من آية البِرّ إلى بشارة الحسنة: القراءة الدينية والأخلاقية في افتتاح البرلمان المغربي
تمهيد: حين يكون الدستور قرآنيا والديمقراطية إيمانية
في الجمعة الثانية من أكتوبر، وكما جرت العادة الدستورية والعرفية في المملكة المغربية، افتتح جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الدورة التشريعية الجديدة من على منبر البرلمان، في مشهد قل نظيره في التجارب الديمقراطية المعاصرة. لم يكن الأمر مجرد طقس بروتوكولي تتكرر صوره كل عام، بل كان لحظة تأسيسية تتقاطع فيها ثلاثة أبعاد: بعد دستوري يتمثل في ممارسة الملك لصلاحياته كرأس للدولة، وبعد روحي يتجلى في حضوره بصفته أميرا للمؤمنين، وبعد رمزي يتبدى في الجلباب المغربي الأصيل الذي يحيل على انتماء حضاري لا يتنكر لأصوله وهو ينفتح على عصره.
وكان حضور صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد مع نجله مولاي أحمد، إيذانا بأن الأمة المغربية كيان متواصل الأجيال، لا تنقطع فيه حلقات المسؤولية ولا تضعف فيه أواصر البيعة.
أولا: آية البر الشامل، دستور أخلاقي فوق قبة البرلمان
افتتحت الجلسة، كما جرت العادة، بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم. وكان الاختيار هذه المرة على الآية 177 من سورة البقرة، وهي الآية التي وصفها ابن عباس رضي الله عنهما بأنها جمعت خصال الخير كلها، حتى عدت أجمع آية في القرآن الكريم لمعاني البر:
(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون).
وليس اختيار هذه الآية بالأمر العابر، إذ يمكن قراءتها بوصفها إطارا مرجعيا أخلاقيا لما يجب أن يكون عليه العمل البرلماني والحكومي خلال الولاية الجديدة، وذلك من خلال ثلاث رسائل كبرى:
نفي الشكليات وتأسيس الجوهر
تبدأ الآية بنفي قاطع: ليس البر أن تولوا وجوهكم. وهو نفي يحيل مباشرة على ما أكده جلالة الملك في خطابه حين قال: إن الاعتزاز بالوطن هنا ليس من أجل التباهي والتعبير عن الرضى عن النفس، بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني. فالبر في السياسة كما في الدين ليس مظاهر وخطبا وشعارات، بل هو عمل ميداني ملموس. وقد شدد الخطاب الملكي على هذا المعنى حين جعل العمل الميداني على المستوى الترابي هو الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، منتقدا صراحة التأخير والاختلالات والتماطل في تنزيل اللامركزية.
الانحياز للفئات الهشة بوصفه معيارا للتقوى
تحصي الآية فئات ستا مستحقة للإنفاق: ذوي القربى، اليتامى، المساكين، ابن السبيل، السائلين، وفي الرقاب. وهي فئات تتقاطع اليوم مع ما يعرف في الخطاب التنموي بالفئات الهشة والشرائح المهمشة. وحين دعا جلالة الملك إلى توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وإلى وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، فإنما يترجم عمليا ما جاء في الآية من حث على إيتاء المال على حبه لمن هم في أمس الحاجة إليه. فالنمو الاقتصادي بلا عدالة اجتماعية هو بحسب المنطق القرآني تولية للوجوه قبل المشرق والمغرب دون بلوغ حقيقة البر.
الوفاء بالعهد والصبر: ركيزتا العمل السياسي
تختم الآية بركنين أخلاقيين جوهريين: الموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء. وهما ركيزتان تتقاطعان مع صلب الخطاب الملكي، إذ عرف جلالته الانتداب البرلماني بأنه التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربطكم بالمواطنين. فالعهد هنا ليس مجرد وعد انتخابي عابر، بل هو ميثاق مقدس يسأل عنه صاحبه أمام الله وأمام المواطنين وأمام التاريخ. أما الصبر في البأساء والضراء، فيحيل على ما وصفه الخطاب بالظرفية الاستثنائية والتسارع في التحولات الجيو اقتصادية، مما يستدعي ثباتا وصبرا استراتيجيا لا انفعالا ولا ارتجالا.
ثانيا: التعاقد الأخلاقي، المفهوم المحوري في الخطاب
لعل أهم ما جاء في الخطاب الملكي من منظور أخلاقي هو هذا التعريف الدقيق للانتداب البرلماني: الالتزام السياسي والتعاقد الأخلاقي. وهو تعبير يجمع بين البعد الوضعي الالتزام السياسي المبني على صناديق الاقتراع والبعد القيمي التعاقد الأخلاقي المبني على الضمير والمسؤولية أمام الله.
وهذا الجمع ليس اعتباطيا، بل هو متأصل في الفقه السياسي الإسلامي الذي تقوم عليه إمارة المؤمنين في المغرب. فالبيعة في التقليد المغربي ليست عقدا مدنيا محضا، بل هي ميثاق شرعي له أبعاد أخلاقية ودينية. وحين يخاطب الملك البرلمانيين قائلا: كونوا في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي تتحملونها أمام الله وأمام المواطنين وأمام التاريخ، فإنه يرسي تراتبية ثلاثية للمسؤولية:
أمام الله: وهي المسؤولية الأسمى التي لا تسقط بالتقادم ولا تسقط بسقوط الولاية.
أمام المواطنين: وهي المسؤولية الديمقراطية المباشرة.
أمام التاريخ: وهي المسؤولية الحضارية التي تتجاوز الحاضر إلى حكم الأجيال القادمة.
ثالثا: الشجاعة الأخلاقية في الاعتراف بالاختلالات
من أبرز الأبعاد الأخلاقية في الخطاب ما تحلى به جلالته من شجاعة في النقد الذاتي حين قال: يجب أن نعترف بكل شجاعة وموضوعية بأن النموذج الحالي للتعاون أصبح متجاوزا. وهذا الاعتراف يجسد خلقا قرآنيا عظيما هو الصدق مع النفس، وهو من صلب ما وصفته الآية بأولئك الذين صدقوا. فالصدق في السياسة ليس فضيلة ثانوية، بل هو شرط أولي لأي إصلاح حقيقي. والخطاب لم يتردد في تشخيص العراقيل والتأخير والتماطل، مما يجعل منه نموذجا في المحاسبة الأخلاقية قبل المحاسبة السياسية.
رابعا: الخاتمة بالبشارة، منطق الرحمة في التدبير العمومي
إذا كان افتتاح الجلسة قد جاء بآية البر التي تحدد الواجب وترسي المعايير، فإن خاتمة الخطاب جاءت بآية البشارة والتحفيز:
من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها
وهي خاتمة بالغة الدلالة لثلاثة أسباب:
أولها: أن المنطق القرآني في الحث على العمل الصالح هو منطق المضاعفة والتشجيع، لا منطق الترهيب والعقاب. وكأن الملك يقول للبرلمانيين: كل خطوة إصلاحية واحدة تحسب لكم عشرا، فلا تستصغروا جهدا ولا تحتقروا مبادرة.
وثانيها: أن الآية تذكر بأن الحسنة في العمل العام لها أثر مضاعف، لأن نفعها يتعدى الفرد إلى الجماعة. فالحسنة البرلمانية قانون عادل، سياسة راشدة، مشروع تنموي ليست حسنة شخصية، بل هي حسنة تتكاثر بعدد المستفيدين منها.
وثالثها: أن الختم بالبشارة بعد الافتتاح بالواجب يرسي توازنا نفسيا وروحيا للعمل السياسي: انطلقوا من الشعور بالمسؤولية، واعملوا برجاء القبول والمثوبة.
خامسا: الرمزية الحضارية، الجلباب والبيعة والاستمرارية
لا تكتمل القراءة الدينية للحدث دون التوقف عند رمزيته البصرية. فحضور جلالة الملك بالجلباب المغربي الأصيل ليس تفصيلا بروتوكوليا، بل هو تجسيد بصري للهوية الدينية والحضارية التي أكد عليها الخطاب حين قال: من حق المغاربة أن يعتزوا بهويتنا الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين. فالجلباب هنا هو رمز للانتماء، وإمارة المؤمنين هي الإطار الشرعي الذي يمنح الديمقراطية المغربية خصوصيتها، وحضور ولي العهد وشقيقه هو تعبير عن استمرارية الأمة التي لا تنقطع فيها حلقات البيعة.
خاتمة: نموذج في التوفيق بين الوحي والعقل السياسي
إن افتتاح البرلمان المغربي بخطاب يفتتح بآية البر الشامل ويختتم بآية الحسنة المضاعفة، ويضمن في صلبه مفهوم التعاقد الأخلاقي، لهو دليل ساطع على أن النموذج المغربي لا يعارض بين الدين والديمقراطية، بل يجعل من الأول إطارا أخلاقيا للثانية، ومن الثانية مجالا تطبيقيا للأول.
فالآية الأولى تجيب عن سؤال: ما الواجب؟ وهو البر الشامل المتجاوز للشكليات، المنحاز للضعفاء، الموفي بالعهود، الصابر على التحديات.
والآية الثانية تجيب عن سؤال: ما الأمل؟ وهو أن كل حسنة في خدمة الوطن تضاعف عشرا عند الله.
وبين الواجب والأمل، تمشي الأمم الراشدة.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
اترك تعليقاً