منتدى العمق

رهان تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2026 والخطاب الملكي السامي: بين منطق الأغلبية وتحدي التعاقد السياسي

أيوب جداد

يشكل تشكيل الحكومة عقب الانتخابات التشريعية لحظة مفصلية في مسار البناء الديمقراطي، باعتباره ليس مجرد إجراء دستوري يروم تجميع الأغلبية البرلمانية وتوزيع الحقائب الوزارية، بل اختبارا حقيقيا لقدرة الأحزاب السياسية على تحويل نتائج الاقتراع إلى تعاقد سياسي واضح، يستجيب لانتظارات المواطنين ويترجم الأولويات الوطنية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم والمساءلة.

وفي السياق المغربي، تكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026، وما تفرضه من مفاوضات بين الأحزاب السياسية بشأن تشكيل الأغلبية الحكومية وتحديد طبيعة البرنامج الذي ستلتزم الحكومة بتنفيذه خلال ولايتها. وتزداد أهمية هذا النقاش باستحضار مضامين الخطاب الملكي السامي الموجه إلى أعضاء البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، وما تضمنه من توجهات استراتيجية مرتبطة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والعدالة المجالية، وإصلاح الإدارة، وتعزيز أدوار المؤسسات الدستورية.

وعليه، فإن الإشكال المركزي لا يتعلق فقط بهوية الأحزاب التي ستشارك في الحكومة، وإنما بمدى قدرة هذه الأحزاب على بناء أغلبية منسجمة، تستوعب التوجيهات الاستراتيجية للمرحلة، وتنتقل من منطق التفاوض حول المواقع والمسؤوليات إلى منطق التعاقد حول البرامج والنتائج.

أولا: تشكيل الحكومة بين الشرعية الانتخابية والتعاقد السياسي

يؤطر الفصل 47 من دستور المملكة لسنة 2011 عملية تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ويشكل هذا المقتضى الدستوري مدخلا أساسيا لفهم العلاقة بين نتائج الانتخابات وإمكانية تشكيل أغلبية حكومية قادرة على تحمل المسؤولية السياسية.

غير أن تصدر الانتخابات لا يعني، في حد ذاته، أن الحزب المعني يمتلك أغلبية برلمانية مريحة تتيح له تشكيل الحكومة بصورة تلقائية، الأمر الذي يجعل المفاوضات السياسية ضرورة تفرضها طبيعة النظام الحزبي وتعدد مكوناته. ومن ثم، فإن نجاح هذه المفاوضات يظل رهينا بقدرة الأطراف على تجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة، والاتفاق على أرضية سياسية وبرنامج حكومي واضح.

وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين التوافق الضروري لتشكيل الحكومة والتوافق الذي يفرغ العملية السياسية من مضمونها. فالأول يؤسس لأغلبية قادرة على تنفيذ برنامج مشترك، بينما قد يتحول الثاني إلى مجرد تسوية ظرفية غايتها توزيع الحقائب والمناصب، دون ضمان الانسجام بين المكونات الحكومية أو وضوح المسؤوليات.

كما أن الفصل 88 من الدستور يجعل تنصيب الحكومة مرتبطا بموافقة مجلس النواب على البرنامج الحكومي، بما يؤكد أن تشكيل الحكومة لا ينتهي بمجرد الاتفاق بين الأحزاب، بل يستوجب تقديم برنامج يعرض التوجهات الأساسية للعمل الحكومي ويحظى بالثقة البرلمانية وفق المقتضيات الدستورية.

ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من شرعية الفوز الانتخابي إلى شرعية الإنجاز، ومن التفاوض على المواقع إلى التوافق حول السياسات العمومية، بما يضمن وضوح الالتزامات وإمكانية مساءلة الحكومة عن نتائج عملها.

ثانيا: الخطاب الملكي السامي وتحديد أولويات المرحلة الحكومية والتشريعية

يأتي الخطاب الملكي السامي الموجه إلى أعضاء البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026 في بداية ولاية تشريعية جديدة، وفي سياق يطرح ضرورة مواصلة الإصلاحات وتعزيز مكانة المغرب الاقتصادية، مع تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.

وقد أكد الخطاب الملكي السامي أن الولاية التشريعية والحكومية الجديدة ينبغي أن تشكل منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع تحقيق الانسجام بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.

وتكتسب هذه التوجهات أهمية خاصة في سياق تشكيل الحكومة، لأنها تضع أمام الأحزاب المتفاوضة مسؤولية بناء برنامج حكومي لا يقتصر على الشعارات العامة، بل يحدد الأولويات والوسائل والآجال والمؤشرات التي تسمح بتقييم مدى تنفيذ الالتزامات.

ويمكن تناول أبرز التوجيهات الواردة في الخطاب الملكي السامي من خلال أربعة مستويات مترابطة:

1. على مستوى الحكومة: الانتقال من تدبير الملفات إلى تنفيذ الاستراتيجيات

تتمثل المسؤولية الأساسية للحكومة المقبلة في ترجمة التوجهات الاستراتيجية إلى برامج عملية، تتجاوز التدبير اليومي للقطاعات الوزارية نحو تحقيق نتائج ملموسة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

وقد دعا الخطاب الملكي السامي إلى تسريع المشاريع المبرمجة في مجال البنيات التحتية، وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، ولا سيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي. كما أكد أهمية تطوير القدرات الوطنية في مجال الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية.

وتفرض هذه الأولويات على الأحزاب السياسية، خلال مفاوضات تشكيل الحكومة، أن تجعل من القضايا الاستراتيجية مدخلا أساسيا لبناء البرنامج الحكومي، بدل اختزال المفاوضات في التوازنات الحزبية وتوزيع الحقائب الوزارية.

كما أن دعوة الخطاب الملكي السامي إلى الارتقاء بدور القطاع الخاص الوطني، وتعزيز قدرته على الاستثمار والابتكار وخلق فرص الشغل والتصدير، تقتضي وضع سياسات اقتصادية واضحة تحفز الاستثمار المنتج وتربط التنمية الاقتصادية بخلق فرص العمل وتحسين الأوضاع الاجتماعية.

وبالتالي، فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بتقديم تصور متكامل يحدد كيفية تنزيل هذه التوجهات، والقطاعات المعنية بها، والموارد اللازمة لتنفيذها، مع إرساء آليات للتتبع والتقييم تضمن عدم بقاء الاستراتيجيات حبيسة الوثائق والبرامج المعلنة.

1. على مستوى الشباب: جعل الإدماج الاقتصادي والاجتماعي أولوية للسياسات العمومية

أكد الخطاب الملكي السامي ضرورة وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

وتشكل هذه الدعوة معيارا أساسيا لتقييم البرنامج الحكومي المقبل، بالنظر إلى ارتباطها بقضايا التشغيل، وجودة التعليم والتكوين، وتيسير الولوج إلى الفرص الاقتصادية والاجتماعية.

ومن ثم، فإن التعاقد السياسي بين الأحزاب ينبغي أن يتضمن التزامات قابلة للقياس بشأن تحسين فرص الشغل، وتعزيز التكوين والتأهيل، وتقوية الصلة بين التعليم ومتطلبات سوق العمل، وتوسيع إمكانيات الارتقاء الاجتماعي.

فلا يمكن اختزال السياسة الشبابية في برامج ظرفية أو مبادرات محدودة الأثر، بل ينبغي أن تصبح مكونا أفقيا في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بما يعزز ثقة الشباب في المؤسسات وفي قدرتهم على بناء مستقبلهم داخل وطنهم.

1. على مستوى الإدارة والتنمية الترابية: تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري

من أبرز القضايا التي أكدها الخطاب الملكي السامي الرهان على العمل الميداني على المستوى الترابي، والوقوف على المشكلات الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.

ويرتبط هذا التوجه بضرورة تحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتعزيز التنمية المندمجة، من خلال تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.

كما شدد الخطاب الملكي السامي على ضرورة تجاوز التأخر والاختلالات التي تعرقل التنزيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، مؤكدا أهمية نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات، وتوضيح الاختصاصات، وتقوية الإمكانيات المتاحة لمؤسسات الجهة.

وتطرح هذه التوجيهات على الحكومة المقبلة مسؤولية مراجعة أساليب تدبير الإدارة العمومية، وتعزيز التنسيق بين القطاعات الوزارية والجماعات الترابية، وتبسيط المساطر، وتقريب القرار الإداري من المواطن والمستثمر.

كما تفرض على البرنامج الحكومي تجاوز المقاربة المركزية التي تجعل عددا من القرارات والمشاريع رهينا بمساطر طويلة، نحو نموذج تدبيري يمنح الجهات والأقاليم إمكانيات فعلية للمبادرة والتنفيذ.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، وإرساء آليات للتنسيق والتعاقد، بما يسمح بتحديد الالتزامات والمسؤوليات والموارد والنتائج المنتظرة من المشاريع التنموية.

إن نجاح الحكومة المقبلة لن يقاس فقط بعدد البرامج التي تعلنها، وإنما بقدرتها على ضمان وصول آثار التنمية إلى المجالات الترابية المختلفة، وتقليص الفوارق في الولوج إلى الخدمات العمومية، وتحقيق قدر أكبر من الإنصاف المجالي.

1. على مستوى البرلمان: من التمثيل الانتخابي إلى الالتزام السياسي والأخلاقي

لم يقتصر الخطاب الملكي السامي على تحديد الأولويات التنموية، بل أكد أيضا المسؤولية الملقاة على عاتق أعضاء البرلمان، من خلال اعتبار الانتداب البرلماني التزاما سياسيا وتعاقدا أخلاقيا يربط المنتخبين بالمواطنين.

ويحمل هذا التوجيه دلالة سياسية ومؤسساتية عميقة، إذ يجعل من الثقة الانتخابية مسؤولية مستمرة لا تنتهي بمجرد الوصول إلى المؤسسة التشريعية، بل تستوجب الحضور الفعلي في قضايا المواطنين، والتفاعل مع انشغالاتهم، والعمل على ترجمتها إلى مبادرات تشريعية ورقابية.

وبناء على ذلك، فإن البرلمان المقبل مطالب بتعزيز جودة التشريع، وممارسة الرقابة على العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، بما ينسجم مع الاختصاصات الدستورية المخولة له.

كما أن المسؤولية البرلمانية لا ينبغي أن تختزل في المصادقة على مشاريع القوانين أو الاصطفاف وراء المواقف الحزبية، بل تقتضي نقاشا مؤسساتيا مسؤولا يوازن بين متطلبات الأغلبية وحقوق المعارضة، ويجعل المصلحة العامة أساسا للعمل التشريعي.

ومن هنا، فإن الخطاب الملكي السامي يضع الأحزاب، سواء المشاركة في الحكومة أو الموجودة في المعارضة، أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على تحويل التفويض الانتخابي إلى ممارسة سياسية مسؤولة، ترتبط بالوفاء للالتزامات واحترام انتظارات المواطنين.

ثالثا: مفاوضات تشكيل الحكومة في ضوء توجيهات الخطاب الملكي السامي

إذا كانت المفاوضات الحزبية تشكل مرحلة ضرورية لتشكيل الأغلبية، فإن مضامين الخطاب الملكي السامي تفرض إعادة النظر في طبيعة الأولويات التي ينبغي أن تحكم هذه المفاوضات.

فبدل الانطلاق حصرا من توزيع القطاعات الوزارية وموازين القوة بين الأحزاب، يتعين أن تنطلق المفاوضات من سؤال جوهري: ما البرنامج الذي تستطيع الأغلبية المقترحة الالتزام بتنفيذه خلال الولاية الحكومية؟

إن هذا التحول يقتضي الاتفاق على أولويات واضحة تشمل التشغيل والتعليم والصحة والتنمية الترابية وإصلاح الإدارة وتحفيز الاستثمار والأمن المائي والطاقي والغذائي والاقتصاد الرقمي، إلى جانب آليات عملية لتنسيق العمل الحكومي وتقييم نتائجه.

كما يقتضي بناء علاقة أكثر وضوحا بين البرامج الانتخابية للأحزاب والبرنامج الحكومي المشترك، حتى لا تتحول المشاركة الحكومية إلى مجرد تقاسم للمسؤوليات دون انسجام في الرؤية أو وضوح في الالتزامات.

وفي هذا السياق، يمكن استحضار تجربة الكتلة الديمقراطية باعتبارها إحدى التجارب السياسية المغربية التي عكست في مرحلة معينة إمكان بناء تقارب بين أحزاب ذات مرجعيات مختلفة حول مطالب الإصلاح السياسي والدستوري.

وقد جمعت هذه التجربة، في صيغتها المعروفة، حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، وشكلت محطة مهمة في تاريخ العلاقات بين المعارضة والمؤسسات السياسية بالمغرب.

غير أن استحضار هذه التجربة اليوم لا يعني افتراض إمكانية تكرارها بصورة آلية، أو اعتبارها تحالفا قائما أو وشيك التحقق، وإنما يتيح التفكير في شروط بناء توافقات سياسية تتجاوز المصالح الحزبية المباشرة، وتستند إلى برنامج مشترك وإرادة فعلية للإصلاح.

فالسياق السياسي والمؤسساتي الحالي يختلف عن السياقات التي نشأت فيها التجارب السابقة، كما أن طبيعة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية تفرض صيغ تعاون تستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة.

وعليه، فإن القيمة السياسية لأي تحالف حكومي لا تقاس فقط بعدد الأحزاب المشاركة فيه أو بحجم أغلبيته العددية، بل بمدى انسجام مكوناته، وقدرتها على الالتزام ببرنامج واضح، وتدبير الاختلافات الداخلية دون تعطيل العمل الحكومي.

رابعا: الأغلبية والمعارضة ومسؤولية تجديد الممارسة السياسية

إن تشكيل الحكومة لا يمثل نهاية العملية السياسية التي أفرزتها الانتخابات، بل بداية مرحلة جديدة تتوزع فيها المسؤوليات بين الأغلبية والمعارضة داخل البرلمان.

فالأغلبية مطالبة بتقديم برنامج حكومي متماسك، والدفاع عن اختياراتها، وتحمل المسؤولية عن نتائج السياسات التي تنفذها. أما المعارضة، فينبغي أن تضطلع بدور مؤسساتي فعال يقوم على مراقبة الأداء الحكومي، وتقديم البدائل، ومساءلة الحكومة بشأن مدى وفائها بالتزاماتها.

ومن شأن هذا التوازن أن يعزز الممارسة الديمقراطية، شريطة ألا تتحول الأغلبية إلى مجرد امتداد حزبي للجهاز التنفيذي، وألا تختزل المعارضة دورها في الرفض المبدئي أو الصراع السياسي الدائم.

كما أن تأكيد الخطاب الملكي السامي على المسؤولية السياسية والأخلاقية للانتداب البرلماني يفتح المجال أمام مساءلة أوسع للممارسة الحزبية، سواء تعلق الأمر بمدى احترام البرامج الانتخابية أو بقدرة المنتخبين على التواصل مع المواطنين والتفاعل مع قضاياهم.

إن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في تشكيل حكومة مستقرة، بل في بناء ممارسة سياسية تجعل من البرلمان فضاء حقيقيا للنقاش والتشريع والرقابة، ومن الحكومة مؤسسة مسؤولة عن تنفيذ السياسات العمومية، ومن الأحزاب أداة للتأطير السياسي وتقديم البدائل.

ومن ثم، فإن تجديد الثقة في المؤسسات يمر عبر الانتقال من السياسة القائمة على الوعود العامة إلى سياسة النتائج القابلة للتقييم، ومن الخطاب الانتخابي إلى الممارسة المسؤولة، ومن التنافس الحزبي إلى التنافس حول جودة البرامج ونجاعة السياسات.

وختاما ،فإن تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2026 يطرح سؤالا يتجاوز هوية الأحزاب المشاركة في الأغلبية إلى طبيعة التعاقد السياسي الذي ستؤسسه هذه الحكومة، ومدى قدرتها على الاستجابة للأولويات الوطنية التي أبرزها الخطاب الملكي السامي يوم 9 أكتوبر 2026.

فالتوجيهات المتعلقة بتسريع المشاريع الاستراتيجية، وتعزيز النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، وإعطاء الأولوية لقضايا الشباب، وتحسين الخدمات العمومية، وتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، تضع الحكومة المقبلة أمام مسؤولية ترجمة الاختيارات الكبرى إلى برامج عملية ونتائج ملموسة.

وفي المقابل، فإن تأكيد الخطاب الملكي السامي على كون الانتداب البرلماني التزاما سياسيا وتعاقدا أخلاقيا يضع المؤسسة التشريعية والأحزاب السياسية أمام ضرورة تجديد العلاقة مع المواطنين، من خلال التشريع المسؤول والرقابة الفعالة والوفاء بالالتزامات الانتخابية.

وعليه، فإن نجاح المرحلة المقبلة يقتضي ألا تتحول مفاوضات تشكيل الحكومة إلى عملية حسابية لتوزيع المناصب، بل إلى مناسبة لإعادة بناء الثقة في العمل السياسي، على أساس برنامج حكومي واضح، وأغلبية منسجمة، ومعارضة مسؤولة، وآليات فعالة للمحاسبة والتقييم.

ويبقى السؤال المركزي: هل ستنجح الأحزاب السياسية في تحويل نتائج الانتخابات وتوجيهات الخطاب الملكي السامي إلى تعاقد حكومي وبرلماني قائم على الالتزام والإنجاز، أم ستظل التوازنات الحزبية والحسابات الظرفية أقوى من رهانات الإصلاح والتنمية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *