المغرب العميق، مجتمع

بين الترسانة القانونية والهجمات المتتالية.. من يحمي سكان ورزازات من الكلاب الضالة؟

تعيش عدد من مناطق إقليم ورزازات، خلال الفترة الأخيرة، على وقع تنامي ظاهرة الكلاب الضالة وتوالي حالات الهجوم على المواطنين، في مشهد أعاد إلى الواجهة مخاوف الساكنة بشأن سلامتهم، وطرح من جديد أسئلة حول مدى نجاعة التدابير المعتمدة للتعامل مع هذه الظاهرة، وقدرة مختلف المتدخلين على احتوائها والحد من مخاطرها.

وتأتي هذه التطورات في سياق تسجيل حالات متتالية بعدد من مناطق الإقليم، من بينها تازناخت وإزناكن وسيروا، وصولا إلى جماعة أيت زينب، حيث شهدت المنطقة مؤخرا حادثا مأساوياً أفضى إلى وفاة رجل في عقده الخامس، إثر هجوم مفاجئ من كلاب ضالة، وفق المعطيات المتداولة بشأن الواقعة.

كما أثارت هجمات الكلاب في عدد من المناطق القروية والجبلية بالإقليم مخاوف متزايدة لدى السكان، خصوصا مع تسجيل حالات تعرض للعض والهجوم، إلى جانب أضرار طالت الماشية، ما جعل الظاهرة تتحول من مجرد إشكال مرتبط بانتشار الحيوانات الضالة إلى قضية تلامس سلامة المواطنين والصحة العامة.

وأمام توالي هذه الوقائع، عاد النقاش بقوة حول الترسانة القانونية الجديدة المتعلقة بالحيوانات الضالة، ومدى قدرتها على الانتقال من مستوى النصوص القانونية إلى حلول ميدانية قادرة على الحد من الظاهرة.

القانون 19.25.. مقاربة جديدة للحيوانات الضالة

في قلب هذا النقاش يبرز مشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها، والذي قطع أشواطا مهمة في مساره التشريعي، إذ ورد على مجلس المستشارين من مجلس النواب بتاريخ 30 يونيو 2026، وأحيل على لجنة القطاعات الإنتاجية في فاتح يوليوز، قبل أن توافق عليه اللجنة في 7 يوليوز، ثم يصادق عليه مجلس المستشارين في الجلسة العامة المنعقدة في اليوم نفسه.

ويعكس هذا النص توجها تشريعيا يروم التعامل مع ظاهرة الحيوانات الضالة من زاوية أكثر شمولا، تجمع بين حمايتها ورعايتها والوقاية من الأخطار التي يمكن أن تشكلها على الإنسان والمجتمع.

ويكتسي القانون 19.25 أهمية خاصة في ظل النقاش المتزايد حول كيفية تدبير أعداد الحيوانات الضالة، خصوصا الكلاب، وما يرافق ذلك من مخاطر مرتبطة بالهجمات وداء السعار والصحة العامة.

غير أن وصول النص إلى مراحل متقدمة من المسار التشريعي يطرح المواطنين تساؤلات في المقابل من قبيل: كيف ستنعكس المقتضيات القانونية الجديدة على الواقع اليومي للمواطنين، خصوصا في المناطق القروية والجبلية التي تعرف انتشارا للكلاب الضالة؟

مشددبن على أن التحدي لا يرتبط فقط بوجود نص قانوني، وإنما كذلك بمدى توفر الجماعات الترابية والمصالح المختصة على الإمكانيات البشرية واللوجستية والبيطرية اللازمة لتنزيله، فضلا عن طبيعة التنسيق بين مختلف المتدخلين.

 رضوان جخا: ما وقع يجدد مناشدات الساكنة

وفي هذا السياق، قال رضوان جخا، فاعل مدني، في تصريح لجريدة “العمق المغربي، إن ما وقع مؤخرا «أمر محزن»، معتبرا أن هذه الوقائع تجدد مناشدات ساكنة الإقليم من أجل التعجيل بإيجاد حلول ناجعة لظاهرة الكلاب الضالة، خصوصا تلك التي يُشتبه في إصابتها بأمراض.

وأوضح جخا أن المغرب يتوفر حاليا على ترسانة تشريعية مهمة في مجال العناية بالحيوانات الأليفة وتجريم تعنيفها، مشيرا إلى أن مشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها يشكل محطة مهمة في هذا المجال.

غير أن الفاعل المدني يرى أن تنزيل المقتضيات القانونية يظل في حاجة إلى مزيد من التوضيح والتفعيل، خصوصا من خلال النصوص التطبيقية التي من شأنها، بحسب تقديره، إزالة النقاش المرتبط ببعض المقتضيات وتحديد آليات التدخل والمسؤوليات بشكل أكثر وضوحا.

وأشار جخا كذلك إلى الاتفاقية الإطار الموقعة سنة 2019 بين وزارة الصحة ووزارة الداخلية والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والهيئة الوطنية للأطباء البياطرة، معتبرا أن مواجهة الظاهرة تقتضي تضافر جهود مختلف المتدخلين.

وأكد المتحدث أن ما وقع مؤخرا بإحدى مناطق إقليم ورزازات «يحتاج إلى خطة علاجية مستعجلة بتضافر كافة المتدخلين»، منوها في الوقت ذاته ببعض المبادرات التي تقوم بها السلطات الإقليمية، إلى جانب مجموعة الجماعات الترابية للوقاية وحفظ الصحة.

ويرى جخا أن معالجة الظاهرة بشكل نهائي ومستدام تستوجب، وفق تصوره، إحداث ملاجئ للحيوانات الضالة، والعمل على تعميم عمليات التلقيح والتعقيم، إلى جانب تنظيم حملات تحسيسية مكثفة بمختلف الجماعات الترابية، خصوصا بالمناطق الجبلية والقروية.

بين النص القانوني والواقع.. أين يكمن التحدي؟

وتكشف الحالات المتتالية المسجلة بإقليم ورزازات أن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في وضع إطار قانوني جديد، وإنما في كيفية تحويل هذا الإطار إلى إجراءات عملية وفعالة على أرض الواقع.

فالمناطق القروية والجبلية، التي تتسم بتباعد الدواوير واتساع المجال الترابي، تحتاج إلى آليات تدخل تتلاءم مع خصوصياتها، سواء تعلق الأمر بالرصد أو جمع الحيوانات الضالة أو التلقيح والتعقيم أو التكفل بالحيوانات المشتبه في إصابتها بالأمراض.

كما تفرض الظاهرة تعزيز التنسيق بين الجماعات الترابية والسلطات المحلية والمصالح الصحية والبيطرية، إلى جانب اعتماد حملات تحسيسية تستهدف السكان ومالكي الحيوانات، بما يساهم في الوقاية من المخاطر وتقليص أسباب انتشار الحيوانات الضالة.

داء السعار.. الجانب الصحي للظاهرة

ولا تنفصل ظاهرة الكلاب الضالة عن الجانب الصحي، بالنظر إلى خطر داء السعار الذي يمكن أن ينتقل إلى الإنسان عن طريق العض أو الخدش من حيوان مصاب أو مشتبه في إصابته.

ومن هنا، فإن التعامل مع الكلاب الضالة لا ينبغي أن ينحصر في الجانب الأمني أو المرتبط بالنظافة، بل يستوجب مقاربة صحية وبيطرية متكاملة، تقوم على الوقاية والتلقيح والتعقيم والمراقبة والتدخل السريع عند تسجيل حالات مشتبه فيها.

ورزازات.. اختبار ميداني للترسانة الجديدة

وبينما يتقدم الإطار التشريعي المتعلق بالحيوانات الضالة، يجد إقليم ورزازات نفسه أمام واقع ميداني يفرض تسريع التدخلات، في ظل توالي الشكايات والحوادث والهجمات المسجلة بعدد من المناطق.

واكد المتضررين في تصريحات متطابقة لجريدة “العمق”من تازناخت أن القانون، مهما بلغت دقة مقتضياته، يظل في حاجة إلى آليات تنفيذية وموارد بشرية ومالية ولوجستية تمكن من تنزيله على أرض الواقع، خصوصا في المناطق التي تعرف انتشارا أكبر للكلاب الضالة.

وبين ترسانة قانونية جديدة، وهجمات متتالية، ومخاوف متزايدة لدى الساكنة، يبرز السؤال حول مدى قدرة مختلف المتدخلين على الانتقال من تدبير الظاهرة بعد وقوع الحوادث إلى اعتماد سياسة استباقية ومستدامة، تحمي المواطنين، وتحد من انتشار الكلاب الضالة، وتحترم في الوقت نفسه المقتضيات المرتبطة برعاية الحيوانات وحمايتها.

وهكذا، لا تبدو معركة ورزازات مع الكلاب الضالة مجرد قضية ظرفية، وإنما اختبارا عمليا لمدى قدرة الإطار القانوني الجديد على تحقيق أهدافه عندما ينتقل من النصوص إلى الميدان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *