المغرب العميق، مجتمع

أمطار الجنوب الشرقي.. حين تعرّي السيول هشاشة التنمية وتُدخل المنطقة في عزلة تامة (صور)

أعادت السيول التي شهدتها عدة أقاليم بالجنوب الشرقي للمغرب، أمس الخميس 8 أكتوبر 2026، إشكالية هشاشة البنية التحتية الطرقية وفك العزلة عن المناطق الجبلية والقروية إلى الواجهة، بعدما تسببت التساقطات المطرية الرعدية في انقطاع عدد من المحاور الطرقية وتوقف حركة السير لساعات، وسط مطالب متجددة بتسريع إنجاز القناطر والمنشآت الفنية وتأهيل المقاطع التي تتكرر بها هذه الاضطرابات.

وامتدت هذه الوضعية من ميدلت والرشيدية إلى تنغير وورزازات وزاكورة، حيث وجد عدد من المواطنين والسائقين والمسافرين أنفسهم أمام طرق غمرتها مياه الأودية، وطوابير من المركبات والشاحنات تنتظر انخفاض منسوب المياه لاستئناف الرحلات، في مشاهد تتكرر مع كل تساقطات مطرية قوية تشهدها المنطقة.

وتأتي هذه الاضطرابات بعدما أصدرت المديرية العامة للأرصاد الجوية نشرة إنذارية من مستوى يقظة برتقالي، توقعت فيها تسجيل زخات رعدية تتراوح بين 20 و30 ملم، مصحوبة محليا بتساقط البرد وهبات رياح، شملت عددا من أقاليم الجنوب الشرقي، من بينها ميدلت والرشيدية وتنغير وورزازات وزاكورة.

ورزازات.. ساعات من الانتظار على الطريق الوطنية رقم 10

بإقليم ورزازات، تسببت السيول في تعطيل حركة السير على مستوى منطقة إماسين، بالطريق الوطنية رقم 10 الرابطة بين ورزازات وقلعة مكونة، بعدما غمرت المياه أجزاء من الطريق وحالت دون مرور المركبات، في وقت واجه فيه عدد من السائقين صعوبات في مواصلة رحلاتهم.

وتكرر المشهد على مستوى واد أناتيم، حيث أدى ارتفاع منسوب المياه إلى توقف حركة المرور لأزيد من ساعتين، وسط اكتظاظ كبير للشاحنات والحافلات والسيارات، واضطرار مئات المواطنين والسياح إلى الانتظار قبل استئناف حركة السير.

وعاينت جريدة “العمق المغربي” ميدانيا حجم الارتباك الذي شهده هذا المحور الطرقي، في ظل تدخل السلطات المحلية وعناصر الأمن والدرك الملكي والقوات المساعدة لتأمين محيط الوادي وتنظيم حركة المرور، بينما عبّر عدد من مستعملي الطريق عن استيائهم من تكرار هذه الوضعية.

وفي توضيح سابق للجريدة، أكد المدير الإقليمي للتجهيز بورزازات أن الأشغال الجارية على مستوى قنطرة واد أناتيم 2 تهم إعادة بنائها وتثنيتها، مشيرا إلى أن نسبة تقدمها بلغت 40 في المائة، وأن الانحراف الجانبي المخصص لحركة المرور خلال فترة الأشغال قد يعرف انقطاعات مؤقتة.

وأوضح المسؤول أن انتهاء الأشغال مرتقب في نهاية يناير 2027، فيما تتواصل التدخلات لتأمين المرور وتنقية الانحراف المؤقت عند الضرورة.

الرشيدية وزاكورة.. السيول تعزل مقاطع طرقية

وبإقليم الرشيدية، أفادت معطيات محلية بأن السيول تسببت في انقطاع الطريق الرابطة بين تنجداد والريصاني على مستوى قصر توروك، ما أعاد إلى الواجهة معاناة مستعملي هذا المحور الذي يتأثر بارتفاع منسوب الأودية.

وتجددت بهذه المناسبة مطالب الساكنة بمعالجة النقاط السوداء وإنجاز منشآت فنية تضمن استمرارية حركة السير، بدل الاكتفاء بالتدخلات الاستعجالية التي تفرضها كل موجة من التساقطات القوية.

أما بإقليم زاكورة، فقد تسببت مياه السيول، وفق المعطيات المحلية، في انقطاع الطريق الجهوية رقم 108 الرابطة بين النقوب وتازارين، على مستوى دوار أملال بجماعة النقوب، بعدما غمرت المياه المقطع الطرقي، مما جعل عبوره يشكل خطرا على مستعملي الطريق.

ودفعت هذه الوضعية إلى تجديد التحذيرات من محاولة اجتياز الأودية خلال فترات ارتفاع منسوب المياه، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بتوجيهات السلطات المحلية وعناصر الدرك الملكي إلى حين عودة ظروف المرور الآمن.

إميضر.. ثروة معدنية ومطالب بفك العزلة

وفي إقليم تنغير، أعادت التساقطات المطرية النقاش حول البنية التحتية بالمناطق المجاورة لمنجم إميضر للفضة، حيث تتواصل مطالب فعاليات محلية بتوفير القناطر والمنشآت الضرورية لحماية مستعملي الطرق من مخاطر السيول.

وتطرح هذه المطالب إشكالية العلاقة بين الأنشطة الاقتصادية الكبرى والتنمية المحلية، خصوصا بالمناطق التي تحتضن ثروات معدنية مهمة، بينما تظل بعض المحاور الطرقية عرضة للانقطاع خلال فترات التساقطات المطرية.

ويرى مطالبون بتحسين البنية التحتية أن ضمان سلامة التنقل وفك العزلة ينبغي أن يشكلا أولوية، سواء بالنسبة للساكنة أو العاملين ومستعملي الطرق، مع ضرورة تحديد مسؤوليات مختلف المتدخلين وتعبئة الاستثمارات اللازمة لإنجاز حلول مستدامة.

ولم تكن هذه الاضطرابات معزولة عن حوادث سابقة شهدتها المنطقة، إذ عرفت منطقة إملشيل بإقليم ميدلت، الأحد الماضي، انقطاع الطريق الوطنية رقم 12 الرابطة بين إملشيل وبوزمو، بعد أن غمرت السيول والأوحال أجزاء من الطريق، مما تسبب في عرقلة حركة السير.

مطالب بحلول جذرية بدل التدخلات المؤقتة

وأعادت هذه الأحداث المتزامنة مطالب الساكنة والفعاليات المحلية بضرورة مراجعة وضعية المحاور الطرقية الأكثر عرضة للسيول، وتسريع مشاريع بناء القناطر وتأهيل الطرق وتحسين منشآت تصريف المياه، بما يتلاءم مع الخصائص الجغرافية والمناخية للجنوب الشرقي.

ولا تقتصر تداعيات انقطاع الطرق على تعطيل حركة السير وتأخير رحلات المواطنين والسياح، بل تمتد إلى صعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية، خاصة بالنسبة لسكان الدواوير البعيدة والحالات الاستعجالية التي تحتاج إلى التنقل نحو المؤسسات الصحية.

وفي مقابل الإشادة بالتدخلات الميدانية للسلطات المحلية والأجهزة الأمنية وباقي المتدخلين لحماية المواطنين وتأمين المحاور المتضررة، تتزايد الدعوات إلى الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع السيول إلى مقاربة وقائية تقوم على تحديد النقاط السوداء وترتيب أولويات الاستثمار وتوفير الاعتمادات والآجال الواضحة لإنجاز المشاريع.

وتطرح هذه الوضعية أسئلة بشأن مدى تقدم برامج فك العزلة وتأهيل الطرق بجهة درعة تافيلالت، ومدى قدرتها على الاستجابة للتحديات التي تفرضها التضاريس الجبلية وشبكة الأودية والتغيرات المناخية.

وبين الأمطار التي تستبشر بها الساكنة لما تحمله من انعكاسات إيجابية على الفرشة المائية والأنشطة الفلاحية، والانقطاعات التي ترافقها في عدد من المحاور الطرقية، يظل التحدي المطروح أمام الجهات المسؤولة هو ضمان ألا تتحول التساقطات المطرية، في كل مرة، إلى سبب لعزل التجمعات السكنية وتعطيل مصالح المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *