سياسة

فيليبي السادس يتجه إلى سبتة ومليلية.. زيارة حساسة تختبر مسار العلاقات مع المغرب

تعيد الزيارة المرتقبة لملك إسبانيا فيليبي السادس وعقيلته إلى مدينتي سبتة ومليلية، الخاضعتين للإدارة الإسبانية واللتين يطالب المغرب باستعادتهما، ملف المدينتين إلى صدارة النقاش السياسي والدبلوماسي بين الرباط ومدريد.

وبينما تحمل الزيارة رمزية داخلية في السياق الإسباني، يبرز الحوار والمصالح الاستراتيجية المشتركة كعاملين حاسمين في تدبير تداعياتها المحتملة على العلاقات الثنائية.

ويرى نبيل دريوش، الخبير في العلاقات المغربية الإسبانية، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن الزيارة لا يرتقب أن تفضي إلى أزمة دبلوماسية جديدة بين البلدين، بل قد تشكل، وفق قراءته، محطة لإنهاء مرحلة التوتر التي رافقت العلاقات في الفترة الأخيرة.

وقال “أظن أن زيارة الملك فليبي السادس وعقيلته لسبتة ومليلية لن تكون عنوانا لأزمة دبلوماسية بين البلدين كما حدث عام 2007، بل هي الحلقة الأخيرة في هذه الأزمة التي ابتدأت مع الاقتحام الجماعي نهاية يوليوز الماضي”.

وأضاف أن “الأزمة ككل تفاقمت نتيجة صراعات سياسية داخلية بين اليمين والدولة العميقة بإسبانيا والحكومة التي يقودها بيدرو سانشيز، مثلما كانت المؤسسة الملكية جزءا من هذا الصراع، وبالتالي فالزيارة تأتي في هذا السياق ونتيجة لحسابات سياسية داخلية تم إقحام المغرب فيها كورقة للصراع السياسي، وهو ما لا يجعلها زيارة موجهة أساسا ضد المغرب بقدر ما هي تعبير عن تنفيس سياسي داخلي”.

ويقر دريوش بحساسية الزيارة بالنظر إلى وضع المدينتين، لكنه يرجح أن يظل الموقف المغربي في إطار التعبير السياسي والإعلامي، مع تسجيل الاعتراض على ما تعتبره الرباط مساسا بوضعهما.

وأضاف في تصريحه للجريدة: “طبعا أية زيارة لملكي إسبانيا للمدينتين تمس بالأعراف الخاصة بوضع المدينتين، لكن السياق السياسي الداخلي الإسباني يجعلها تتخذ طابعا خاصا يؤوم تجاوز أزمة سياسية داخلية، لذلك لا أعتقد أنها ستتجه نحو أزمة دبلوماسية لأننا بالكاد نحاول الخروج من الأزمة السياسية القائمة”.

وأردف: “طبعا المغرب سيسجل مواقفه عبر الإعلام ومسيرات ووقفات احتجاجية، ولا أعتقد أن السياق السياسي الحالي سيسمح بتجاوز ذلك، وهذا أظنه تعاملا ذكيا وبراغماتيا في ظل سياق سياسي صعب يجتازه البلدان، وأظن أن المغرب لا يعد خاسرا سياسيا لأن الملف تم طرحه بقوة والعالم أجمع بات يعلم به بعدما كان منسيا تماما، وهذا مكسب سياسي لا يجب القفز عليه”.

ويعتقد الخبير في العلاقات المغربية الإسبانية أن تشابك المصالح بين الرباط ومدريد يمكن أن يحد من احتمالات التصعيد، مشيرا إلى أن الزيارة قد تفتح، بعد تسجيل المواقف السياسية، مجالا للانفراج التدريجي.

وقال دريوش: “أظن أن الزيارة ستقفل أزمة استمرت شهرين، المؤسسة الملكية كانت محرجة وتعرضت لضغوط اليمين واضطرت لهذه الزيارة، والمغرب تفهم ذلك ويسجل موقفه السياسي، لذلك بعد الزيارة أعتقد أن الأمور ستسير تدريجيا نحو الانفراج، فما يجمع البلدين هو مصالح استراتيجية كبيرة، والسياسة هي لعبة مصالح في نهاية المطاف”.

ومن جانبه، يضع عباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط والمحلل السياسي، الزيارة ضمن أجندة إسبانية مطروحة منذ مدة، معتبرا أن توقيت الإعلان عنها قد تترتب عنه انعكاسات سياسية ودبلوماسية.

وقال الوردي، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”: “الزيارة المرتقبة لملك إسبانيا للثغرين المحتلين تدخل في أجندات البنية الإسبانية منذ زمن بعيد، لأن كانت هناك زيارات وكانت أُجلت، وكان هناك أخذ ورد: هل سيزور الملك عقب أحداث هذه الزيارة أم لا، الإعلان عن هذه الزيارة في هذه الظرفية بالذات؟ وربما ستكون لها مجموعة من الإسقاطات. إسبانيا تعرف جيدا مكانة الثغرين المحتلين لدى المغرب، بمن فيهم البنية السياسية وكذلك البنية المؤسساتية الإسبانية، هذه نقطة ألف”.

وفي قراءته للموقف المغربي، استحضر الوردي بيان وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج عقب أحداث سبتة، معتبرا أنه عبر عن رفض الخطوات الأحادية في تأطير العلاقات بين البلدين.

وأضاف: “المغرب كذلك أكد في بيان وزارة الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج عقب أحداث سبتة، بعدما أخذت المملكة المغربية كل الوقت الكافي من أجل التثبت وكذلك إعداد بيان يليق بالدبلوماسية المغربية، على أن سياسة الأمر الواقع أو التوجه الأحادي غير مقبول ومرفوض في خلق مجموعة من التوجهات المرتبطة بتأطير العلاقة الإسبانية المغربية”.

وتابع قوله: “مسألة أخرى هو أن المغاربة وبطبيعة الحال المؤسسات المغربية تعرف جيدا تاريخ المدينتين، وتعرف كذلك التوجه المغربي بطبيعة الحال السوي في هذا الإطار”.

وشدد الوردي على أن الخلاف بشأن سبتة ومليلية لا يلغي استمرار قنوات التعاون بين المغرب وإسبانيا، مستشهدا بملفات الهجرة والأطفال غير المصحوبين.

وقال: “كيفما كانت هناك زيارة، ستتحدث بطبيعة الحال دبلوماسيتان في إطار الاحترام بطبيعة الحال وفي إطار كذلك إعطاء مجموعة من النقاط العريضة من أجل تحديد المآلات وتحديد كذلك الإسقاطات المرتبطة بالعلاقة المغربية الإسبانية التي توجد الآن في أوجها، توجد في أوجها بالرغم من هذه المطبات، فهي توجد في أوجها. ولا أدل على ذلك من بطبيعة الحال رجوع استرجاع أو بداية عمليات إرجاع الأطفال غير المصحوبين وغيرهم من المهاجرين الذين بقوا في بطبيعة الحال خاصة في مدينة سبتة”.

ويخلص المحلل السياسي إلى أن الحوار وتبادل وجهات النظر يظلان، في تقديره، الآلية الأساسية لتجاوز نقاط الخلاف بين المملكتين.

وقال: “وعلى أساس ذلك، فالقول الصادق والأصدق في هذا الإطار هو أن للدبلوماسية لسانها، وللمغرب كذلك سياسته الخارجية، وكذلك للمؤسستين الملكيتين كذلك كلمتهما الفيصل من أجل خلق قناة بنيوية للحوار الاستراتيجي الثنائي، أقول الثنائي، من أجل تجاوز هذه العثرات، ومن أجل كذلك خلق مناخ لمواكبة النقاط الخلافية بين المملكتين اللتين تربطهما علاقات وطيدة تاريخية، سواء تعلق الأمر بالجوار أولا في صبغته الجيوسياسية وقبلها التاريخية، وكذلك المناخ الاقتصادي الذي تشكل من خلاله إسبانيا جزءا لا يتجزأ من الاتحاد الأوروبي الذي يحظى في المملكة المغربية بالوضع المتقدم”.

وختم الوردي تصريحه بالتأكيد على أن رمزية الزيارة لا تلغي الحاجة إلى تغليب الحوار والاحترام المتبادل، قائلا: “للمغرب مطالبه، ولزيارة الملك فيليبي السادس رمزيتها بالنسبة للإسبان، أما بالنسبة للمغاربة بطبيعة الحال فهم يعرفون جيدا مطلب القضية وكذلك مغزاها وكذلك توجهها، ولكن أضيف للمرة الألف على أن الحوار وكذلك الاحترام التام وكذلك بطبيعة الحال خلق قنوات لتبادل وجهات النظر من أجل تذويب جليد هذه الخلافات هو الفيصل في هذه المرحلة، اعتبارا للأولويات التي تنتظر المملكتين، وكذلك للزخم متعدد المشارب الذي تحظى به العلاقة المغربية الإسبانية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *