«إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي»
استعاد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في الخطاب السامي الذي وجّهه إلى أعضاء البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، عبارة تختزل عمق ارتباطه بوطنه، حين قال: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي». وهي عبارة سبق لجلالته أن عبّر بها سنة 2014 عن اعتزازه بانتمائه المغربي، لتتجدد دلالتها اليوم في سياق يتيح التأمل في عمق الصلة بين الإنسان ووطنه، وما تختزنه هذه الصلة من وفاء للتاريخ، وتشبع بقيم الهوية، واعتزاز برصيد حضاري تشكّل عبر قرون من الاستمرارية والتفاعل والتجدد.
ولا تنحصر دلالة هذا التعبير في بعده الوجداني، بل تمتد إلى ما يمثله الانتماء الوطني من ركيزة لوحدة الدولة وتماسك المجتمع واستمرارية مؤسساته. فالاعتزاز بالانتماء إلى المغرب يجسد الوعي بخصوصية التجربة التاريخية للمغرب، وبما راكمته الأمة المغربية من مقومات الاستقرار والتلاحم، كما يبرز مكانة الهوية الوطنية في صون الخصوصية الحضارية وتعزيز الثقة في الذات الجماعية، ولا سيما في عالم تتسارع فيه التحولات وتتزايد فيه رهانات السيادة والتنافس الاقتصادي وإعادة تشكيل موازين القوى.
وانطلاقاً من هذا العمق التاريخي والحضاري، تبرز أهمية استحضار الهوية الوطنية في علاقتها بتحولات الحاضر وتطلعات المستقبل. فالهوية الوطنية المغربية، بما تحمله من تعدد ثقافي وثراء حضاري وذاكرة مشتركة، تمثل رصيداً معنوياً ورمزياً للدولة والمجتمع، كما توفر إطاراً جامعاً لمواصلة البناء الوطني والتفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية. ومن ثم، تتيح قراءة الخطاب الملكي الوقوف عند أوجه الترابط بين ثوابت الأمة ومسار تطورها، وبين استمرارية مؤسساتها وطموحها إلى تعزيز مكانتها، وترسيخ سيادتها، ومواصلة مسيرتها التنموية بثقة وثبات.
سياسياً، يضع الخطاب العلاقة بين الهوية الوطنية ومشروع الدولة في صلب التفكير في مستقبل المغرب. فالهوية، في هذا السياق، ليست مجرد ذاكرة جماعية أو منظومة من الرموز التاريخية، وإنما أحد مرتكزات الاستمرارية السياسية للدولة وتماسك المجتمع. غير أن هذه الاستمرارية لا تُصان بالمرجعيات وحدها، بل تتطلب قدرة متجددة على الاستجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وتجديد آليات الفعل العمومي. ومن هنا، فإن تحويل الاعتزاز بالوطن إلى مسؤولية يقتضي الانتقال من شرعية الرموز والإنجازات المتراكمة إلى تعزيز الثقة من خلال الأداء المؤسساتي والنتائج الملموسة.
ويحمل تأكيد الخطاب على عراقة الملكية والهوية الدينية وتعدد روافد الهوية المغربية دلالة مؤسساتية خاصة؛ إذ يبرز عناصر الاستمرارية التاريخية التي تؤطر البناء السياسي المغربي، في إطار دستوري يجمع بين إمارة المؤمنين والوظائف الدستورية للمؤسسة الملكية. كما أن الاعتراف بتعدد مكونات الهوية، كما أقره دستور 2011، يطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية تحويل هذا التنوع من رصيد رمزي إلى أساس للمواطنة المتكافئة. فتماسك الدولة لا يتعارض مع تعدد التعبيرات الثقافية والحضارية، بل يتعزز بقدر ما يشعر المواطنون بأن اختلافاتهم لا تنتقص من حقوقهم ولا تحد من فرص مشاركتهم في الحياة العامة.
ويتضح البعد السياسي للخطاب بصورة أكبر حين ينتقل من استحضار الثوابت الوطنية إلى تحديد رهانات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها التوفيق بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية. فهذا الربط يعبّر عن إدراك لأهمية البعد التوزيعي للتنمية؛ إذ لا يكفي أن تتوسع الاستثمارات أو تتطور البنيات التحتية ما لم تنعكس آثارها على فرص الشغل، وتحسين الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. ومن ثم، يصبح التحدي مرتبطاً ليس فقط بقدرة الدولة على إطلاق المشاريع، بل كذلك بقدرتها على ضمان عدالة الانتفاع بمردودها.
وفي هذا الإطار، تكتسب الدعوة إلى جعل قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية أهمية تتجاوز التدبير القطاعي للتعليم والتكوين والتشغيل. إنها تمسّ العلاقة بين المواطن والدولة، ومدى قدرة المؤسسات على توفير شروط الارتقاء الاجتماعي وبناء المستقبل. فالثقة في المؤسسات لا تتأسس على الخطاب وحده، بل تتشكل من خلال التجربة اليومية للمواطن مع المدرسة والإدارة وسوق الشغل والخدمات الصحية والاجتماعية. وكلما اتسعت المسافة بين الوعود والنتائج، برزت الحاجة إلى مراجعة أدوات التنفيذ والحكامة، بما يجعل السياسات العمومية أكثر استجابة للحاجات الفعلية للمجتمع.
ولعل من أبرز الأبعاد السياسية في الخطاب تأكيده أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة هو العمل الميداني، وربطه التنمية المندمجة بتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. فالإشارة الصريحة إلى استمرار التأخير والاختلالات في هذا المجال تكشف أن التحدي لا يتعلق بنقص التصورات والاستراتيجيات وحده، بل أيضاً بقدرة المنظومة الإدارية على تحويل القرارات إلى نتائج. وهنا تبرز مسألة توزيع السلطة والمسؤولية بين المركز والجهات: فلا يمكن مطالبة المستوى الترابي بتحقيق التنمية من دون تمكينه من الاختصاصات والموارد البشرية والمالية الضرورية، كما لا يمكن تحقيق النجاعة في غياب وضوح المسؤوليات وآليات التنسيق والتعاقد والتقييم.
ومن منظور علم السياسة، تمثل الجهوية المتقدمة اختباراً لقدرة الدولة على الانتقال من مركزية القرار إلى حكامة ترابية أكثر مرونة وفعالية، من دون المساس بوحدة الدولة وتماسكها. فالقرب الإداري لا يتحقق بمجرد نقل الاختصاصات شكلياً، وإنما بإعادة تنظيم العلاقة بين القرار والموارد والمساءلة. كما أن التنمية المجالية لا تقاس بعدد المشاريع المبرمجة فقط، بل بمدى قدرة المؤسسات المحلية على تحديد الأولويات، والاستجابة لحاجات السكان، وضمان استمرارية الخدمات وجودتها. وبذلك يصبح الإصلاح الإداري مدخلاً لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، لا مجرد إجراء تقني لتحسين التدبير.
وفي السياق ذاته، يكتسب تأكيد الخطاب أن الانتداب البرلماني «التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي» دلالة تتصل بجوهر التمثيل الديمقراطي. فالانتخاب يمنح الشرعية التمثيلية، لكنه يحمّل المنتخبين، في الوقت نفسه، مسؤولية الوفاء لانتظارات المواطنين وممارسة اختصاصاتهم الدستورية في التشريع ومراقبة العمل الحكومي. وتقتضي هذه المسؤولية ألا ينحصر الأداء البرلماني في الحضور المؤسساتي أو التدبير الظرفي، بل أن يتجسد في مبادرات تشريعية ورقابية تستجيب للقضايا العامة، وتخضع نتائجها للتقييم. ومن ثم، فإن المساءلة ليست نقيضاً للثقة، وإنما إحدى آليات بنائها وصيانتها.
ولا ينبغي، في هذا السياق، اعتبار النقد الاجتماعي أو المطالبة بتحسين الأداء المؤسساتي تعبيراً عن ضعف الانتماء الوطني. فالمواطنة الفاعلة تقوم على الجمع بين الالتزام بالشأن العام والحق في مساءلة المؤسسات بشأن أدائها. وكلما اتسعت إمكانات التعبير المسؤول، وتعززت شفافية القرار ووضوح الاختصاصات، أمكن تحويل المطالب الاجتماعية إلى مدخل لتصحيح السياسات وتحسين فعاليتها. وبذلك يغدو الاعتزاز بالوطن متوافقاً مع المطالبة بالإنصاف، لأن الولاء للمصلحة العامة لا يعني الإعفاء من التقييم والمحاسبة.
أما على المستوى الاقتصادي والاستراتيجي، فيربط الخطاب بين التحولات الجيو-اقتصادية والحاجة إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية. ويعكس هذا التوجه اتساع مفهوم السيادة ليشمل، إلى جانب استقلال القرار السياسي، القدرة على التحكم النسبي في مصادر الهشاشة الاقتصادية والتكنولوجية. فالسيادة الفعلية تتطلب اقتصاداً منتجاً، ومعرفة قابلة للتطوير، وقدرات وطنية على الابتكار، وشبكات توريد أكثر تنوعاً ومرونة.
كما أن دعوة القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء بدوره الاستراتيجي تطرح مسألة توزيع أدوار التنمية بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين. فالدولة مطالبة بتهيئة الشروط المؤسساتية والبنيات الأساسية وضمان التوازنات الاجتماعية، بينما يتعين على القطاع الخاص توسيع الاستثمار المنتج، وتعزيز الابتكار والتصدير، والمساهمة في خلق فرص الشغل. غير أن نجاح هذه المعادلة يظل مرتبطاً بمدى توجيه الاستثمار نحو إنتاج القيمة المضافة، وتطوير الكفاءات، وتوسيع فرص الإدماج الاقتصادي، حتى لا تنفصل الدينامية الاقتصادية عن أهداف العدالة الاجتماعية.
وفي السياسة الخارجية، تبرز معالجة العلاقات مع إسبانيا وملف الهجرة تصوراً للشراكة يقوم على التوازن بين التعاون واحترام السيادة الوطنية. فالخطاب لا يكتفي بالتأكيد على أهمية العلاقات الثنائية، بل يثير الحاجة إلى مراجعة نموذج التعاون القائم عندما يعجز عن الاستجابة للتحولات والاختلالات المستجدة. وتحمل الإشارة إلى إعداد رؤية استراتيجية جديدة دلالة على الرغبة في الانتقال من تدبير الأزمات المتكررة إلى بناء إطار أكثر استدامة، يربط التعاون في مجال الهجرة بالتنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وتظل فعالية هذا التوجه رهينة بقدرته على التوفيق بين المصالح الوطنية والالتزامات القانونية، ضمن شراكات واضحة ومتوازنة.
وتكشف القراءة السياسية للخطاب عن ترابط وثيق بين استمرارية الدولة وفعالية مؤسساتها، وبين السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين الاعتزاز بالهوية وتجديد شروط المواطنة. فالتحدي المركزي لا يتمثل في صياغة الطموحات وحدها، بل في بناء الآليات القادرة على تنفيذها، وتحديد المسؤوليات عنها، وقياس أثرها في حياة المواطنين. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تضع المؤسسات التمثيلية والإدارية والاقتصادية أمام اختبار القدرة على تحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم.
ويؤكد استحضار صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لعبارة «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي» عمق الارتباط بالوطن وما يجسده من وفاء لتاريخه واعتزاز بهويته الحضارية ومقومات استمراريته. ويعكس هذا المعنى مكانة الانتماء إلى المغرب باعتباره انتماءً راسخاً ووجداناً وطنياً مشتركاً، يستمد قوته من ذاكرة الأمة وتماسكها، ويتجدد بما تحمله من طموحات وآمال. وهكذا، يظل الاعتزاز بالانتماء إلى المغرب تعبيراً عن الثقة في المغرب، وفي قدرته على مواصلة مسيرته بثبات، وصون خصوصيته الحضارية، وتعزيز مكانته بين الأمم، مستنداً إلى إرثه التاريخي، ومتشبثاً بثوابته، ومتطلعاً بثقة إلى آفاق المستقبل.
اترك تعليقاً