الأصَالةُ والمعاصَرة بعيدا عن السّياسة في مفهومهما القديم والجديد
مفهوم مصطلحي “الأصالة والمعاصرة”، كما فسّره لنا أقطاب الأدب، وفقهاء اللغة، وصناديد الفكر، وفرسان الثقافة والإبداع على مصاطب العلم، وفي حلقات الدرس، وما جاء مبثوثا في بطون كتب وأسفار المصادر، ومظانّ المراجع التاريخية والأدب والنقد والفكر والعرفان، بعيدا عن السياسة وبمنأى عن أهوالها وويلاتها، يعني الكثير والكثير.
وجدير بنا، في مستهل هذا العرض، أن ألفت نظر القراء الكرام إلى أن هذا المقال لا علاقة ولا صلة له إطلاقا، من قريب أو بعيد، بالحزب السياسي الذي يحمل هذا الاسم في المغرب، أو بالسياسة من أي لون كانت، خاصة وأن البلاد عاشت مؤخرا في خضم أوار وأتون حملات انتخابية مستعرة خلال الاستحقاقات التي شهدتها البلاد في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر الفارط من العام الجاري 2026.
حزب “الصداقة الخالصة”!
ينبغي أن أنهي إلى وطيد علمكم، بهذه المناسبة، بادئ بدء، أنني لم أنتمِ قطّ في حياتي لأي حزب سياسي في بلادنا، وإن كانت تربطني صداقات حميمية متينة مع العديد من الأعضاء والمنتمين أو المسيّرين أو زعماء بعض هذه الأحزاب الكبرى في بلادنا، حيث كنت وما زلت أنشر مقالاتي ودراساتي بين الفينة والأخرى في صحفهم وجرائدهم.
ولا أخفي عنكم سرا إن أنهيت إلى علمكم أيضا أنه قد عُرض عليّ، في العديد من المناسبات، الانتماء إلى بعض هذه الأحزاب منذ سنوات بعيدة خلت إلى يومنا هذا المشهود، حيث زارني بعضهم لهذه الغاية خلال تأدية مهامي كملحق صحفي، ومستشار سياسي وثقافي، ووزير مفوض، ثم كقنصل عام، وسفير مفوض وفوق العادة للمغرب في بعض مقار عملي بقنصلياتنا وسفاراتنا في مختلف البلدان التي عملت بها، ولكنني كنت دائما أعتذر بلطف للجميع…!
وكنت، في تدوينة سابقة، قد أنهيت إلى علمكم أن الحزب الوحيد الذي أفخر بالانتماء إليه حقيقة هو حزب “الصداقة الخالصة” التي تربطني بكم جميعا، معشر القراء الكرام والقارئات الكريمات.
وما أكبر، وما أعظم، وما أوسع قاعدة حزبنا الصلبة التي تغطي مختلف أنحاء المعمور، في مشارق الأرض ومغاربها، وهي تضم تحت فضائها الوريف مختلف الجنسيات والأصول والجذور والملل والنحل والإثنيات والأعراق، الذين أكن لهم ولهن جميعا كل المودة والتجلة والتقدير.
بعد هذه التوطئة، أنتقل إلى القول:
كما هو في علمكم وعلم الجميع، فإن صفوة من النخب السياسية في مجتمعنا المغربي أمعنت، منذ سنوات بعيدة خلت، في استعمال مصطلحي “الأصالة والمعاصرة”، المثقلين بحمولة وقرية وسَقية هائلة تنوء بكاهل حامليها حضاريا، وتراثيا، وروحيا، وثقافيا، وفكريا، وتاريخيا، وعوائديا، وأدبيا، وشعريا، ولغويا، وسواها.
دأب هؤلاء وأولئك على استعمال هذين المصطلحين في صلب أهوال “السياسة” وويلاتها، التي قد ينظر إليها غير قليل من الناس بنوع من التلكؤ والشزر والازدراء والارتياب، في حين قد ينظر إليها آخرون بقدر باهظ من الإعجاب والاعتزاز والزهو والفخار..!
فكل شيء يظل نسبيا في عرفهم، كما أخبرهم بذلك الأنكل ألبرت أينشتاين!
وقديما قال أحد العارفين: من تسيّس ولم يتسلّق فقد أخفق، ومن تسلّق ولم يتأنّق فلن يتألّق، كما أنه من تفقّه ولم يتصوّف فقد يتفسّق، ومن تصوّف ولم يتفقّه فقد يتزندق، ومن جمع بين هذه المعاني والأماني والمثاني جميعها فقد تحقّق…!
إنهم هؤلاء وأولئك الذين:
يُحَيَّوْنَ بَسَّامِـيْنَ طَـوْرا وتـارة
يُحَيَّوْنَ عَبّاسِيْنَ شُوْسَ الحَواجِبِ..!
موضوع سال من أجله مداد غزير في ثقافتنا، له صلة مباشرة بما يُنعَت اصطلاحا بالثابت والمتحول، أو الأثيل والدخيل، أو الأصيل والمعاصر، أو الوافد والتليد، أو الاتباع والإبداع.
فهناك من يتشبث بالأصول، لا يرضى بها أو لها بديلا تحت ذريعة حفظ الهوية والجذور، وهناك من يعانق كل جديد وافد كسمة وعلامة من سمات أو علامات الانفتاح والتطور والحداثة والعصرنة، بمعانيها الواسعة، وهناك من يحاول الجمع أو التقريب بين هذين التيارين اللذين يبدوان للوهلة الأولى وكأنهما يقومان على طرفي نقيض.
وينطبق هذا على مختلف مجالات الفكر والثقافة والآداب والعلوم والشعر والشريعة واللغة، ومعظم المجالات والمفاهيم والسلوكيات التي أضحت تتحكم في حياتنا العصرية.
فمصطلح “الثابت” معناه الرسخ أو الراسخ، أو القار والمستقر، ومعناه الديمومة والاستمرارية والملازمة والمكوث والبقاء، وجاء في محكم التنزيل:
“كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء”.
وأما مصطلح “المتحول”، أو المتغير، أو المتحرك، أو المتنقل، فمعناه التحول والتبدل والتغيير أو التغيّر، وجاء هذا المعنى في القرآن الكريم:
“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.
بين مفهومي الثابت والمتحرك
الثابت والمتحول يفضيان، إذن، إلى ما يُعرف بالأصالة والمعاصرة، أو بالقديم والحديث، أو بالمطلق والنسبي، أو بالموروث والحداثة.
ويؤكد غير قليل من الباحثين أن الجدلية بين ثقافة المجتمع وقيمه لا يمكن أن تنفصم، وكل ثقافة لا تنطلق من قيم المجتمع السائدة فيه هي ثقافة منبوذة. وعليه، فإن أي مجتمع، أيا كان، لا يمكنه أن يتأقلم مع ثقافات أجنبية دخيلة أو وافدة عليه تتنافى أو تتجافى مع القيم الأصيلة لهذه المجتمعات أو هذه الثقافات.
وليس معنى التشبث بالثقافة الأصلية إهمال ثقافة الآخر وعدم الاطلاع عليها والإفادة منها، بل إنها تعني العودة إلى الأصول والاغتراف من الينابيع الأولى، أي الرجوع إلى “الأصل أو الأثل” بمعناهما الواسع، مع ضمان المرونة والانفتاح.
وما فتئنا نشهد معارك كلامية ساخنة، ولا أقول طاحنة، إلى يومنا هذا، بين مسميات ومصطلحات لغوية متعددة، ولكنها تصب في آخر المطاف في معنى واحد.
وهي طالما وردت وكررت وانثالت على ألسن مختلف الدارسين في مختلف ربوع وأصقاع العالم العربي والإسلامي المترامي الأطراف، مثل مصطلحات من باب: التقليد والتجديد، والأصيل والدخيل، والمحافظة والتحديث، والجمود والجموح، والتحرر والانعتاق، والرجعية والتقدمية، والأنا والآخر، والقيد والانطلاق، والإنسية والاستلاب، والوافد والتالد، والمحلي والعالمي، والقديم والجديد، والتراث والحداثة… إلخ.
ويؤكد الناقدان الإنجليزيان أوغدن وريتشاردز، في كتابهما الذائع الصيت “معنى المعنى” The Meaning of Meaning، أن الثقافة مثل اللغة “مخلوق حي يدب على قدمين”، وهي ليست جامدة أو هامدة، بل إنها في تبدل وتطور دائمين، وفي نمو مطرد وتغير متواصل.
وإلقاء نظرة على تاريخنا وثقافتنا ولغتنا في مختلف العصور يؤكد لنا مصداق هذا القول. فالانفتاح الذي طبع ثقافتنا هو الذي كفل لها الغنى والثراء والاستمرارية والتطور اللذين تتميز بهما اليوم، متشبثة بماضيها التليد، وقائمة على حاضرها العتيد، ومنفتحة على غدها الواعد.
مراحل تطور مصطلح “أدب” عبر العصور
فلنتوقف قليلا في هذا المجال عند كلمة “الأدب” بالذات، على سبيل المثال وليس الحصر، كنموذج للتطور والتحول اللذين تشهدهما اللغة نفسها والكلمات والألفاظ التي تتألف منها.
فقد صار معنى كلمة “الأدب” يكتسب، في كل عصر، مفاهيم جديدة لم يكن يعنيها من قبل، وهي من المصطلحات التي دارت حولها مناقشات عدة.
هذا ما أكده لنا جهابذة الدارسين والمدرسين للأدب العربي والنقد الأدبي، بشكل مباشر، في حلقات الدرس التي كنا نختلف إليها بكلية الآداب بجامعة عين شمس بالقاهرة، أمثال الدكاترة مصطفى الشكعة، وعبد القادر القط، وعز الدين إسماعيل، ومصطفى ناصف، ولطفي عبد البديع، وسواهم من تلامذة تلاميذ طه حسين، رحمه الله.
فهذه الكلمة، “أدب”، عرفت عدة مراحل أو أطوار لغوية. ففي الجاهلية استُعملت في كلامهم، شعرا ونثرا، بمعنى الدعوة إلى الطعام، ويستدل المؤرخون القدماء على ذلك بقول الشاعر المنكود الطالع، المأسوف على شبابه، طرفة بن العبد:
نحن في المشتاةِ ندعو الجَفَلَى
لا ترى الآدِبَ فينا ينتقر
أي: إنك لا ترى الداعي فينا إلى الطعام يخص شخصا دون آخر.
ومنها اشتقوا كلمة “أدَبَ – يأدِب”، بمعنى أعد أو صنع طعاما، كما اشتُقت منها كلمة “المأدبة”، جمع مآدب، وهي الوليمة أو الولائم.
وقد تحوّل هذا المعنى إلى قياس، فالضيف أو الآدب إلى المأدبة غالبا ما يتسم بأدب وحشمة وخجل وخلق.
والغريب أنه في لغة أو أمازيغية سكان منطقة “كتامة” وضواحيها وأرباضها، الواقعة على الطريق الجبلية القديمة الرابطة بين مدينتي تطوان والحسيمة، حيث توجد ثاني أعلى قمة في المغرب، وهي جبل “تدغين” بعد توبقال، يسمي بعضهم الضيوف بهذا المعنى، أي “الخجولون”!
فيقولون، على سبيل الدعابة والمزاح:
“إمْحَاشمَنْ ينقّين أوزرطيط”
أي: “الضيوف يقتلهم البرد”.
وهي منطقة معروفة بالبرد الشديد القارص الزمهرير خلال فصل الشتاء، على وجه الخصوص.
ويقال عند أهل الريف، في هذا الصدد، بنفس المعنى:
“إنبجيونْ إنقّين أصمّيض”.
وهناك أبيات طريفة، في سياق آخر، عن الضيف للصوفي الشهير الحسين بن منصور الحلاج، يقول فيها:
نديمي غيرُ منسـوبٍ
إلى شـــــــيءٍ من الحيفِ
سقاني مثلما يشــــرب
كفعل الضيفِ بالضيفِ
فلـــما دارت الكــأسُ
دعا بالنّطعِ والســّــــيفِ
كذا مَنْ يشربُ الرّاحَ
مع التنّين في الصّـــــيفِ
ولقد استعمل الرسول الكريم كلمة “أدب” فيما بعد فقال: “أدّبني ربي فأحسن تأديبي”.
ثم استُعملت في العصر الأموي بالمعنى الخلقي والتهذيبي، إلا أنه أضيف إليها معنى تعليمي، فـ”المؤدبون” كانوا يعلمون أبناء الخلفاء مختلف العلوم والمعارف والآداب والأخبار.
ثم أصبحت هذه الكلمة تعني “العلم” الذي كان يُطلق آنذاك غالبا على العلوم الدينية والفقهية… إلخ.
وقيل: “كل إناء يضيق بما فيه، إلا إناء العلم فإنه يزداد اتساعا”، ويقال: “منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال”.
وكان التعليم الأدبي في العصر العباسي قائما على الحفظ والاجترار والعنعنة والرواية والنسب والشعر واللغة ونحوها، فأطلقت على كل هذه العلوم.
قال صاحب “المقدمة” ابن خلدون:
“الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف”.
ثم صارت الآداب تطلق على فنون المنادمة وأصولها، إذ كانوا يعتبرون معرفة النغم والأغاني والسماع من أرقى وأرق فنون الآداب.
ثم انفرد لفظ الأدباء بالشعراء والكتاب. وبعد ذلك أصبح الأدب يرادف لفظ الثقافة؛ فالعلوم والمعارف والإنسانيات والاجتماعيات واللسانيات والفنون الجميلة، كالموسيقى والرسم والتصوير والشعر ومختلف مجالات الإبداع، تدخل في باب الأدب بمعناه العام والواسع اليوم.
اللغات الأصلية والهويات والأعراق
كنت قد نبّهت، في عدة مقالات سابقة في هذا المنبر الإعلامي الرصين وفي سواه، إلى أن الدفاع عن جذورنا وأصولنا، وعن أصالتنا وهويتنا وكياننا، أو انفتاحنا وتطورنا، لا ينبغي أن يثنينا أو ينسينا أو يقصينا أو يبعدنا عن العناية والاهتمام والنهوض والدفاع كذلك، بشكل متوازن، عن عناصر هامة ورئيسية أخرى في المكونات الأساسية والأصلية والأصيلة للهويات والإثنيات والأعراق الوطنية الأخرى في رقعتنا الجغرافية، وفي مختلف أنحاء المعمور.
ففي حالة البلدان المغاربية، على سبيل المثال، فإن اللغات الأمازيغية، التي تعتبر من المكونات الأصلية كذلك في نسيجها الاجتماعي، قد تعايشت جنبا إلى جنب مع لغة الضاد في تآخ وتكامل وتناغم وتلاحم منذ وصول أو دخول الإسلام إلى هذه الربوع والأصقاع، والتأثر والتأثير المتبادل بينهما، في مجتمعات اتسمت باستمرار بالتعدد والتنوع والمرونة والانفتاح.
وليس على لغاتها ولهجاتها الأصلية المتوارثة فحسب، بل وحتى على اللغات الأجنبية الأخرى الدخيلة، كالفرنسية والإسبانية والإنجليزية والإيطالية والبرتغالية وسواها.
وحسبي أن أشير، في هذا الصدد، إلى التعايش الذي كان قائما بين هذه اللغات برمتها، والذي لم يمنع أبدا أن يكون هناك علماء أجلاء، وفقهاء جهابذة، وشعراء أفذاذ، في هذه اللغة أو تلك، من مختلف جهات ومناطق هذه البلدان.
وكان “المواطن من أصل عربي” في هذا السياق يفتخر ويتباهى بنخوة وشجاعة وأرومة إخوانه من البربر الأمازيغ، والعكس صحيح.
قال قائلهم في هذا الصدد، متباهيا بجذرهم العريق:
وأصبحَ البِرُّ من تكرارهِ علما
على الخير والنبل والمكرمات
فالبِرّ، بكسر الباء، الذي يعني الخير والإحسان، إذا كُرّر مرتين أصبح “بِرّ بِرّ”، أي البربر!
وأعيد إلى الأذهان، في هذا المقام، قول شاعر آخر من “الريف” الوريف، ينشد متحسرا ومتألما على حاضرته التي اندرست واندثرت وتلاشت وامّحت وزالت وبادت، بعد التعايش الزاهر والازدهار المتألق اللذين عرفتهما مدينته من قبل، مستعملا ثلاث لغات في بيت واحد من الشعر، وهي اللغات: العربية، والريفية، والسودانية.
وهو خير دليل على توفر عناصر التثاقف والمثاقفة والتمازج والتعددية والانفتاح التي كانت سائدة في ذلك الإبان، فقال:
أثادّرث إينُو مَانيِ العلومُ التي ذَكمْ
قد اندرست حقّا وصارتْ إلى يَرْكَا
وقيل إن الكلمة الأخيرة الواردة في هذا البيت، وهي “يَرْكَا”، تعني باللغة السودانية الله، وبذلك يكون معنى البيت:
“أيا داري، أين العلوم التي كانت فيك؟ لقد اندرست حقا وصارت إلى الله”.
ويذكرنا هذا البيت ببيت آخر شهير للبيد بن ربيعة العامري، الذي يقول فيه:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ
وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائلُ
“الأصالة” تقتضي الاعتزاز بالانتماء، والتشبث بالأصول، والتعلق بالجذور والتراث، والعودة إلى الينابيع الأولى.
فالشجرة الكبيرة أو الدوحة العظمى الضاربة جذورها في عمق الثرى لا يمكنها أن تُقتلع من مكانها، وفي حال القيام بذلك تتعرض للخطر والموت والهلاك والتوى.
وربما لهذا يقال إن “الأشجار تموت واقفة”…!
وكذلك قولهم:
أخي استقم، فالشجر ينمو جذعه مستقيما
إذا التوى حاق به التوى
أما “المعاصرة” فتعني استساغة وهضم وقضم وفهم وتقبل والانفتاح على مستجدات العصر ومخترعاته ومعطياته ومستحدثاته ومتغيراته ومعايشاته؛ أي المواءمة، أو الجمع والتأليف والتوليف والموازنة والمعانقة والمقاربة بين إرث ثقافي تليد “أصيل”، وبين حاضر حدثي عتيد “معاصر”، بشكل قريب جدا من “الكياسة”، وبعيد، بعيد جدا، عن “السياسة”..!
إذن، نعود لنذكّر، والذكرى تنفع المؤمنين، بما جاء في مستهل هذا المقال، وهو أن صفوة من نخب مجتمعنا المغربي أمعنت في أيامنا على استعمال مصطلحي “الأصالة والمعاصرة”، المثقلين بحمولة وقرية وسَقية هائلة تنوء بكاهل حامليها حضاريا، وتراثيا، وروحيا، وثقافيا، وفكريا، وتاريخيا، وعوائديا، وأدبيا، وشعريا، ولغويا، وسواها.
دأب هؤلاء وأولئك على استعمال هذين المصطلحين في صلب أهوال “السياسة” وويلاتها، التي قد ينظر إليها غير قليل من الناس بنوع من التلكؤ والشزر والازدراء والارتياب، في حين قد ينظر إليها آخرون بقدر باهظ من الإعجاب والاعتزاز والزهو والفخار..!
فكل شيء يظل نسبيا في عرفهم، كما أخبرهم بذلك الأنكل ألبرت أينشتاين!
وقديما قال أحد العارفين: من تسيّس ولم يتسلّق فقد أخفق، ومن تسلّق ولم يتأنّق فلن يتألّق، كما أنه من تفقّه ولم يتصوّف فقد يتفسّق، ومن تصوّف ولم يتفقّه فقد يتزندق، ومن جمع بين هذه المعاني والأماني والمثاني جميعها فقد تحقّق…!
إنهم هؤلاء وأولئك الذين:
يُحَيَّوْنَ بَسَّامِـيْنَ طَـوْرا وتـارة
يُحَيَّوْنَ عَبّاسِيْنَ شُوْسَ الحَواجِبِ..!
وقديما قال الشاعر محقا:
دعني والفخارَ بعزِّ قومٍ
ذهبَ الزمنُ القديمُ بهم جميدَا
وشرُّ العالمينَ ذوو خمولٍ
إذا فاخرتَهم ذكروا الجدودَا
وخيرُ الناس ذو حسبٍ قديمٍ
أقامَ لنفسِه حسبا جديدَا
تحريرا في Torremolinos “برج الطواحين” – مالقة، في السادس من شهر أكتوبر 2026.
اترك تعليقاً