل في النهاية أكثر صدقاً من أي صورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *