منسق الشبكة الإفريقية للهجرة: الخطاب الملكي يؤسس لنموذج خال من الابتزاز وينهي وصاية الغرب

أسس الخطاب الملكي الأخير لمرحلة جديدة وحاسمة في التعاطي مع قضايا الهجرة، قوامها القطع النهائي مع أي شكل من أشكال الابتزاز السياسي أو الضغط من طرف الشركاء الأوروبيين، وهو الموقف الذي اعتبره عبد الفتاح الزين، منسق الشبكة الإفريقية للهجرة والتنمية، في تصريح لجريدة “العمق”، انتقالا استراتيجيا نحو تكريس منطق الند للند والمسؤولية المشتركة في تدبير هذا الملف المعقد.
وأوضح المتحدث أن تأخير الحديث عن موضوع الهجرة إلى نهاية الخطاب الملكي يحمل دلالات سياسية وتاريخية عميقة، تتمثل في تذكير الشركاء الأوروبيين بعراقة النظام الملكي المغربي ومؤسساته التي تستند إلى روابط البيعة باعتبارها مؤسسة دستورية لدولة عريقة، مشددا على أن المملكة تعرف حدودها السيادية جيدا وترفض أي تدخل في شؤونها أو التشكيك في ثوابتها استنادا إلى آراء أو قرارات محاكم استشارية خارجية.
وأضاف الفاعل المدني أن المغرب يتسم بتعدد روافده الحضارية وتنوع هويته، مبرزا أن المملكة تعتبر بلد هجرة ومستقرا للمهاجرين بامتياز، ومستشهدا في هذا السياق بكتاب الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي حول “أمة المهاجرين”، ليؤكد أن المجتمعات التي تحتضن المهاجرين وتوفر لهم إطارا مؤسساتيا ملائما تستفيد من كفاءاتهم وتجعل منهم عنصرا فاعلا في التنمية وقنطرة تواصل بين بلدان الاستقبال والعبور والمصدر.
وأكد الخبير ذاته على ضرورة مناقشة ملف الهجرة خارج منطق الابتزاز والتهديد، ووضعه في إطار الندية التي تفرضها السيادة الوطنية، متسائلا عن مدى استيعاب منظومة التعاون الدولي الحالية لواقع الهجرة كظاهرة اجتماعية وإنسانية تتطلب مرافقة وتنمية مشتركة، وليس مجرد مقاربتها كأزمة أمنية عابرة تتطلب حلولا زجرية فقط.
وأشار الزين إلى أن الدبلوماسية المغربية لم تعد تكتفي بتنفيذ الأجندات الدولية الجاهزة، بل أصبحت فاعلا رئيسيا في صياغتها وتوجيهها، مذكرا باحتضان العاصمة الرباط للمرصد الإفريقي للهجرة، وتوقيع الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية بمدينة مراكش، وهو ما يعكس انتقال المملكة من موقع المتلقي إلى موقع المبادر في صياغة الاستراتيجيات القارية الرامية لتدبير تدفقات البشر.
وسجل منسق الشبكة الإفريقية أن الرؤية الملكية استندت إلى ثلاثة مرتكزات أساسية، أولها الاعتراف الواضح بمحدودية النموذج القائم الذي أثبت فشله أمام توالي الأزمات، وثانيها ضرورة إعادة تعريف الشراكة باعتبارها اختيارا سياديا والتزاما إراديا متبادلا بعيدا عن الضغوطات، وثالثها الدعوة إلى بلورة استراتيجية جديدة تربط الهجرة بالتنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وتابع المصرح موضحا أن الهجرة في أوروبا والعالم الغربي فقدت طابعها الإنساني والحقوقي لتتحول إلى ورقة سياسية وانتخابية محضة، تتحكم في قواعد اللعبة الديمقراطية وتحدد مصير الحكومات، موردا أمثلة عن استغلال أحزاب اليمين المتطرف لهذا الملف في إسبانيا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى كبرنامج انتخابي للوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها عبر دغدغة مشاعر الناخبين.
وانتقد المصدر نفسه سياسة الهجرة الانتقائية التي تعتمدها الدول الغربية، مبرزا التناقض الصارخ بين ادعاءات حماية حقوق الإنسان والممارسات الفعلية التي تروم استنزاف الكفاءات الإفريقية عبر ما يسمى بهجرة الأدمغة، ومشددا على أن هذه المقاربة الفردية تتنافى مع روح المواثيق الدولية، وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم التي ترفض دول الاستقبال الكبرى التوقيع عليها.
وشدد المتحدث على التعقيد الذي يطبع مسألة تدبير الحدود ومكافحة شبكات التهريب، مبرزا التحدي الكبير المتمثل في التوفيق العادل بين متطلبات الأمن الوطني الذي يفرض حماية الحدود الترابية، وبين الأمن الإنساني الذي يكفل حقوق المهاجرين، ومشيرا إلى أن الدول الأوروبية تتهرب غالبا من التزاماتها وتكتفي بإصدار قرارات الإبعاد دون مراعاة لأوضاع القاصرين واللاجئين وطالبي الحماية.
وكشف الخبير عن تفشي سياسة الكيل بمكيالين في التعاطي مع قضايا التنقل الدولي، مستحضرا التعقيدات والشروط المالية والإدارية المجحفة التي تفرضها القنصليات الأوروبية على الطلبة المغاربة والباحثين الراغبين في متابعة دراستهم، مقارنة بالتسهيلات الممنوحة لنظرائهم الأوروبيين، ومستغربا من استمرار ازدواجية المعايير في العلاقات الدولية التي تبيح استغلال مقدرات الدول وتغلق الحدود في وجه أبنائها.
وختم الزين تصريحه بتسليط الضوء على الدينامية المؤسساتية الداخلية التي يشهدها المغرب في هذا المجال، مؤكدا أن ورش مأسسة التعامل مع قضايا الجالية يسير بخطوات ثابتة من خلال النقاش الهادئ الجاري حاليا حول إرساء دعائم “المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج”، والتي ينتظر أن تشكل إطارا مرجعيا متكاملا يضمن التمثيلية الحقيقية لمغاربة العالم ويصون حقوقهم ومكتسباتهم التنموية.
اترك تعليقاً