انتخابات 2026، سياسة

المعزل المكشوف في انتخابات 2026.. كيف وازن المغرب بين منع توثيق التصويت وضمان سريته؟

أعاد اعتماد “المعزل المكشوف” في الانتخابات التشريعية، التي جرت في 23 شتنبر الماضي، النقاش حول حدود المراقبة داخل مكاتب التصويت، ومدى قدرة المقتضى الجديد على الجمع بين حماية نزاهة الاقتراع وضمان سرية اختيار الناخب.

وتوقفت قراءة قانونية أعدتها مريم أبليل، الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، عند التعديل الذي أدخله القانون التنظيمي رقم 53.25 على الفقرة الثالثة من المادة 75 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، حيث أبقى المشرع على قاعدة سرية التصويت، لكنه نص على أن يتم داخل “معزل مكشوف من الجهة المقابلة لرئيس وأعضاء مكتب التصويت وممثلي لوائح الترشيح والمترشحين”. وترى القراءة أن هذا التعديل يطرح مطلبين متلازمين، يتعلق الأول بمنع توثيق الاختيار الانتخابي وتحويله إلى دليل يمكن تقديمه للغير، فيما يرتبط الثاني بالحفاظ على سرية اختيار الناخب وحمايته من الضغط أو الشعور بالمراقبة.

وربطت القراءة هذا التعديل بالانتشار الواسع للهواتف المحمولة وإمكانية تصوير ورقة التصويت داخل المعزل، خصوصاً في الحالات التي قد يرتبط فيها التصوير بشراء الأصوات أو الضغط على الناخبين، معتبرة أن صورة ورقة التصويت يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإثبات تنفيذ اتفاق سابق بالتصويت لفائدة مرشح أو لائحة معينة.

وفي المقابل، تؤكد أن سرية التصويت ترتبط دستورياً بحرية الاقتراع، وأن نجاح المقتضى الجديد لن يقاس بالنص القانوني وحده، وإنما كذلك بالشروط المادية لتطبيقه، من هندسة المعزل وزاوية الرؤية والمسافة بينه وبين مكتب التصويت، إلى مدى القدرة على منع تصوير ورقة التصويت دون جعل الناخب يشعر بأنه يصوت تحت المراقبة.

المعزل المكشوف لمنع “توثيق” الاختيار الانتخابي

توضح القراءة أن خلفية التعديل الجديد ارتبطت أساساً بإمكانية استعمال الهواتف المحمولة داخل المعزل لتصوير ورقة التصويت بعد وضع العلامة عليها، بما يحول اختياراً يفترض أن يبقى سرياً إلى اختيار قابل للإثبات أمام الغير.

وتبرز القراءة أن خطورة هذه الإمكانية تظهر بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بشراء الأصوات أو ممارسة الضغط على الناخب، إذ يمكن لصورة ورقة التصويت أن تصبح دليلاً على تنفيذ اتفاق سابق بالتصويت لفائدة مرشح أو لائحة محددة.

ولا تعتبر القراءة أن الأمر يتعلق باحتمال نظري فقط، إذ تستحضر سابقة قضائية تناول فيها القضاء الدستوري المغربي واقعة استعمال ناخب لآلة تصوير داخل المعزل بهدف تصوير وثيقة التصويت وتقديمها إلى المترشح الذي صوّت لفائدته، حيث اعتُبرت الواقعة خرقاً لسرية الاقتراع.

وتشير القراءة إلى أن هذه السابقة تكشف جانباً أساسياً من العلاقة بين سرية التصويت ونزاهة الاقتراع، إذ إن السرية التي يفترض أن تحمي الناخب من معرفة الغير باختياره قد تفقد جزءاً من وظيفتها عندما يصبح بإمكان الناخب نفسه إنتاج دليل مادي على هذا الاختيار وتسليمه إلى طرف آخر.

ومن هذا المنطلق، ترى القراءة أن منطق المعزل المكشوف لا يقوم، من حيث المبدأ، على جعل اختيار الناخب قابلاً للمراقبة، وإنما على جعل وجوده وسلوكه داخل المعزل قابلاً للملاحظة بالقدر الذي يمنع استعمال وسيلة لتصوير ورقة التصويت. غير أنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً حول حدود هذه المراقبة وطبيعة الوسيلة المعتمدة لتحقيق الغاية المتمثلة في حماية نزاهة الاقتراع.

وتؤكد القراءة أن سرية التصويت تظل مرتبطة بحرية الاقتراع، مستندة إلى الاجتهاد الدستوري المغربي الذي ربط بين المبدأين، وإلى المقتضيات الدولية المتعلقة بالانتخابات النزيهة والتصويت السري، كما تميز بين مستويين للسرية، الأول مادي، ويتمثل في استحالة اطلاع رئيس مكتب التصويت أو أعضائه أو ممثلي المترشحين أو أي شخص آخر على العلامة التي يضعها الناخب على ورقة التصويت؛ والثاني يتعلق بالظروف التي يمارس فيها الناخب اختياره، بما يقتضي توفير قدر كاف من العزلة يمنع الضغط أو الشعور بأن الاختيار يجري تحت المراقبة.

دستورية الإجراء

وتوضح القراءة أن القانون التنظيمي رقم 53.25 خضع للرقابة القبلية الإلزامية للمحكمة الدستورية، قبل أن تصدر هذه الأخيرة قرارها رقم 25/259 م.د بتاريخ 24 دجنبر 2025، معلنة أن القانون التنظيمي “ليس فيه ما يخالف الدستور”، وهو القرار الذي شمل من بين مقتضياته التعديل المتعلق بالفقرة الثالثة من المادة 75.

وبناء على ذلك، تعتبر القراءة أن النقاش حول ما إذا كان المعزل المكشوف دستورياً أو غير دستوري لا يعكس بدقة الوضع القانوني للمقتضى، ما دام قد ورد ضمن قانون تنظيمي خضع للرقابة الدستورية السابقة على إصداره. لكنها في المقابل تسجل أن قرار المحكمة الدستورية لم يفرد للمعزل المكشوف تعليلاً خاصاً يحدد الشروط المادية التي يتوقف عليها احترام سرية الاقتراع.

وتبرز هنا، بحسب القراءة، أهمية طريقة تنزيل المادة 75، باعتبار أنها تجمع بين قاعدتين في الوقت نفسه: التصويت سري، والمعزل مكشوف من جهة محددة. ولذلك فإن تطبيق القاعدة الثانية يجب ألا يؤدي إلى إفراغ القاعدة الأولى من مضمونها.

وتطرح القراءة في هذا السياق مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالشكل الفعلي للمعزل، من قبيل ارتفاع الجزء الفاصل بين الناخب وأعضاء مكتب التصويت، وزاوية الرؤية، والمسافة بين المعزل وطاولة المكتب، وما إذا كانت هندسته تسمح بملاحظة استعمال الهاتف من دون أن تتيح رؤية ورقة التصويت أو العلامة الموضوعة عليها.

وتشير إلى أن المادة 75 لا تقدم مواصفات هندسية تفصيلية للمعزل، كما أنه، في حدود الوثائق الرسمية المنشورة والمتاحة للعموم إلى منتصف شتنبر 2026، لا تظهر مواصفات تقنية تحدد أبعاده وارتفاع حاجزه وزوايا الرؤية والمسافة الفاصلة بينه وبين أعضاء مكتب التصويت. وبالتالي، سيبقى جزء من تقييم المقتضى مرتبطاً بالشكل الفعلي للمعازل وكيفية تموقعها داخل مكاتب التصويت.

كما تثير القراءة مسألة وجود ممثلي لوائح الترشيح والمترشحين داخل مكاتب التصويت، معتبرة أن حضورهم لا يشكل في حد ذاته مساساً بسرية الاقتراع، وإنما يمثل إحدى وسائل الرقابة المتبادلة على سلامة العمليات الانتخابية. غير أن الشكل الجديد للمعزل يطرح سؤالاً حول الحدود التي ينبغي أن تقف عندها هذه الرقابة: أين تنتهي مراقبة سلامة عملية التصويت، وأين تبدأ مراقبة الناخب أثناء ممارسته لاختياره؟

فرنسا وألمانيا وإسبانيا.. نماذج تفصل بين مراقبة العملية وسرية الاختيار

وتستعرض القراءة تجارب عدد من الأنظمة الانتخابية المقارنة، للوقوف على طرق التوفيق بين مراقبة انتظام عمليات التصويت وحماية الناخب أثناء التعبير عن اختياره، مع التأكيد على أن اختلاف هذه الأنظمة لا يسمح بنقل أي نموذج منها بشكل آلي إلى المغرب.

ففي فرنسا، يتوجه الناخب بصورة منفردة إلى الجزء المهيأ من مكتب التصويت بما يجعله بعيداً عن الأنظار أثناء وضع ورقة التصويت داخل الظرف، مع اشتراط ألا توضع المعازل بطريقة تحجب العمليات الانتخابية عن الجمهور. وبذلك يجري الفصل بين فعل الاختيار، الذي يظل محجوباً عن الأنظار، والعملية الانتخابية التي تبقى قابلة للمراقبة.

أما ألمانيا، فتفرض توفير معزل أو أكثر يتيح للناخب وضع العلامة على ورقة التصويت وطيها دون أن يكون مراقباً، مع اشتراط أن تكون المعازل قابلة للملاحظة من طاولة هيئة مكتب التصويت. كما يحظر النظام الاتحادي للانتخابات التصوير أو التسجيل بالفيديو داخل المعزل، ويلزم هيئة المكتب بمراقبة ألا يوجد داخله أكثر من ناخب واحد وألا يبقى فيه أكثر من الوقت الضروري للتصويت.

وتقدم ألمانيا، وفق القراءة، معالجة مباشرة لإشكالية الهواتف المحمولة، من خلال الحظر الصريح للتصوير والتسجيل داخل المعزل، مع الإبقاء في الوقت نفسه على إمكانية مراقبة استعمال المعزل، دون التخلي عن حق الناخب في وضع العلامة على ورقته بعيداً عن المراقبة.

أما في إسبانيا، فتبرز خصوصية أخرى تتمثل في إدماج المواصفات التقنية للمعزل ضمن التنظيم القانوني للعملية الانتخابية. إذ يشترط التنظيم أن يضمن تصميم المعزل خصوصية الناخب أثناء ممارسة حقه في التصويت، وأن يكون مستقراً وقابلاً للولوج، كما يحدد أبعاده التقريبية ويشترط وجود رف متصل به، إلى جانب ضمان سرية التصويت بواسطة الستائر أو عناصر مماثلة.

وتبرز القراءة من هذه التجارب إلى أن مراقبة انتظام عملية التصويت لا تعني بالضرورة مراقبة فعل الاختيار نفسه، معتبرة أن فرنسا تميز بين عزل الناخب وعلنية العمليات الانتخابية، وألمانيا تجمع بين قابلية مراقبة المعزل وعدم مراقبة فعل التصويت وتحظر التصوير داخله صراحة، فيما تذهب إسبانيا إلى جعل المواصفات التقنية للمعزل جزءاً من التنظيم القانوني للضمانة.

وتخلص القراءة إلى أن اختبار المعزل المكشوف في الانتخابات التشريعية لسنة 2026 لن يرتبط بالنص القانوني وحده، وإنما بمدى نجاحه في تحقيق الفصل بين مراقبة العملية الانتخابية وحماية الاختيار الفردي. فالمطلوب، بحسب القراءة، أن تكون عملية التصويت قابلة للمراقبة بالقدر اللازم لحماية نزاهتها، وأن يظل الاختيار الانتخابي محجوباً بالقدر اللازم لحماية حريته.

وبالتالي، فإن تقييم المقتضى الجديد سيشمل المواصفات التقنية الفعلية للمعزل، وطريقة وضعه داخل مكاتب التصويت، والمسافة التي تفصله عن أعضاء المكتب وممثلي المترشحين، إضافة إلى ما ستكشف عنه الممارسة الانتخابية من مدى قدرته على منع تصوير ورقة التصويت دون التأثير في السرية المادية للاختيار أو في شعور الناخب بحرية ممارسته.

وتؤكد القراءة أن الشفافية المطلوبة في العملية الانتخابية ينبغي أن تنصرف إلى شفافية الإجراءات وسلامتها وقابليتها للمراقبة، بينما يظل الاختيار الذي يعبر عنه الناخب داخل ورقة التصويت، بحكم طبيعته ووظيفته الديمقراطية، مجالاً يفترض أن تحيطه السرية، مبرزا أن الإشكال الذي طرحه المعزل الجديد لا يتعلق بالاختيار بين الشفافية والسرية، وإنما بالحدود التي ينبغي أن تقف عندها الأولى حتى تظل الثانية ضمانة فعلية لحرية الاقتراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *