خارج الحدود، مغاربة العالم

أزمة السكن تشعل احتجاجات في مدريد ويط تحذيرات من هشاشة مضاعفة لمغاربة إسبانيا

أعادت احتجاجات مدريد، التي اندلعت عقب إفراغ مسنة من منزل عاشت فيه أكثر من سبعين عاما، أزمة السكن إلى صدارة النقاش في إسبانيا، ودفعت الحكومة إلى إقرار تدابير جديدة لحماية المكترين، فيما تواجه الأسر المغربية المقيمة بالبلاد صعوبات إضافية ترتبط بارتفاع الأسعار والتمييز في سوق الكراء، وفق قراءة قدمها الدكتور عبد العالي المرابطي لـ”العمق”.

وبدأ الاعتصام مساء السبت 26 شتنبر عقب مظاهرة احتجاجا على إفراغ ماري كارمن أباسكال، البالغة 87 عاما، من مسكنها بحي ريتيرو في مدريد، حيث قضى مئات المحتجين الليل في ساحة “بويرتا ديل سول” مطالبين بإجراءات فعالة لمواجهة أزمة السكن، في تحرك تجاوز التضامن مع المسنة إلى المطالبة بحماية أوسع للمكترين.

ورفعت نقابة المكترين والمكتريات بمدريد مطالب تشمل إقرار عقود كراء غير محددة المدة وتجميد الأسعار ووقف الإفراغات، معتبرة أن معالجة الأزمة تستدعي ضمان الاستقرار السكني والتصدي للممارسات التي تزيد من صعوبة الاحتفاظ بالمسكن أو العثور على بديل ميسر.

وأقر مجلس الوزراء الإسباني، الثلاثاء 29 شتنبر، مرسومين بقانون يتضمنان تمديد الحماية الاجتماعية من الإفراغ إلى غاية 31 دجنبر 2030، وإجراءات لمواجهة الشراء العقاري بغرض المضاربة والتحايل في الكراء الموسمي وكراء الغرف، إلى جانب دعم السكن العمومي وتدابير للتجديد التلقائي لعقود كراء السكن المعتاد مع استثناءات، فيما أعلنت الحكومة أن المصادقة البرلمانية مرتقبة في جلسة استثنائية الجمعة المقبل.

ويأتي هذا التحرك بعد إسقاط البرلمان، في 26 فبراير الماضي، مرسوما يمدد إجراءات “الدرع الاجتماعي”، ومن بينها تعليق إفراغ الأسر الهشة، بأصوات الحزب الشعبي و”فوكس” و”جونتس”، وهي أحزاب بررت رفضها بمواقف تتعلق بحماية الملاك ورفض ما تعتبره تشجيعا على احتلال المساكن، مقابل دفاع الحكومة عن الإجراءات باعتبارها حماية اجتماعية للفئات المتضررة.

وفي تطور يخص القضية التي فجرت الاحتجاجات، أفادت وكالة “رويترز”، الثلاثاء، بأن ماري كارمن قبلت اتفاقا أوليا يتيح عودتها إلى منزلها مقابل كراء يعادل 30 في المائة من معاشها لمدة ثماني سنوات، بعدما جرى إفراغها يوم 23 شتنبر ونقلها على نقالة إلى سيارة إسعاف، غير أن هذا الاتفاق لم ينه مطالب الحركة الاحتجاجية بإصلاحات تشمل باقي المتضررين.

وفي قراءته لهذه التطورات، قال الدكتور عبد العالي المرابطي، المستشار القانوني المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء، في تصريح لـ”العمق”، إن ما تشهده إسبانيا يتجاوز ارتفاع أسعار الإيجار والعقارات إلى أزمة تمس الحق في الاستقرار الاجتماعي، معتبرا أن الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأسر ذات الدخل المحدود والمهاجرون، تتحمل العبء الأكبر.

وأوضح المرابطي أن فقدان المسكن بالنسبة إلى المهاجر لا ينتهي بتنفيذ الإفراغ، بل قد يفتح مواجهة جديدة للعثور على سكن بديل في سوق ترتفع فيه الأسعار وتضيق فيه الخيارات، مشيرا إلى أن الأسر المغربية المقيمة بإسبانيا تواجه، بحسب متابعته، عوائق إضافية مرتبطة بممارسات تمييزية على أساس الأصل أو الجنسية.

وأضاف أن هذه الممارسات قد تتخذ أشكالا غير مباشرة، مثل الادعاء بأن الشقة لم تعد متاحة أو فرض شروط إضافية أو تقليص الخيارات المعروضة على الراغبين في الكراء، مؤكدا أن توفر عمل قار ودخل ثابت لا يضمن دائما تجاوز هذه الحواجز، ما يجعل القضية مرتبطة بالمساواة في الولوج إلى السكن إلى جانب بعدها الاقتصادي.

وتجد المخاوف المتعلقة بالتمييز سندا في دراسة نشرتها وزارة المساواة الإسبانية حول تصورات ضحايا التمييز المحتملين خلال سنة 2024، إذ جاء السكن في مقدمة المجالات التي أفاد المستجوبون بتعرضهم فيها للتمييز بسبب الأصل العرقي أو الإثني، بنسبة 27,5 في المائة ضمن عينة الدراسة.

وتابع المرابطي أن المهاجر قد يجد نفسه أمام سلسلة مترابطة من الصعوبات تبدأ بفقدان المنزل ثم تعذر استئجار مسكن آخر، وقد تنتهي باللجوء إلى السكن المشترك أو غير المستقر أو الانتقال إلى مناطق أبعد وأقل تكلفة، معتبرا أن الإفراغ يمكن بهذه الصورة أن يتحول إلى مسار من الهشاشة الاجتماعية والإقصاء.

وأبرز أن احتجاجات مدريد نقلت أزمة السكن من النقاش التقني حول العقود والقوانين العقارية إلى صلب النقاش السياسي والاجتماعي، مشددا على أن المطالب الحالية تتعلق باستقرار الكراء والحد من الإفراغات دون بديل سكني ومواجهة المضاربة، إلى جانب تنظيم الإيجار المؤقت وتعزيز حماية المكترين.

وأكد المستشار القانوني أن الرسالة الأساسية بالنسبة إلى المهاجرين المغاربة هي أن حماية الحق في السكن ينبغي أن تتجاوز منع الإفراغ، موضحا أن حماية شخص من فقدان منزله دون معالجة الأسعار والتمييز اللذين يعرقلان حصوله على سكن بديل لا تعالج المشكلة من جذورها.

ودعا المرابطي إلى الجمع بين حماية المكترين وتوسيع العرض السكني الميسر وتقوية السكن الاجتماعي ومواجهة المضاربة، مع التطبيق الصارم لقواعد عدم التمييز في سوق الكراء، معتبرا أن السكن يمثل شرطا للاستقرار الأسري واندماج المهاجرين وتماسك المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *