منتدى العمق

الهدر التعليمي الصامت داخل الفصول الدراسية.. الوجه الخفي لأزمة التعليم

تقرير(كسر الحواجز: فهم الأقصاء التعليمي في الأزمات) الصادر عن صندوق (التعليم لا يمكن أن ينتظر) جاء التقرير ليكشف عن صورة قاتمة لحالة التعليم في كثير من دول العالم وقدم احصائيات وأرقام صارخة ومهولة عن الأزمة التعليمية في البيئات الاجتماعية الهشة والتي تعاني من نقص في البنيات التحتية وضعف الولوج الى الخدمات الأساسية وانعكاس ذلك على القطاع التعليمي حيث يؤدي الفقر والتهميش والهشاشة والاقصاء الاجتماعي الى الحرمان من فرص التعليم الجيد، ويشير التقرير الى أن أكثر من 165 مليون طفل في أكثر من 87 دولة هم داخل النظام التعليمي لكنهم يتعلمون في ظروف متقطعة وهشة تهدد استمرارهم في المدرسة وتضعف قدرتهم على التطور واكتساب المهارات الاساسية.

وحسب معطيات وزارة التربية الوطنية فان ما يقارب 280 ألف تلميذة وتلميذ غادروا مقاعد الدراسة منهم حوالي 160 ألف من تلاميذ السلك الاعدادي، ورغم تسجيل انخفاض مهم في عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس من أكثر من مليوني طفل سنة 2000 الى حوالي 500 ألف سنة 2023 الا أن هذا المعطى الايجابي لا يخفي حقيقة أكثر قسوة حيث أنه فقط 26% من التلميذات والتلاميذ هم من يتمكنون من اتمام مسارهم الدراسي والحصول على شهادة الباكالوريا مما يعني أن ثلاثة ارباع التلاميذ يغادرون المدرسة قبل الوصول الى هذه المرحلة للحصول على الشهادة الثانوية. أما نسبة الانقطاع عن الدراسة فهي تتفاوت من سلك دراسي الى آخر وفي السلك الاعدادي تجاوزت النسبة 10% خلال الموسم الدراسي 2022_2023 وفي التعليم الثانوي وصلت نسبة الانقطاع الى 7% وتشكل الاناث نحو 38% من مجموع المنقطعين عن الدراسة، كما ارتفعت نسب التكرار في كل الأسلاك التعليمية وخصوصا في السلك الاعدادي الذي يقارب 30% (السنة الثالثة اعدادي) بسب ضعف التحكم في المعارف والكفايات الاساسية.

هذه الأرقام المهولة لا تعبر عن (أزمة تعليمية) فحسب بل عن أزمة مستقبل، فالطفل الذي يخرج من المدرسة بسبب الفقر أو الأوضاع الهشة لمحيطه أو بسبب ضعف البنيات التحتية الأساسية الخاصة بالاشتغال التربوي، فالطفل في هذه الأوضاع الهشة لا يخسر سنة دراسية عابرة بل قد يخسر مسارا كاملا من الحماية والنمو والفرص وكلما طال الانقطاع والغياب المسترسل أو تراكم الضعف في تعلم واكتساب المهارات الأساسية في القراءة(اللغات) والحساب (الرياضيات) والعلوم (المعارف)ازدادات احتمالات الرسوب والتسرب والعمل المبكر في صفوف الأطفال والزواج القسري للفتيات والتهميش الاجتماعي.

هذا التقرير الأممي الهام ميز بين فئتين من الأطفال الذين يتعرضون للهدرالمدرسي وهما: الأطفال الذين خرجوا من التعليم كليا والأطفال الذين مايزالون مسجلين في المدارس لكن تعليمهم غير مجدي لأنهم يواجهون بيئات تعليمية ضعيفة مهترئة ومتاكلة وأقساما مكتظة وبنى تحتية متضررة أو غير موجودة أصلا وتعلما ضعيفا لا يضمن اكتساب المهارات الأساسية.. وبذلك يضع التقرير أصبعه على الوجه الخفي لأزمة التعليم حيث هناك آلالاف من التلاميذ داخل الأقسام الدراسية لكنهم لا يتعلمون بما يكفي ولا يتقدمون كما ينبغي وقد يصبحون خارج المدرسة لاحقا اذا تراكمت الفجوات التعليمية بمعنى أن الأزمة ليست في الوصول الى المدرسة فقط بل في الاستمرار والتطور في مسيرة التعلم المستمر.

