وجهة نظر

التحالف الحكومي بين وحدة البرنامج وتكامل المسؤوليات

التحالف الحكومي بين وحدة البرنامج وتكامل المسؤوليات

مع انطلاق المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة، يتجه جزء كبير من النقاش السياسي والإعلامي نحو التحالفات المرتقبة وتوزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب المشاركة. وهو نقاش طبيعي تفرضه طبيعة النظام السياسي المغربي، القائم على التعددية الحزبية، وما تقتضيه من توافقات لتشكيل أغلبية برلمانية قادرة على تحمل المسؤولية الحكومية.

غير أن هذه المرحلة تتيح أيضا فرصة لطرح سؤال لا يقل أهمية عن تركيبة الحكومة، ويتعلق بكيفية اشتغالها بعد تشكيلها. فالحكومة، مهما تعددت مكوناتها السياسية، مطالبة بتنفيذ برنامج مشترك، في وقت تتوزع فيه مسؤولية التنفيذ بين قطاعات وزارية مختلفة، لكل منها اختصاصاتها وإكراهاتها وأولوياتها.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين التوافق السياسي الذي يسمح بتشكيل الأغلبية، والانسجام الحكومي الذي يفترض أن يرافق عملها طيلة الولاية.

فالتحالفات الحكومية لا تعني بالضرورة تطابق المرجعيات السياسية للأحزاب المشاركة فيها، ولا تفترض تخلي كل حزب عن تصوره الخاص للشأن العام. بل إن التعددية، في حد ذاتها، يمكن أن تشكل مصدر غنى في النقاش وإعداد السياسات العمومية، متى توفرت القدرة على تحويل الاختلافات إلى اختيارات مشتركة.

وهنا بالضبط تبرز أهمية البرنامج الحكومي، الذي لا ينبغي اختزاله في وثيقة تقدم أمام البرلمان عند بداية الولاية، وإنما باعتباره مرجعا سياسيا ومؤسساتيا يحدد الأولويات الكبرى، ويوجه العمل الحكومي، ويسمح بتقييم مدى تقدم الالتزامات المعلنة.

وقد وضع الدستور المغربي إطارا واضحا لهذه العلاقة بين وحدة العمل الحكومي وتعدد المسؤوليات داخله. فالفصل 89 ينص على أن الحكومة تعمل، تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي، بينما يجعل الفصل 93 الوزراء مسؤولين عن تنفيذ السياسة الحكومية، كل في القطاع المكلف به، وفي إطار التضامن الحكومي.

وهذان المقتضيان يبرزان مسألة أساسية، وهي أن وحدة السياسة الحكومية لا تعني إلغاء المسؤوليات القطاعية، كما أن استقلالية تدبير كل قطاع لا ينبغي أن تتحول إلى اشتغال منفصل عن باقي القطاعات.

ولعل هذا من أبرز التحديات التي تواجه الحكومات المعاصرة، لأن عددا كبيرا من القضايا التي تشغل المواطنين لم يعد من الممكن معالجتها من داخل وزارة واحدة.

فحين نتحدث مثلا عن التشغيل، فإننا نتحدث بالضرورة عن التعليم والتكوين والاستثمار والنسيج الاقتصادي. وحين نتحدث عن الصحة، فإن الأمر لا يقتصر على بناء المستشفيات وتوفير الأطر الطبية، بل يمتد إلى التكوين والتمويل والحماية الاجتماعية والتوزيع الترابي للخدمات الصحية.

والأمر نفسه ينطبق على الاستثمار، الذي لا يمكن فصله عن العقار والتعمير والبنيات التحتية والعدالة والجبايات والإدارة.

هذه الأمثلة تبين أن فعالية العمل الحكومي لا ترتبط فقط بجودة التدبير داخل كل وزارة، وإنما كذلك بقدرة القطاعات المختلفة على الاشتغال وفق رؤية مشتركة، تتكامل فيها القرارات بدل أن تتجاور.

ومن هذه الزاوية تبرز أهمية مجلس الحكومة، الذي خوله الفصل 92 من الدستور التداول في السياسات العمومية والسياسات القطاعية. فهذه المؤسسة تشكل فضاء للتنسيق بين الاختيارات العامة للحكومة ومتطلبات التدبير داخل كل قطاع، بما يسمح بالحفاظ على الانسجام الضروري لتنفيذ البرنامج المشترك.

لكن هذا الانسجام يحتاج، إلى جانب الإطار المؤسساتي، إلى وضوح في تحديد المسؤوليات والآجال والأهداف المنتظرة.

فلا يكفي أن يتضمن البرنامج الحكومي التزاما بتطوير قطاع معين، دون تحديد مساهمة القطاعات المعنية في تحقيقه، أو وضع مؤشرات تسمح بتتبع التنفيذ وتقييم النتائج. كما أن تعدد المتدخلين في سياسة عمومية واحدة ينبغي ألا يؤدي إلى صعوبة تحديد المسؤوليات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمشاريع تتداخل فيها الاختصاصات.

وفي تقديري، فإن الانتقال من منطق التدبير القطاعي المنفصل إلى منطق التكامل بين السياسات العمومية يشكل أحد المداخل المهمة لتعزيز فعالية العمل الحكومي.

ولا يتعلق الأمر هنا بإعادة النظر في اختصاصات الوزراء أو في طبيعة المسؤولية السياسية للأحزاب المشاركة في الحكومة، وإنما بتطوير آليات التنسيق والتتبع، حتى تصبح الأولويات المشتركة التزامات عملية تتقاسم القطاعات مسؤولية تحقيقها، كل في حدود اختصاصاته.

فالبرنامج الحكومي المشترك لا يلغي التعددية السياسية التي أفرزت التحالف، بل يمنحها إطارا للعمل. كما أن التضامن الحكومي لا يعني غياب المسؤولية الفردية لكل وزير، وإنما يفترض أن تندرج هذه المسؤولية ضمن سياسة عامة منسجمة.

وفي النهاية، فإن تشكيل الحكومة يمثل بداية مرحلة سياسية ومؤسساتية جديدة، بينما يظل تنفيذ البرنامج الحكومي هو المجال الذي تتحول فيه التوافقات إلى سياسات، والالتزامات إلى قرارات، والقرارات إلى نتائج.

وبقدر ما يشكل التوافق السياسي أساسا لتشكيل الأغلبية الحكومية، فإن تكامل السياسات ووضوح المسؤوليات يشكلان شرطين أساسيين لنجاح عملها. فالمواطن، في نهاية المطاف، لا يتعامل مع الحكومة باعتبارها مجموعة من القطاعات الوزارية، وإنما من خلال ما تحققه السياسات العمومية من أثر ملموس في حياته اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *