محمد مصباح: شح البيانات الانتخابية يحرم المجتمع من إمكانية نفي الشائعات والتزوير (حوار)
شهدت اللحظات الأولى التي أعقبت إغلاق الصناديق حالة من الانزياح الحاد بين التوقعات المسبقة والنتائج النهائية التي شكلت “لغزًا” لدى الكثيرين؛ حيث ساد في البداية انطباع عام باكتساح العدالة والتنمية، غذته منشورات ومقاطع فيديو على منصات التواصل الرقمية. لكن سرعان ما جاءت النتائج الرسمية لتقطع مع هذه التوقعات الاجتماعية، بتبوؤ الحزب المرتبة الرابعة وفوزه بـ54 مقعدًا فقط.
وفي هذا السياق، يرى محمد مصباح، الأكاديمي المتخصص في علم الاجتماع السياسي بمركز كارنيغي للشرق الأوسط، أن غياب معطيات شاملة تتيح وضعها في سياقها الوطني جعل كل طرف أسيرًا لما بيده من أرقام جزئية. وهو المعطى الذي بُنيت عليه الفرضيات التشكيكية لدى المواطنين في العملية الانتخابية. وبما أن الشارع المغربي ظل أعزل دون أدوات علمية تمكنه من التحقق، فإن صدمة النتائج، بحسبه، سرعان ما تحولت إلى رواية تآمرية.
وأوضح محمد مصباح، مدير المعهد المغربي لتحليل السياسات، في حوار مع جريدة “العمق”، أن جل التوقعات كانت مجرد “تقديرات”؛ غير أن الناس يميلون عادة إلى كل تفسير يعيد إليهم الإحساس بالانسجام. مشيرًا إلى أن موجة التشكيك هذه تتعلق بظاهرة أوسع تتجذر بعمق داخل بنيات المجتمع، ولها امتداداتها وتشعباتها التاريخية التي تجعلها تتجدد مع كل استحقاق انتخابي.
وشدد محمد مصباح على أن العلاج الأنجع لهذه الظاهرة يكمن في نشر النتائج التفصيلية على مستوى مكاتب التصويت، وفتح المجال أمام الاستطلاعات المنظمة، لكي يستطيع الباحث والصحفي والمواطن على حد سواء “تمييز الشذوذ الإحصائي الحقيقي من الانطباع”.
في هذا الحوار، يفكك محمد مصباح، الباحث في معهد كارنيغي والمحلل السياسي الذي تقلد منصب خبير لدى وزارة الاتصالات، أبعاد هذه الظاهرة، مسلطًا الضوء على منشئها وآليات اشتغالها في الوعي الجمعي بالمغرب.
وفيما يلي نص الحوار:
-ما الفرق بين الشك المشروع في العملية الانتخابية وبين التفكير القائم على المؤامرة كإطار تفسيري جاهز؟
في نظري، الفرق منهجي بين الشك المبني على المعطيات وبين التفكير التآمري. فالشك المشروع يقوم على معطيات وتحليلات مضبوطة، ويحدد فرضيات يمكن اختبارها أو نفيها. خذ على سبيل المثال الدراسات التي تناولت الهندسة الانتخابية في المغرب، ومنها دراسة خلصت إلى أن القاسم الانتخابي يخدم الأحزاب الصغيرة والمتوسطة، وأن تعديل القاسم الانتخابي سنة 2021، الذي اعتمد على عدد المسجلين بدل الأصوات الصحيحة، غيّر من بنية توزيع المقاعد، وهي قاعدة استمر العمل بها في اقتراع 2026، وأن تقسيم الدوائر الحالي يخلق عدم مساواة بين الدوائر الكبرى والصغيرة. هذا نموذج للشك المبني على المعطيات، فهو نقد لقاعدة قانونية يمكن التحقق منها بالأرقام، ولا يحتاج إلى افتراض تزوير.
أما التفكير التآمري، فينطلق من خلاصة جاهزة تعتبر أن نتائج الانتخابات محسومة سلفًا، ثم يبحث عما يؤكدها. وبشكل عام، التفكير التآمري له ثلاث علامات: أولها أنه يؤمن بمجموعة من اليقينيات ولا يقبل الدحض. ثانيها أنه يفترض فاعلًا خفيًا له قدرة مطلقة على التحكم في الأحداث من دون تقديم أدلة. وثالثها أنه لا يقود إلى مطلب إصلاحي، بل إلى العدمية.
بالمقابل، لا ينبغي أن يصبح وصف “التفكير التآمري” وسيلة لإسكات النقد المشروع، فالمؤامرات قد تقع فعلًا، لكنها لا تفسر كل شيء. المهم أن هذا التمييز يفترض حدًا أدنى من المعلومات المتاحة للجميع، وهذا ما يغيب في السياق المغربي.
-كيف تتحول الشائعات حول “النتائج المحسومة مسبقًا” إلى تمثل اجتماعي ثابت لدى جانب من الشارع المغربي مع كل انتخابات؟
يحتاج الجمهور إلى تبسيط الواقع المعقد من خلال استعمال مقولات بسيطة لتفسير ما يجري. وعبارة “الانتخابات محسومة مسبقًا” تؤدي هذه الوظيفة. لكنها لا تأتي من فراغ، بل تقوم على طبقتين تراكمتا مع الزمن.
الطبقة الأولى هي الذاكرة التاريخية. فالتدخل الإداري في الانتخابات خلال عقود منذ الاستقلال مسألة وثقتها أعمال الباحثين والمؤرخين، مثل واتربوري وغيره، وتحتفظ بها ذاكرة الذين عايشوا تلك المرحلة، وانتقلت هذه الذاكرة من جيل إلى آخر حتى عند من لم يعايشها، ولا تزال تغذي الشك في العملية الانتخابية حتى اليوم.
الطبقة الثانية هي ضعف انتشار وتوفر المعلومة في المغرب. فعلى سبيل المثال، لا تنشر نتائج الانتخابات للعموم على مستوى مكاتب التصويت. صحيح أن القانون لا يفرض ذلك، وصحيح أن وزارة الداخلية أعلنت أن النتائج النهائية مطابقة للنتائج الجزئية، لكن هذا تأكيد من الجهة المشرفة على العملية لا يمكن التحقق منه بشكل مستقل. فالاطلاع على المحاضر متاح للمرشحين فقط خلال فترة زمنية محدودة، في حين أن الباحث والصحفي والمواطن لا يملكون معطيات تفصيلية تمكنهم من اختبار هذه النتائج وقراءتها بشكل نقدي.
وهذا الغياب لا يثبت وجود تزوير، لكنه يحرم المجتمع من إمكانية نفيه، والشائعة تعيش في هذه المنطقة الرمادية. وعموما، خلصت بعثات ملاحظة دولية إلى أن يوم الاقتراع الأخير أُدير بشكل جيد عمومًا.
– كيف تؤثر التجارب السابقة مع الفساد أو التزوير في قابلية الناس لتصديق نظريات المؤامرة؟
كنت قد أشرت في جوابي السابق إلى أن الذاكرة التاريخية تشكل أحد أسس الاعتقاد بأن الانتخابات محسومة. وأضيف هنا أن التجربة السابقة تعمل عبر آليات أدق.
أولًا، التجربة السابقة تجعل الشك عقلانيًا. فمن عايش في السابق تدخلًا إداريًا أو شراء أصوات أو استعمالًا للمال في الانتخابات، لا يكون شكه وهمًا، بل استنتاجًا من وقائع. والتجارب الفعلية لم تنقطع، وتزداد قوة هذا الشك مع كل واقعة جديدة تثير الريبة، حتى قبل أن يثبت شيء منها.
فقد رأينا، مثلًا، ما جرى في طنجة يوم الاقتراع الأسبوع الماضي. فقد انتشر فيديو لصندوق زجاجي تتكدس فيه أظرفة بيضاء، وأوقف أشخاص على خلفية القضية، وفتحت النيابة العامة تحقيقات.
ثانيًا، حين تكون المعلومة شحيحة، يتضاعف الميل إلى البحث عن تفسير شامل وبسيط.
ثالثًا، وهي الأهم في نظري، يعمل **انتقال هذه الأفكار والمقولات بين الأجيال** كحلقة تغذية راجعة. فالجيل الذي عاش التجربة ينقلها إلى أبنائه في صورة خلاصة جاهزة، هي أن الانتخابات لا تغير شيئًا. ويستقبلها الجيل الجديد دون أن يعايش الوقائع التي أنتجتها، فتصله الخلاصة بلا سياقها وبلا حدودها الزمنية.
ويزيد الأمر أن هذا الجيل يواجه بدوره مؤسسات لا تتواصل معه بلغة مقنعة، ولا تتيح له معطيات يتحقق منها. فيبدو الشك الموروث معقولًا ويكتسب معنى، لأن كل ما يراه يطابق ما قيل له.
في المحصلة، أظن أن التجربة السابقة ليست هي المشكلة في حد ذاتها، ولكن بقاء الشك من دون وجود آليات تسمح باختباره. فحين تتاح المعطيات، يتحول الشك المبني على الأدلة إلى مطالبة مشروعة بالإصلاح، وحين تغيب، يتحول الشك إلى نظريات المؤامرة.
– أشرتم فيما سبق إلى أن غياب استطلاعات الرأي يجعل الحصول على المعطيات الكمية أمرًا صعبًا. كيف يؤثر ذلك على تصورات المواطنين لنزاهة الانتخابات وقابليتهم لتصديق خطاب المؤامرة؟
الاستطلاعات أداة مفيدة لفهم اتجاهات الناخبين ودرجة ثقتهم في المؤسسات المنتخبة، وهي تقدم للمجتمع مرجعًا مستقلًا يقارن به ما يتوقعه بما حدث فعلًا. فإذا جاءت النتائج قريبة من التوقعات، قل الشك، وإذا خالفتها، انفتح نقاش علني حول أسباب الفارق. ولهذا أعتبرها جزءًا من منظومة الشفافية، وأداة تساعد على بناء خلاصات تحد من الشكوك حول الانتخابات.
في المغرب، يصعب الوصول إلى هذه المعطيات لسببين. الأول قانوني. فالقانون 57.11 يمنع إجراء أو نشر أي استطلاع له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالانتخابات، على الأقل 15 يومًا قبل انطلاق الحملة. ولكن عمليًا، لا تقوم المؤسسات بإجراء استطلاعات حول نوايا التصويت حتى أشهر قبل الانتخابات، خوفًا من العقوبات المرتبطة بها، باعتبار غياب إطار تشريعي يحدد شروط إجراء الاستطلاعات وضوابطها ويحمي المؤسسات التي تجريها.
والسبب الثاني عملي، وهو الكلفة المرتفعة للاستطلاعات الجدية، وهي تحتاج إلى عينات كبيرة وعمل ميداني منظم لا تتحمله معظم المؤسسات البحثية المستقلة.
أما أثر ذلك على تصورات المواطنين، فأراه مباشرًا. حين لا يوجد مرجع للتوقع، يصبح أي رقم يعلن “مفاجئًا” بالضرورة، ولا يملك المواطن ما يقارن به. وفي غياب الأرقام والمعطيات المضبوطة، تجد الرواية التآمرية تربتها الخصبة.
لذلك، أرى أن الحل في شقين متكاملين. الشق الأول هو الشفافية عبر نشر البيانات المفتوحة، أي نشر النتائج على مستوى مكاتب التصويت بصيغة قابلة للاستعمال من طرف المواطنين. والشق الثاني هو توسيع الاستطلاعات وتنظيمها بقواعد شفافة لا بالمنع، وضمنها إعلان المنهجية، وحجم العينة وهامش الخطأ. وحين يجتمع الشقان، يصبح بالإمكان مقارنة التوقعات بالنتائج التفصيلية، وهي من الأدوات الشائعة في أبحاث التحقق من نزاهة الانتخابات لكشف الشذوذات الإحصائية أو نفيها.
ولكن أظن أنه لا ينبغي المبالغة في الاعتماد على استطلاعات الرأي لوحدها. فهي قد تستعمل أحيانًا لتوجيه الرأي العام لا لقياسه. وقد ينتشر الاعتقاد التآمري رغم وفرة المعطيات، كما حدث في الولايات المتحدة بعد انتخابات 2020، لأن الهوية والولاء الحزبي يلعبان دورًا أيضًا. لكن غياب المعطيات يجعل المشكلة أعمق، لأنه يحرم المجتمع من فرصة اختبار الشك أصلًا.
اترك تعليقاً