من أهم رسائل التقرير أن التعليم لا ينهار فقط عندما يخرج الطفل من المدرسة بل قد يبدأ الانهيار وهو ما يزال داخل الفصل الدراسي، فالاخفاق في اكتساب التعلمات الأساسية والضعف في استدخال المهارات الأساسية في القراءة(اكتساب اللغة) والحساب(استدخال المفاهيم والأرقام) خصوصا في السنوات الأولى من التعليم الابتدائي وتراكم هذا الضعف والاخفاق عاما بعد آخر قد يصبح الطفل غير قادر على متابعة الدراسة أوالبرنامج الدراسي ثم يفقد الدافع ثم يتاخر ثم يكرر الفصل ثم يترك المدرسة في المراحل والسنوات الموالية.

يسمي التقرير هذه الوضعية بأزمة الوصول الى المراحل الدراسية المتوسطة والعليا من التعليم. ان الطفل الذي لا يكتسب المهارات الأساسية في الوقت المناسب يصبح أكثر عرضة للتسرب في المرحلة الموالية، وهذا يعني أن الاستجابة الانسانية للتعليم لا يجب أن تكتفي بفتح المدارس أو تسجيل الأطفال بل يجب أن تسال : ماذا يتعلم الأطفال ؟ هل يقرأون أو هل يجيدون اللغات؟ هل يفهمون ويستوعبون المعارف؟ هل يتقنون العمليات الرياضية والحسابية؟ هل ينتقلون الى الصفوف والمستويات العليا في الوقت المناسب؟ هل توجد برامج تعويضية لمن فقدوا سنوات التعلم؟

وارتباطا بهذه التساؤلات يمكن الاشارة الى الكثير من السياقات ومنها التحاق الأطفال بالمدارس وبالتعليم الأولي وتقدم الأرقام والاحصائيات عن تزايد نسب الالتحاق بالمدرسة وخصوصا بالنسبة للأطفال في المستوي الأولى الابتدائي لكننا لا نحقق الحد الأدنى من التعلم واذا لم تعالج هذه الفجوات مبكرا فان المدرسة تتحول الى مكان حضور شكلي لا يمنح الطفل القدرة على بناء مستقبل حقيقي وفي هذا السياق أظهرت نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ PISA 2025 الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تراجعا مقلقا في مستوى التمكن من التعلمات الأساسية لذى التلاميذ المغاربة في القراءة والرياضيات والعلوم مقارنة بدورة 2022:

الفهم القرائي انخفض المعدل ب18 نقطة مسجلا 321 نقطة (مقابل 339 نقطة في 2022)

الرياضيات تراجع المعدل ب 10 نقاط مسجلا 355 نقطة (مقابل 365 نقطة في 2022)

العلوم انخفض المعدل ب7 نقط مسجلا 358 نقطة (مقابل 365 نقطة في 2022)

نسبة التعثر: نحو 73% من التلاميذ المغاربة وجدوا دون الكفايات الاساسية المطلوبة

وعلى مستوى المناخ الاجتماعي والدعم التربوي داخل المؤسسات أشار التقرير الى أن 33.4% فقط من التلاميذ المغاربة يدرسون في مؤسسات لا تعاني نقصا في الأطر التعليمية بينما لا تزيد نسبة الذين يستفيدون من بيئة تعليمية تتوفر على المعدات والوسائل الكافية عن 12.4%.

كما أشار عدد من الباحثين والمشتغلين بالبحث التربوي الى أن من بين أسباب أزمة التعلمات الأساسية :

هشاشة البدايات الأولى حيث تتراكم التعثرات الدراسية منذ السنوات الأولى للتعليم الابتدائي.

عوامل البنية التحتية : 12.4% فقط من التلاميذ يدرسون في بيئة تتوفر على وسائل ومعدات كافية.

جمود المناهج والبرامج والمقررات الدراسية حيث التركيز على تقنيات الحفظ والتلقين بدل مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات التي يقيسها.

التفاوت المجالي والطبقي واتساع الفجوة بين المدارس العمومية والخصوصية وبين الوسطين القروي والحضري..

هذا يعني أننا لا نواجه فقط مشكلة أطفال خارج المدرسة بل مشكلة أطفال داخل المدرسة لا يحصلون على تعلم فعلي وهي ضربة مباشرة لهدف التنمية المستدامة الذي يلتزم بضمان تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع ويضمن للأطفال القدرة على التفكير والعمل والمشاركة في الحياة.

ان الاستتمار في التعليم ليس ترفا انسانيا بل هو شرط لاعادة بناء المجتمع فالمدرسة ليست مكانا للتعلم فقط بل مساحة بناء الأمن الاجتماعي ووسيلة حماية وجسرا نحو المستقبل وكل طفل يعود الى المدرسة ويتعلم فعلا هو احتمال جديد لقطع دائرة الفقر والاقصاء أما ترك الأطفال خارج التعليم أو داخل مدارس لا تعلم فهو ترك للمستقبل نفسه في مهب الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *