مجتمع

“أمطار الخير” تصطدم بأسعار المحروقات: هل يهجر “حرث البكور” في أراضي البور؟

مع انطلاق أولى التساقطات المطرية، استبشر سكان المناطق القروية خيرا ببداية موسم فلاحي جديد، غير أن الارتفاع المفاجئ في أسعار المحروقات أعاد مخاوف الفلاحين إلى الواجهة، خصوصا في مناطق الزراعة البورية، حيث باتت كلفة الحرث تهدد بإحجام عدد من الفلاحين عن زراعة أراضيهم.

وتأتي هذه المخاوف في سياق صعب عاشه القطاع خلال السنوات الماضية، تميز بارتفاع متواصل في أسعار الأعلاف والبذور ومختلف مستلزمات الإنتاج، ما جعل الفلاح الصغير أمام معادلة اقتصادية صعبة، تزداد تعقيدا مع ارتفاع تكلفة الوقود وعدم وضوح مستقبل التساقطات المطرية.

وفي ظل هذه الوضعية، يتحول الحرث في المناطق البورية إلى مخاطرة مالية حقيقية، إذ يجد الفلاح نفسه مطالبا بتحمل تكاليف مرتفعة دون ضمانات بشأن مردودية الموسم. ولذلك يطالب عدد من الفلاحين بتخفيض أسعار الوقود أو اعتماد دعم مباشر لفائدة أصحاب الجرارات، بما يخفف من كلفة الحرث ويساعد الفلاحين الصغار على الاستمرار في استغلال أراضيهم.

ارتفاع كلفة الحرث يربك الفلاحين

وفي منطقة أولاد رحمون، يشرح الفلاح عبد المطلب نبوة طبيعة الصعوبات التي تواجه الفلاح الصغير في الزراعة البورية، موضحا أن هذا النوع من الزراعة يختلف عن الأراضي المسقية التي تكون فيها إمكانية ضمان المحصول أكبر.

ويقول نبوة إن الزراعة البورية ترتبط بشكل وثيق بالتساقطات المطرية، كما تفرض على الفلاح اتخاذ قرارات في توقيت محدد، لأن تأخير الحرث إلى شهري دجنبر أو يناير قد يؤدي إلى ضياع فرصة ما يعرف بـ”حرث البكور”، وهو ما يضع الفلاح أمام خيارين صعبين: إما المخاطرة بتكاليف الحرث المرتفعة، أو الانتظار أملا في انخفاض الأسعار أو تحسن التساقطات.

ويؤكد المتحدث أن عمليتي التسميد العضوي وشق التربة تكتسيان أهمية كبيرة في الزراعة البورية، موضحا أن التسميد العضوي يساعد البذور على التأقلم مع الظروف المناخية الجافة، حتى في حال كانت التساقطات المطرية محدودة، بما يمكن من الحفاظ على محصول مقبول.

في المقابل، يضيف أن الزراعة المتأخرة قد تجعل الأرض أقرب إلى الزراعة السقوية عند نزول الأمطار، بينما يؤدي غياب التساقطات إلى ضعف الإنتاج.

بين الحرث التقليدي وترك الأراضي

ويستحضر الفلاح ذاته وضعية القطاع خلال السنوات الأخيرة، قائلا إن “هذه السنة سجلنا ضررا في عملية الحرث”، مشيرا إلى أن الفلاحين، وبعد سنوات من ارتفاع أسعار الأعلاف والبذور وتكاليف الحرث، كانوا يعقدون آمالا على الموسم الحالي، قبل أن يفاجأوا بارتفاع أسعار المحروقات.

وأوضح أن كلفة الحرث بواسطة الجرار ارتفعت، حسب المنطقة، إلى ما بين 130 و150 درهما، بعدما كانت في حدود 80 أو 90 درهما، وهو ما دفع عددا من الفلاحين إلى التردد قبل الإقدام على حرث أراضيهم بسبب ارتفاع التكلفة.

ويرى نبوة أن هذا الوضع بات يهدد بشكل مباشر باستمرار النشاط الفلاحي لدى فئة من صغار الفلاحين، محذرا من أن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج قد يدفع إلى ما وصفه بـ”العزوف عن الزراعة”.

وأمام ارتفاع كلفة الحرث مقارنة بالعائد المحدود الذي يوفره إنتاج الحبوب، يجد الفلاحون أنفسهم أمام خيارات اضطرارية، من بينها العودة إلى الوسائل التقليدية، خصوصا استخدام الدواب في حرث المساحات الصغيرة، أو التخلي عن زراعة الأرض وتحويلها إلى مجال للرعي.

ويشير الفلاحون إلى أن الوضع الحالي يجعل امتلاك جرار فلاحي عاملا حاسما في القدرة على مواصلة النشاط، إذ يستطيع الفلاح الذي يتوفر على جرار خاص به التحكم بشكل أكبر في كلفة الحرث وتوقيته، مقارنة بالفلاحين الذين يعتمدون على خدمات أصحاب الجرارات.

الوقود يرفع كلفة الجرار والنقل

من جهته، أوضح الفلاح عبد الغني أن الاعتماد على الجرار في عملية الحرث أصبح مكلفا بشكل كبير، مؤكدا أن ارتفاع أسعار الوقود ينعكس مباشرة على تكلفة الخدمة التي يقدمها أصحاب الجرارات.

وأشار إلى أن تأثير ارتفاع أسعار المحروقات لا يقتصر على عملية الحرث، بل يمتد أيضا إلى مختلف مستلزمات الإنتاج، بما فيها الأسمدة والبذور، بسبب ارتباطها بدورها بتكاليف النقل.

وأضاف أن ارتفاع تكلفة استخدام الجرار يلتهم جزءا كبيرا من هامش الربح المحدود أصلا لدى الفلاح الصغير، الأمر الذي يدفع عددا من الفلاحين إلى العودة إلى الطرق التقليدية، خصوصا في ظل لجوء بعض أصحاب الجرارات إلى انتقاء المساحات التي يشتغلون فيها وفرض شروطهم الخاصة لضمان هامش ربح مناسب.

وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج وعدم ضمان التساقطات المطرية، يجد الفلاح الصغير نفسه أمام موسم فلاحي محفوف بالمخاطر، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى اتخاذ إجراءات تخفف من كلفة الوقود والحرث، بما يسمح بالحفاظ على النشاط الزراعي بالمناطق البورية والنائية ويجنب الأراضي مزيدا من الهجر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *