خارج الحدود

أول إعدام بـ”البث المباشر”.. جدل واسع بأميركا بعد موافقة ترامب على إعدام “نضال حسن”

طبيب نفسي عسكري سابق بالجيش الأمريكي ينحدر من أسرة فلسطينية

أثار إعلان وزارة الدفاع الأمريكية عزمها بث تنفيذ حكم الإعدام رميا بالرصاص بحق الطبيب النفسي العسكري السابق، نضال مالك حسن، المدان بقتل 13 شخصا في هجوم مسلح بقاعدة فورت هود العسكرية بولاية تكساس سنة 2009، موجة من الانتقادات السياسية والحقوقية، أعادت إلى الواجهة الجدل حول عقوبة الإعدام وحدود إضفاء الطابع العلني على تنفيذها.

وبينما حدد الجيش الأمريكي يوم 3 دجنبر 2026 موعدا لتنفيذ الحكم، عقب موافقة الرئيس دونالد ترامب عليه، لا يزال مقترح البث المباشر يثير تساؤلات بشأن مشروعيته القانونية وأبعاده الأخلاقية، خصوصا بعدما اعتبرت الأمم المتحدة أن بث عملية القتل قد يرقى إلى إعدام علني وينتهك الحظر المطلق للتعذيب.

وتأتي القضية في سياق أمريكي يتسم بتجدد النقاش بشأن وسائل تنفيذ أحكام الإعدام، بعد واقعة فشل تنفيذ حكم بحق سجينة في ولاية تينيسي، فيما يطرح اللجوء إلى فرقة الإعدام في قضية حسن سابقة عسكرية نادرة لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عقود.

من طبيب نفسي إلى منصة الموت

يبلغ نضال مالك حسن 56 عاما، وهو طبيب نفسي عسكري سابق برتبة رائد في الجيش الأمريكي، ولد في الولايات المتحدة وينحدر من أسرة فلسطينية، وكان يعمل ضمن المنظومة الطبية العسكرية، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز المدانين في قضايا إطلاق النار الجماعي في تاريخ الجيش الأمريكي الحديث.

ففي 5 نونبر 2009، فتح حسن النار داخل مركز لمعالجة وتجهيز الجنود بقاعدة فورت هود في تكساس، حيث كان عدد من العسكريين ينتظرون استكمال إجراءات مرتبطة بالاستعداد للانتشار العسكري في العراق وأفغانستان.

وأسفر الهجوم عن مقتل 13 شخصا، بينهم 12 عسكريا ومدني، وإصابة 32 آخرين، وفق المعطيات الواردة في ملف القضية. وأصيب حسن خلال توقيفه برصاص أحد عناصر الشرطة العسكرية، ما أدى إلى إصابته بشلل نصفي واستخدامه كرسيا متحركا.

وأثار الهجوم صدمة واسعة داخل الولايات المتحدة، كما فتح نقاشا بشأن كيفية تعامل الأجهزة العسكرية والاستخباراتية مع المؤشرات السابقة للهجوم، خصوصا الاتصالات التي أجراها حسن مع أنور العولقي، الذي كان مرتبطا بتنظيم القاعدة.

وكانت السلطات الأمريكية قد اطلعت على مراسلات إلكترونية بين الرجلين قبل الهجوم، لكن التحقيقات اللاحقة أثارت انتقادات بشأن طريقة تقييم تلك الاتصالات ومدى تبادل المعلومات بين الأجهزة المعنية.

وخلال المحاكمة، أقر حسن بمسؤوليته عن إطلاق النار، وقدم الهجوم باعتباره مرتبطا بموقفه من الحروب الأمريكية في بلدان إسلامية، فيما لم يقدم دفاعا تقليديا عن نفسه، واختار تمثيل نفسه أمام المحكمة العسكرية، مع وجود محامين احتياطيين عينتهم المحكمة.

مسار الحكم

في غشت 2013، أدانت هيئة المحكمة العسكرية حسن بقتل 13 شخصا عمدا، إلى جانب 32 تهمة تتعلق بمحاولة القتل العمد، قبل أن تصدر بحقه حكم الإعدام في 28 غشت من السنة نفسها.

وجاء الحكم بعد الاستماع إلى شهادات من ناجين وأقارب الضحايا، فيما تطلبت عقوبة الإعدام قرارا بالإجماع من هيئة المحلفين العسكرية.

ولم ينفذ الحكم مباشرة، إذ خضع الملف لمسار من المراجعات والاستئنافات داخل منظومة القضاء العسكري الأمريكي، وصولا إلى المحكمة العليا الأمريكية، التي رفضت في 31 مارس 2025 طلب مراجعة الحكم.

وفي 2 أكتوبر 2026، وافق الرئيس دونالد ترامب على تنفيذ عقوبة الإعدام، قبل أن يوجه القائم بأعمال وزير الجيش آدم تيل في 6 أكتوبر بتحديد موعد التنفيذ رميا بالرصاص في قاعدة فورت هود، يوم 3 دجنبر المقبل، عند الساعة الواحدة ظهرا بالتوقيت المحلي.

وبحسب الجيش الأمريكي، جاء تحديد الموعد بعد استكمال مسار الطعون ومراجعة الحكم، فيما تنص القواعد العسكرية على اختيار موعد للتنفيذ يقع بين 60 و150 يوما من تاريخ موافقة الرئيس على العقوبة.

ويمثل القرار تطورا استثنائيا في القضاء العسكري الأمريكي، إذ يعود آخر تنفيذ لحكم إعدام بحق عسكري أمريكي إلى سنة 1961، عندما أعدم الجندي جون بينيت شنقا في سجن فورت ليفنوورث بولاية كانساس.

أما تنفيذ حكم رميا بالرصاص بحق حسن، إذا جرى في الموعد المحدد، فسيكون الأول من نوعه في الجيش الأمريكي منذ إعدام الجندي إيدي سلوفيك سنة 1945، خلال الحرب العالمية الثانية.

جدل البث المباشر

لم يتوقف الجدل عند وسيلة تنفيذ الحكم، بل امتد إلى إعلان وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن تنفيذ الإعدام سيكون متاحا للمشاهدة المباشرة، في خطوة قال منتقدون إنها تحول العقوبة إلى مشهد علني يتجاوز الغرض القضائي.

وبرر هيغسيث توجهه بالقول إن الجمهور ينبغي أن يدرك أن مثل هذه الجرائم تترتب عليها عواقب خطيرة، غير أن الفكرة أثارت اعتراضات من مشرعين جمهوريين وديمقراطيين، وشخصيات دينية وحقوقية، اعتبرت أن بث الإعدام قد يحول تنفيذ العقوبة إلى استعراض للعنف.

ودعا السيناتور الديمقراطي جاك ريد، العضو البارز في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، الإدارة الأمريكية إلى إعادة النظر في الخطوة، محذرا من أن بث الإعدام قد يتحول إلى مادة دعائية تستفيد منها الجهات المتطرفة.

كما أبدى نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس تحفظه على الفكرة، وقال إنه لن يشاهد البث إذا جرى تنفيذه، في حين لم يؤكد ترامب، في تصريحات لاحقة، أن قرار بث العملية مباشرة قد حُسم نهائيا، رغم إعلانه الموافقة على تنفيذ الحكم نفسه.

وأثار هذا التباين تساؤلات بشأن الفرق بين القرار القضائي بتنفيذ العقوبة والقرار الإداري المتعلق بإتاحتها للجمهور، فضلا عن مدى توافق البث مع القواعد المنظمة لتنفيذ أحكام الإعدام العسكرية.

وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، فإن اللوائح العسكرية تحدد فئات محدودة يسمح لها بحضور التنفيذ، تشمل ممثلين عن الضحايا وأقاربهم ومحامي المحكوم عليه وعددا محدودا من الصحفيين، كما تمنع حضور من تقل أعمارهم عن 18 عاما. وقد يتطلب توسيع دائرة المشاهدة إلى الجمهور قرارا استثنائيا أو ترتيبات قانونية إضافية.

ويرى معارضو البث أن العلنية لا تعني بالضرورة تحقيق الشفافية، وأن نشر مشاهد تنفيذ الإعدام قد يمس بكرامة الإنسان ويؤدي إلى تطبيع المجتمع مع العنف، بينما يطرح مؤيدو الخطوة حجة إظهار العواقب المترتبة على الجرائم الخطيرة.

بالمقابل، يظل السؤال القانوني مطروحا بشأن الجهة التي تملك صلاحية الاعتراض على البث، وما إذا كان المحكوم عليه وحده يمتلك الصفة القانونية للطعن فيه.

وأشار خبراء في القانون العسكري إلى أن الخيارات القضائية المتاحة لمنع البث قد تكون محدودة، مع بقاء إمكانية اللجوء إلى المحاكم في حال توافرت الشروط القانونية اللازمة.

الأمم المتحدة تنتقد البث

دخلت الأمم المتحدة على خط الجدل، إذ ندد مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بخطة بث تنفيذ الحكم، معتبرا أن تحويل الإعدام إلى مشهد متاح للجمهور قد يرقى إلى إعدام علني، ويثير مخاوف جدية بشأن الحظر المطلق للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

وأعاد الموقف الأممي النقاش إلى تاريخ الإعدامات العلنية في الولايات المتحدة، التي تراجعت تدريجيا خلال القرن العشرين بعدما تحولت بعض عمليات التنفيذ إلى تجمعات جماهيرية ومشاهد استعراضية.

يشار إلى إعدام رايني بيتيا شنقا في ولاية كنتاكي سنة 1936، الذي يعد من آخر الإعدامات العلنية الشهيرة في الولايات المتحدة، بعدما احتشد آلاف الأشخاص لمتابعة تنفيذه.

ومنذ ذلك الحين، اتجهت السلطات الأمريكية إلى حصر تنفيذ أحكام الإعدام داخل المؤسسات العقابية، مع السماح بحضور عدد محدود من الشهود وفق ضوابط محددة.

وتستحضر الانتقادات الحالية هذا التحول التاريخي، محذرة من أن البث المباشر قد يعيد تقديم العقوبة بوصفها حدثا جماهيريا، بدلا من كونها إجراء قضائيا استثنائيا يخضع لضوابط قانونية صارمة.

كما أن الجدل لا يتعلق حصرا بحقوق المحكوم عليه، بل يشمل أيضا أسر الضحايا، والعاملين المكلفين بتنفيذ الحكم، والأطفال والفئات التي قد تتعرض لمحتوى عنيف عبر المنصات الرقمية.

سجل الإعدام في أمريكا

تأتي قضية حسن في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة تنفيذ أحكام الإعدام، رغم تراجع استخدامها على المدى الطويل في عدد من الولايات وتصاعد الاعتراضات على بعض وسائل التنفيذ.

ووفق بيانات مركز معلومات عقوبة الإعدام، نفذت الولايات المتحدة 47 حكما بالإعدام خلال سنة 2025، وهو أعلى عدد سنوي منذ 2009، وجاءت ولاية فلوريدا في المقدمة بتنفيذ 19 حكما، بينما توزعت الحالات الأخرى على عشر ولايات.

أما خلال سنة 2026، فقد سجل المركز تنفيذ 30 حكما بالإعدام في ست ولايات حتى 8 أكتوبر، وهو ما يعكس استمرار الاعتماد على العقوبة في عدد محدود من الولايات، مع تفاوت ملحوظ في وتيرة التنفيذ من ولاية إلى أخرى.

وكان آخر تنفيذ مسجل حتى 10 أكتوبر هو إعدام جامال هاوارد، البالغ 46 عاما، في ولاية تكساس يوم 7 أكتوبر 2026، باستخدام الحقنة القاتلة، بعد إدانته بقتل موظفة متجر خلال عملية سطو سنة 2000.

وجاء إعدام هاوارد بعد أيام من واقعة فشل تنفيذ الحكم بحق كريستا بايك في ولاية تينيسي يوم 30 شتنبر، بعدما تلقت جرعات من مواد الحقن القاتلة دون أن تفارق الحياة، ما استدعى نقلها إلى المستشفى.

وأثارت الواقعة تساؤلات بشأن سلامة بروتوكولات تنفيذ الإعدام، خصوصا بعد تقارير عن معاناة السجينة خلال العملية، فيما أمرت سلطات تينيسي بمراجعة الإجراءات وعلقت عمليات التنفيذ المقررة في الولاية لبقية السنة.

وإذا نُفذ الحكم بحق نضال حسن في الموعد المحدد، فسيشكل ذلك أول إعدام عسكري أمريكي منذ سنة 1961، وأول تنفيذ عسكري رميا بالرصاص منذ 1945، كما سيعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا دموية في تاريخ الجيش الأمريكي الحديث.

لكن الجدل الأكبر قد لا يتعلق بتنفيذ الحكم وحده، بل بما إذا كانت السلطات ستسمح فعليا ببثه مباشرة عبر الإنترنت، وكيف ستتعامل مع الاعتراضات القانونية والحقوقية التي أثارها المقترح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *