سنة بعد حراك زد.. شباب من “جيل زد” يعاتبون الهيئات السياسية ويبرزون انتظاراتهم من الانتخابات

ناقش عدد من شباب حراك “جيل زد” حصيلة الحراك وآفاقه، ووجهوا عتابا لبعض الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية بسبب ما اعتبروه محدودية حضورها في مواكبة الحراك وتأطيره، كما طرحوا تساؤلات بشأن انتظارات الشباب من الانتخابات وقدرتها على إفراز نخب سياسية تمتلك سلطة فعلية في صناعة القرار، في ظل استمرار أزمة الثقة في المؤسسات.
جاء ذلك في ندوة بثتها منصة “هوامش” على صفحتها بموقع “فيسبوك”، بمشاركة كل من الناشط في حراك جيل زد حمزة الفضيل، والناشط الحقوقي وعضو فيدرالية اليسار أيمن سلام، بالإضافة إلى الناشط في الحراك مروان الأحمر، والناشطتين الحقوقيتين سمية الركراكي وحورية بامنصور.
وناقش المتدخلون خلال الندوة حراك جيل زد بعد مرور سنة على انطلاقه، والنتائج التي حققها، ومدى إمكانية إحيائه من جديد أو استمراره من خلال تعبيرات أخرى، وحدود العمل الاحتجاجي، فضلا عن رهانات المشاركة الانتخابية والمقاطعة، وما يمكن أن تحمله الحكومة المقبلة من إجابات عن المطالب الاجتماعية والسياسية التي رفعتها الاحتجاجات.
آفاق ونتائج الحراك
وفي هذا الصدد، اعتبر حمزة الفضيل، مؤسس منصة مثلث والناشط في حراك “جيل زد”، أن تقييم الحراك يقتضي التمييز بين مردوديته الملموسة ومردوديته الرمزية والسياسية، موضحا أنه لم يحقق، بحسب تقديره، أهدافا ملموسة، لكنه نجح في كسر الركود الذي طبع النقاش العمومي في الشارع خلال السنوات الماضية.
وأوضح الفضيل أن الحراك شكل تجربة احتجاجية انطلقت من الفضاء الرقمي وانتقلت إلى الواقع، عكس حركات أخرى بدأت ميدانيا ثم وجدت امتدادا لها على المنصات الرقمية، معتبرا أن من أبرز نتائجه كسر الاعتقاد بإمكانية التحكم في الفضاء الاحتجاجي ومآلاته.
وشدد المتحدث على أن الحركات الاحتجاجية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن انتهاء حراك “جيل زد” لا يعني انتهاء النضال، داعيا إلى استثمار نتائجه والبناء عليها لإنتاج أشكال احتجاجية أكثر تطورا، بدل الاكتفاء بمحاولة إحيائه من جديد. كما ربط الحراك بتراكمات احتجاجية سابقة، من بينها حركة 20 فبراير وحراك الريف.
من جانبه، رأى أيمن سلام، الناشط الحقوقي وعضو حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن حراك “جيل زد” يندرج ضمن مسار احتجاجي متواصل ارتبط بأزمات اجتماعية وسياسات عمومية ممتدة منذ عقود، مستحضرا انتفاضة “كوميرا” في الثمانينيات وحركة 20 فبراير، وصولا إلى الاحتجاجات الأخيرة.
واعتبر سلام أن مطالب الصحة والتعليم ومكافحة الفساد التي رفعها الشباب في حراك جيل زد ذات طبيعة اجتماعية، لكنه شدد على أن الفصل بين الاجتماعي والسياسي يظل صعبا، بالنظر إلى ارتباط الأوضاع الاجتماعية بالاختيارات والسياسات العمومية.
بدورها، أكدت سمية الركراكي، ممثلة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن الحركات الاحتجاجية الأخيرة تأثرت بالفضاء الرقمي، مستحضرة دور المنصات الاجتماعية في التعريف بحركة 20 فبراير وحراك الريف، معتبرة أن حراك “جيل زد” لم يكن استثناء في هذا المسار.
وانتقدت الركراكي المقاربة الأمنية التي واجهت بها السلطات الاحتجاجات، مشيرة إلى الاعتقالات والمحاكمات التي طالت شبابا وقاصرين، وما قالت إنه انتهاكات لحقوق الإنسان وظروف أثرت على المسار الدراسي لبعض المعتقلين. كما شددت على أن تقييم الحراك يستدعي الوقوف عند تبعاته الحقوقية والاجتماعية.
من جهته، اعتبر مروان الأحمر، الناشط في حراك جيل زد والمناضل في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بمدينة القنيطرة، أن الاحتجاجات لم تكن مجرد تعبير عابر عن الغضب، بل جاءت نتيجة تراكم مشاكل مرتبطة بالتعليم والصحة والفساد والبطالة، عكست، بحسبه، أزمة ثقة بين الشباب والمؤسسات.
وأشار الأحمر إلى أن الجامعة المغربية تمثل إحدى واجهات هذه الأزمة، بالنظر إلى الصعوبات التي يواجهها الطلبة خلال مسارهم الدراسي، ثم عند الانتقال إلى سوق الشغل، معتبرا أن هذه الاختلالات تفسر ترابط المطالب التي رفعتها الاحتجاجات.
عتاب للهيئات
ووجه عدد من المتدخلين انتقادات إلى الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية بسبب محدودية انخراطها في حراك “جيل زد”، معتبرين أن حضورها لم يكن في مستوى حجم الاحتجاجات والمطالب التي رفعها الشباب، فيما دعت أصوات أخرى إلى مراعاة القيود والتضييقات التي تواجهها هذه التنظيمات.
وفي هذا السياق، انتقد حمزة الفضيل ما اعتبره غيابا للتأطير السياسي من جانب التنظيمات التي كان يعول عليها، معتبرا أن عددا منها تعامل مع الحراك بمنطق براغماتي، يقوم على تبنيه في حال نجاحه والتبرؤ منه عند تعثره، على خلاف تجربة حركة 20 فبراير التي شهدت حضورا أكبر للتنظيمات المؤطرة للاحتجاج.
واعتبر الفضيل أن هذا السلوك أضر بمشروعية عدد من الهيئات، التي رأى أنها بدأت تفقد جزءا من رصيدها القائم على الصمود والمواجهة، مشددا على أن غياب التكوين والتأطير السياسي لدى عدد من المشاركين في حراك “جيل زد” جعل الحاجة إلى مواكبة التنظيمات أكثر إلحاحا.
من جهتها، عاتبت حورية بامنصور، الناشطة الحقوقية، الهيئات السياسية والنقابية على محدودية حضورها في مواكبة حراك “جيل زد”، معتبرة أن حضورها لم يكن بالشكل اللازم، ومؤكدة أن الشباب الذين خرجوا للاحتجاج أظهروا جرأة ووعيا في مناقشة الأوضاع وانتقاد المؤسسات.
وأكدت بامنصور أن حراك “جيل زد” أظهر وجود جيل يمتلك الجرأة والوعي اللازمين لمناقشة الأوضاع وانتقاد المؤسسات، معتبرة أن ما تحقق على مستوى النقاش العمومي لا ينبغي التقليل من أهميته، حتى وإن لم تفض الاحتجاجات إلى تحقيق جميع المطالب المرفوعة.
في المقابل، دعت سمية الركراكي، ممثلة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى أخذ الظروف التي تشتغل فيها التنظيمات بعين الاعتبار عند تقييم حضورها في الحراك، مشيرة إلى أن عددا من الهيئات الحقوقية والنقابية والطلابية يواجه التضييق والحرمان من القاعات العمومية والدعم، فضلا عن صعوبات مرتبطة بالحصول على وصول الإيداع القانوني.
وأوضحت الركراكي أن الهيئات التي تخرج إلى الشارع لمساندة الحركات الاحتجاجية تظل محدودة، مستحضرة دور الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين وبعض النقابات، ومعتبرة أن انتقاد التنظيمات يظل مشروعا، لكن لا ينبغي إغفال ما تتعرض له من تضييق.
كما أشارت إلى حضور بعض الهيئات في معارك طلابية، من بينها الاحتجاجات المرتبطة بطرد طلبة في القنيطرة، مبرزة أن الحركة الطلابية واجهت بدورها الاعتقالات والتدخلات الأمنية. وفي السياق ذاته، اعتبر مروان الأحمر أن وضع الحركة الطلابية لا يمكن فصله عن ما وصفه بـ”القمع السياسي”.
من جانبه، شدد أيمن سلام على ضرورة الحفاظ على إرث التنظيمات الحزبية والنقابية والحقوقية باعتبارها أدوات للترافع عن مطالب المواطنين، مشيرا إلى أن اللجنة الوطنية لمساندة عائلات معتقلي الحراك ضمت 27 إطارا، لكنه اعتبر أن فاعلية عدد من التنظيمات وحضور ممثليها ظلا محدودين، باستثناء بعض الهيئات التي واصلت الانخراط في المساندة.
ماذا بعد الانتخابات؟
وانتقل النقاش إلى جدوى المشاركة الانتخابية وقدرة المؤسسات المنتخبة على إحداث التغيير، وسط تباين في مواقف المتدخلين بين من يرى في المقاطعة تعبيرا عن فقدان الثقة، ومن يحذر من تداعيات العزوف على العمل السياسي.
وفي هذا السياق، اعتبر حمزة الفضيل أن الانتخابات تقدم للمواطنين باعتبارها مدخلا للتغيير، رغم محدودية صلاحيات الحكومة، معتبرا أن العملية الانتخابية قد توهم بإمكانية إحداث تغيير لا تملك المؤسسات الحكومية وحدها شروط تحقيقه.
ومع ذلك، شدد الفضيل على أن المقاطعة لا ينبغي أن تظل مجرد موقف يسجل كل خمس سنوات، بل يتعين أن تتحول إلى فعل سياسي منظم، داعيا إلى التفكير في أشكال أخرى من النضال، ومؤكدا أن انتهاء الحراك لا يعني التخلي عن الشارع باعتباره مجالا للتعبير والضغط.
في المقابل، حذر أيمن سلام من اعتبار المقاطعة حلا في حد ذاتها، معتبرا أن ضعف المشاركة يعكس أزمة ثقة في المؤسسات، لكنه لا يخدم بالضرورة مصالح المواطنين، بل قد يكرس إضعاف الأحزاب السياسية، التي يرى أنها تظل ضرورية لأي تغيير.
وانتقد سلام ما اعتبره إضعافا للأحزاب عبر تأسيس أحزاب إدارية، معتبرا أن العزوف الانتخابي يطرح سؤال المستفيد منه، ومحذرا من أن استمرار فقدان الثقة قد يعمق المسافة بين المواطنين والهيئات السياسية.
أما حورية بامنصور، الناشطة الحقوقية، فأعلنت تبنيها خيار المقاطعة، معتبرة أن فئة من المواطنين تتخذ هذا الموقف عن وعي، انطلاقا من اعتقادها أن الانتخابات لا تفرز صناع القرار، بل تنتج تعاقبا للحكومات دون تغيير ملموس في السياسات.
وتساءلت بامنصور عن حصيلة الحكومات المتعاقبة في تشجيع المواطنين على المشاركة، معتبرة أن ضعف صلاحيات المؤسسات المنتخبة وغياب آليات فعالة للمساءلة والتتبع يحدان من جدوى التصويت، ومشددة على أن المواطن لا يمتلك، بحسب تقديرها، أدوات كافية لمحاسبة المسؤولين الذين انتخبهم.
وفي المقابل، أكد أيمن سلام أن العزوف الانتخابي لا يمثل، في تقديره، مدخلا للتغيير، محذرا من أن المقاطعة قد تساهم في إضعاف الأحزاب السياسية، ومشددا على أن إصلاح العمل الحزبي يظل ضروريا لتمكين المواطنين من التعبير عن مطالبهم والمشاركة في تدبير الشأن العام.
اترك تعليقاً