البحث العلمي العربي بين اتساع الإنتاج ومحدودية الظهور الدولي.. ماذا تكشف أرقام «آرسيف» 2026؟
يُعدّ معامل التأثير والاستشهادات المرجعية العربي «آرسيف» (ARCIF) من أبرز المبادرات المتخصصة في تقييم ورصد الإنتاج العلمي المنشور باللغة العربية، من خلال قاعدة بيانات واسعة للمجلات العلمية المحكمة التي تنشر بالعربية. وقد أُطلق سنة 2016 بمبادرة من الأستاذ الدكتور سامي الخزندار، مؤسس ورئيس قاعدة بيانات «معرفة»، وبالتعاون مع عدد من المؤسسات العلمية الدولية والإقليمية، ويصدر تقارير سنوية لقياس حضور المجلات العربية وتقييم مدى استيفائها لمعايير الفهرسة والجودة.
تكشف المعطيات التي جرى عرضها بمناسبة تقديم التقرير السنوي الحادي عشر لمعامل التأثير والاستشهادات المرجعية للمجلات العلمية العربية «آرسيف Arcif» لعام 2026 عن مفارقة تستحق التوقف: إنتاج علمي عربي واسع من جهة، وحضور محدود لهذا الإنتاج في بعض قواعد البيانات الدولية من جهة أخرى.
فخلال العرض السنوي لتقرير «آرسيف» لسنة 2026، قدم الأستاذ الدكتور سامي الخزندار معطيات مقارنة بين ما ترصده قاعدة «معرفة/آرسيف» وما ترصده قاعدة «Scopus» من الإنتاج العلمي المنشور باللغة العربية خلال الفترة الممتدة بين 2012 و2024/2025.

وبحسب الأرقام المعروضة، تضم قاعدة «آرسيف» أكثر من 517,400 مقال منشور باللغة العربية، مقابل 4,589 مقالا باللغة العربية ترصدها «Scopus». كما يتجاوز عدد الاستشهادات المرجعية المسجلة في «آرسيف» 682,800 استشهادا، مقابل 4,422 استشهادا في «Scopus».
ولا تعني هذه المقارنة، بطبيعة الحال، أن إحدى القاعدتين تقيس الإنتاج العلمي نفسه بالطريقة ذاتها أو وفق النطاق نفسه، لكنها تكشف عن فجوة كبيرة بين حجم الإنتاج العربي الذي ترصده قاعدة عربية متخصصة وبين الجزء من هذا الإنتاج الذي يظهر في قاعدة دولية مثل «Scopus». وهي فجوة تطرح، بصورة خاصة، سؤالا حول مدى تمثيل الإنتاج العلمي متعدد اللغات في منظومات التكشيف الدولية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى أن مؤشرات النشر والاستشهاد والفهرسة تدخل، بدرجات وآليات مختلفة، في تقييم أداء الباحثين والجامعات وفي عدد من التصنيفات والتقييمات الأكاديمية الدولية.
غير أن الصورة لا تكتمل بمجرد الحديث عن محدودية الظهور الدولي؛ إذ تكشف تجربة «آرسيف» نفسها عن جانب آخر يتعلق بحجم المجلات العلمية العربية وبصرامة تقييمها.
ففي تقرير 2026، فحصت فرق «آرسيف» العلمية أكثر من 5,600 مجلة علمية تصدر باللغة العربية، ولم تستوفِ المعايير الـ32 المعتمدة سوى 1,303 مجلة.
ورغم ذلك، واصل عدد المجلات المفهرسة ارتفاعه، من 1,272 مجلة في تقرير 2025 إلى 1,303 مجلة في تقرير 2026، أي بزيادة 31 مجلة.
لكن ارتفاع العدد لا يعني التساهل في شروط الفهرسة؛ فقد أعيد تقييم المجلات المفهرسة سابقا، وأسفر التقرير عن استبعاد 77 مجلة بسبب عدم الالتزام ببعض المعايير الأساسية، ومن بينها مخالفات مرتبطة بالنشر، مثل تكرار النشر والسرقات العلمية وارتفاع حجم الاستشهاد الذاتي، أو بسبب عدم توفر المادة العلمية التي تغطي سنوات التقرير.
ويبدو الفرق أكثر دلالة عند مقارنته بالسنة السابقة؛ فقد بلغ عدد المجلات المستبعدة في تقرير 2025 ما مجموعه 156 مجلة، مقابل 77 مجلة في تقرير 2026، أي بانخفاض قدره 79 مجلة.
وتكشف هذه المعطيات أن الفهرسة ليست مجرد إدراج اسمي في قاعدة بيانات؛ فالمجلة التي تستوفي شروط الإدراج مطالبة بالمحافظة على مستواها العلمي والتحريري، واحترام أخلاقيات النشر، وضبط الاستشهادات، والانتظام في الإصدار، وتوفير المادة العلمية، والالتزام المستمر بالمعايير المعتمدة.
وفي السياق المغربي، تكتسب هذه الصورة دلالة خاصة. فقد ارتفع عدد المجلات العلمية المغربية المفهرسة في «آرسيف» إلى 21 مجلة، بزيادة مجلتين مقارنة بتقرير 2025، وهو ما مكّن المغرب من التقدم إلى المرتبة الثامنة عربيا، بعد أن كان في المرتبة التاسعة.
غير أن هذا الحضور يظل محدودا بالمقارنة مع عدد من الدول العربية؛ إذ تتصدر الجزائر بـ425 مجلة، تليها مصر بـ381 مجلة، ثم العراق بـ135 مجلة، والسعودية بـ73 مجلة، والأردن بـ45 مجلة، مقابل 21 مجلة للمغرب.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مقارنة عددية بين الدول، بقدر ما يعكس الحاجة إلى تعزيز البيئة الوطنية للنشر العلمي، وتوسيع قاعدة المجلات المغربية المؤهلة للفهرسة في قواعد البيانات العربية والدولية، مع العمل في الوقت نفسه على الارتقاء بجودة المجلات واستيفائها المستمر لمعايير الفهرسة والانتقاء.
وتقود هذه الأرقام، في المحصلة، إلى خلاصة تتجاوز مسألة عدد المجلات أو حجم المقالات. فالبحث العلمي المنشور باللغة العربية ليس هامشيا من حيث الحجم، لكن جزءا مهما منه لا يظهر بالقدر نفسه في قواعد البيانات الدولية. وفي المقابل، فإن توسيع نطاق الفهرسة العربية لا ينبغي أن يكون هدفا كميا مجردا، بل يجب أن يقترن بجودة المجلات ونزاهة النشر واستمرارية التقييم.
ومن هنا تبدو الحاجة مزدوجة: تطوير منظومات عربية قوية وموثوقة للتكشيف والتقييم، قادرة على تمثيل الإنتاج العلمي العربي، والعمل في الوقت نفسه على تعزيز قابلية هذا الإنتاج للاكتشاف والفهرسة والاستشهاد في قواعد البيانات الدولية.
ولعل التحدي الحقيقي أمام البحث العلمي العربي اليوم لا يتمثل فقط في زيادة عدد الأبحاث أو المجلات، وإنما في بناء منظومة متكاملة تجعل هذا الإنتاج العلمي مرئيا، وقابلا للاكتشاف والاستشهاد، وموثوقا من حيث الجودة والنزاهة، وقادرا على التفاعل مع المنظومة العلمية الدولية.
اترك تعليقاً