تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء المغربية: من تدبير النزاع إلى تثبيت الحل
قراءة في مكتسبات القرار 2797 ودلالات تقرير أكتوبر 2026
أولاً: السياق العام… لماذا يكتسي هذا التقرير أهمية خاصة؟
تكتسي مسودة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادرة في فاتح أكتوبر 2026 أهمية سياسية ودبلوماسية خاصة، باعتبارها أول وثيقة أممية تصدر في سياق تنفيذ القرار التاريخي لمجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، وما حمله من تحولات في مقاربة قضية الصحراء المغربية، باتجاه تعزيز مسار الحل السياسي والواقعي والعملي والدائم.
ويبرز التقرير عدداً من التطورات والمكتسبات التي تعزز موقع مبادرة الحكم الذاتي المغربية، ويمكن الوقوف، على وجه الخصوص، عند ثلاث دلالات أساسية:
1. ترسيخ الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات
يشير التقرير إلى أن المفاوضات التي جرت في واشنطن ومدريد تمت على أساس مقترح المغرب للحكم الذاتي، وفقاً للقرار 2797.
وتكتسي هذه الإشارة أهمية بالغة، لأنها تؤكد أن مبادرة الحكم الذاتي لم تعد مجرد تصور سياسي تقدمه المملكة المغربية، وإنما أصبحت أساساً للعملية التفاوضية في إطار المسار الأممي.
كما أن الإشارة إلى مشروع النظام الأساسي للحكم الذاتي الذي أعده المغرب في يناير 2026، تعكس انتقال النقاش من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى أكثر تفصيلاً يتعلق بالتصور المؤسساتي والقانوني للحكم الذاتي.
2. دينامية دولية متنامية حول المبادرة المغربية
يوثق التقرير، في سياق عرضه للتطورات الدولية، اتساع دائرة المواقف الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، بالتوازي مع تراجع مواقف كانت في السابق داعمة لأطروحة الانفصال.
وتعكس هذه الدينامية، في جوهرها، تنامي القناعة الدولية بأن الحل الواقعي والعملي والدائم للنزاع يمر عبر مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.
وهنا تكمن أهمية التحول: فالنقاش الدولي لم يعد يدور بالضرورة حول تعدد الحلول بنفس الدرجة، وإنما يتجه بصورة متزايدة نحو البحث في كيفية بلورة حل سياسي قابل للتطبيق على أساس المبادرة المغربية.
3. التطورات الميدانية ومسؤولية الحفاظ على وقف إطلاق النار
يتضمن التقرير أيضاً معطيات حول التطورات الأمنية والميدانية، بما فيها الاعتداءات التي استهدفت المدنيين في مدينة السمارة، والتوترات المرتبطة بخرق وقف إطلاق النار.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها تبرز الحاجة إلى احترام الالتزامات العسكرية والقانون الدولي الإنساني، والحفاظ على أمن المدنيين واستقرار المنطقة، بما يخدم المسار السياسي ولا يعيقه.
ثانياً: قراءة في الاستنتاجات والتوصيات… معركة التأويل
تكمن أهمية المرحلة المقبلة في كيفية قراءة مضامين التقرير واستثمارها سياسياً ودبلوماسياً، خصوصاً في ما يتعلق بالمفاهيم التي ما تزال قابلة لتأويلات مختلفة.
1. الحل المقبول بشكل متبادل
حين يتحدث التقرير عن حل سياسي واقعي ودائم ومقبول بشكل متبادل، يتم التفاوض بشأنه على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، فإن ذلك يضع العملية التفاوضية داخل إطار مرجعي جديد.
فالمقصود بالقبول المتبادل لا ينبغي أن يفهم باعتباره عودة إلى نقطة الصفر أو إعادة فتح جميع الخيارات السابقة بالدرجة نفسها، وإنما باعتباره انخراطاً في التفاوض من أجل التوصل إلى صيغة نهائية قابلة للتنفيذ، انطلاقاً من الأساس الذي حدده القرار الأممي.
وهنا تبرز أهمية المبادرة المغربية باعتبارها أرضية عملية للتفاوض وليست مجرد إعلان مبدئي.
2. المعايير الدولية والضمانات
أما الحديث عن ضرورة أن يستوفي الحكم الذاتي أعلى المعايير الدولية وأن تدعمه ضمانات قوية، فيمكن قراءته باعتباره مدخلاً لتعزيز الثقة في الحل النهائي.
فالمغرب يتوفر على تصور مؤسساتي للحكم الذاتي، كما أن دستور 2011 أسس لمبادئ الجهوية المتقدمة والديمقراطية المحلية وتوسيع صلاحيات المجالس المنتخبة.
ومن ثم، فإن الضمانات الدولية يمكن أن تشكل عاملاً لتثبيت الحل، وحماية مكتسبات السكان، وتعزيز الثقة بين الأطراف والمجتمع الدولي، بما يجعل الحكم الذاتي إطاراً لحل نهائي ومستدام، وليس مجرد ترتيب انتقالي.
3. تقرير المصير والتشاور ذي المغزى
تظل مسألة تقرير المصير من أكثر النقاط حساسية في هذا المسار.
فمفهوم تقرير المصير في الممارسة الدولية لا يختزل بالضرورة في خيار واحد، بل يمكن أن يتحقق في سياقات معينة من خلال صيغ للحكم الذاتي والمشاركة الديمقراطية وتدبير السكان لشؤونهم في إطار ترتيبات سياسية متوافق عليها.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى التشاور ذي المغزى مع السكان باعتباره آلية لتعزيز مشاركتهم في تحديد مستقبلهم السياسي والمؤسساتي، بما يضمن لهم تدبير شؤونهم المحلية بصورة ديمقراطية وفعالة.
وتبقى المهمة الأساسية هي ضمان أن يتم هذا التشاور في إطار مؤسسات منتخبة وتمثيلية، وبما ينسجم مع المسار السياسي الذي كرسته قرارات مجلس الأمن.
4. المجلس الانتقالي وخارطة الطريق
إن الحديث عن اتفاق إطاري بشأن فترة انتقالية يفتح نقاشاً مهماً حول الكيفية التي يمكن من خلالها الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة تنفيذ الحل.
ومن هنا، تبرز أهمية أن تكون أي ترتيبات انتقالية قائمة على التمثيلية الديمقراطية، وأن تستند إلى المنتخبين المحليين وممثلي الساكنة ومختلف الفئات الاجتماعية، بما فيها الشباب والنساء، مع الاستفادة من الكفاءات والفعاليات الصحراوية.
والغاية من ذلك هي ضمان أن تكون المرحلة الانتقالية جسراً نحو تنزيل الحكم الذاتي، لا مجالاً لإعادة إنتاج ترتيبات أو بنيات من شأنها إطالة أمد النزاع.
ثالثاً: الجزائر… من موقع المراقب إلى موقع الطرف المعني بالتفاوض
ومن أبرز التحولات التي ينبغي التوقف عندها في المسار الأممي تزايد إبراز مسؤولية الجزائر ودورها في النزاع.
فالتعامل مع الجزائر باعتبارها طرفاً معنياً بالعملية السياسية ينسجم مع طبيعة النزاع الإقليمية ومع الدور الذي اضطلعت به الجزائر منذ بدايته.
وهذا التطور يضع العملية السياسية أمام مسؤولية جماعية: فالطريق إلى الحل الدائم يمر عبر انخراط الأطراف المعنية بجدية، بعيداً عن سياسة إطالة أمد النزاع أو إعادة إنتاج المواقف السابقة.
الخلاصة: من إدارة النزاع إلى هندسة الحل
يمكن القول إن التطورات التي أعقبت القرار 2797، وما تضمنه تقرير الأمين العام في أكتوبر 2026، تعكس انتقالاً مهماً في طبيعة النقاش حول قضية الصحراء المغربية:
من منطق إدارة النزاع إلى منطق البحث عن تثبيت الحل.
وفي قلب هذا التحول تبرز مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الذي ينبغي أن تدور حوله المفاوضات من أجل التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم ومقبول.
كما أن تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية يعكس تحولاً تدريجياً في البيئة الدبلوماسية المحيطة بالملف، ويمنح المغرب رصيداً إضافياً لمواصلة مساره التفاوضي.
غير أن المرحلة المقبلة تقتضي أكثر من الاحتفاء بالمكتسبات؛ فهي تتطلب قراءة دقيقة للتقرير، وتوحيد الخطاب، وتحويل المكاسب الدبلوماسية إلى مرافعة قانونية وسياسية متماسكة، وإبراز التنمية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، وترسيخ المشاركة الديمقراطية للسكان في تدبير شؤونهم.
إن الحكم الذاتي، في هذا السياق، لا ينبغي تقديمه فقط باعتباره مبادرة مغربية، بل باعتباره تصوراً عملياً لحل نزاع طال أمده، يجمع بين السيادة والوحدة الترابية، والمشاركة الديمقراطية، وتدبير السكان لشؤونهم المحلية، وضمان الاستقرار والتنمية.
وهذه هي المهمة التي تفرضها المرحلة المقبلة: الانتقال من الدفاع عن شرعية المقترح المغربي إلى العمل على بناء شروط تنزيله وتثبيته كحل سياسي نهائي ودائم.
وفي هذا الإطار، يظل المسار الذي تقوده المملكة المغربية تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس ، قائما على الجمع بين الواقعية السياسية، والدينامية الدبلوماسية، والتنمية الميدانية، والانفتاح على الحلول العملية التي تضمن الاستقرار والازدهار في المنطقة.
إنها، في نهاية المطاف، معركة تثبيت الحل بعد عقود من تدبير النزاع؛ ومعركة التأويل اليوم لا تقل أهمية عن معركة التفاوض نفسها.
اترك تعليقاً