اقتصاد، سياسة

تمثيلية المغربيات بمراكز القرار ترتفع إلى %29.. وتحدي المناصفة مستمر على رأس الإدارة

تمثيلية المغربيات بمراكز القرار ترتفع إلى %29.. وتحدي المناصفة مستمر على رأس الإدارة

يشهد الاقتصاد المغربي توسعا تدريجيا في حضور النساء داخل مراكز القرار، مع تولي عدد من الكفاءات النسائية مسؤوليات قيادية في مؤسسات مالية وصناعية واستثمارية كبرى، في تحول تدعمه مقتضيات قانونية تروم تعزيز تمثيلية المرأة في هيئات الحكامة، رغم استمرار التفاوت بين الحضور النسائي في مجالس الإدارة والوصول إلى رئاستها.

ومنذ فاتح يناير 2024، أصبح لزاما على الشركات المساهمة التي تدعو الجمهور إلى الاكتتاب تخصيص ما لا يقل عن 30 في المائة من مقاعد هيئات الحكامة للنساء.

ووفق النسخة الأخيرة من مقياس الحكامة المسؤولة بالمغرب، المعد بشراكة بين الاتحاد العام لمقاولات المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل وبورصة الدار البيضاء والجمعية المغربية للشركات التي تدعو الجمهور للاكتتاب، بلغت نسبة تمثيلية النساء 29 في المائة سنة 2025، مسجلة ارتفاعا بثماني نقاط خلال سنتين.

وفي هذا السياق، اعتبرت ليلى الحداوي، التي تولت رئاسة “نادي النساء المتصرفات” في 23 يونيو 2026، أن القانون رقم 19.20 شكل حافزا أساسيا لإطلاق دينامية إيجابية داخل الشركات، وأسهم في تعزيز حضور النساء في هيئات الحكامة.

غير أن مؤشرات التمثيلية تكشف استمرار تحديات كبيرة أمام بلوغ المناصفة، إذ لا تتجاوز نسبة مجالس الإدارة التي تترأسها نساء في المغرب 9 في المائة، وهي النسبة نفسها المسجلة في ألمانيا، مقابل 13 في المائة في فرنسا.

وترى الحداوي، التي تشغل أيضا منصب المديرة العامة المنتدبة لشركة “أو تاور”، صاحبة المشروع المكلف بإنجاز أطول برج في إفريقيا، أن توسيع دائرة التشخيص لتشمل مختلف مكونات النسيج الاقتصادي بات ضرورة لفهم واقع النساء في مواقع المسؤولية.

ويعتزم المكتب المسير الجديد للنادي، الذي يضم 210 عضوات من القياديات المغربيات، إعداد كتاب أبيض يرصد وضعية النساء داخل المنظومة الاقتصادية، ويقترح سبل تعزيز مشاركتهن في مراكز القرار، مع تجاوز حدود الشركات التي تدعو الجمهور للاكتتاب.

وفي تقريرها عن القياديات المغربيات، سلطت مجلة “جون أفريك” الفرنسية الضوء على مسارات ست نساء يتولين مسؤوليات بارزة في مؤسسات اقتصادية ومالية وصناعية، ويتعلق الأمر بنزهة حياة، ونادية فاسي فهري، ولمياء التازي، ونزيهة بلقزيز، ونفيسة قصار، ومريم بنصالح شقرون.

وتبرز نزهة حياة ضمن هذه الأسماء، بعدما تولت منذ ماي 2025 رئاسة صندوق محمد السادس للاستثمار، عقب مسار مهني يمتد لنحو أربعة عقود في القطاع المالي. كما أدرجتها مجلة “فوربس الشرق الأوسط” ضمن قوائم النساء الأكثر تأثيرا في العالم العربي، تقديرا لمسارها في المجال المالي والمؤسساتي.

وسبق لحياة أن أسست نادي النساء المتصرفات بالمغرب سنة 2012، كما تولت رئاسة الهيئة المغربية لسوق الرساميل، حيث أشرفت على إعادة هيكلة المؤسسة حول ثلاثة مجالات أساسية تشمل تدبير الأصول وحماية الادخار، والعمليات المالية والأسواق، والتحقيقات والمراقبة. وشهدت الهيئة خلال فترة رئاستها حصولها على شهادة “إيزو 37001” الخاصة بأنظمة تدبير مكافحة الرشوة.

وتنصب أولويات حياة في منصبها الحالي على تعبئة الرساميل وتطوير أدوات مالية مبتكرة لفائدة الشركات الصغرى والمتوسطة، إلى جانب الإسهام في تمويل المشاريع الكبرى والبنيات التحتية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يخدم الأولويات الاستثمارية للمغرب وامتداداته الإفريقية.

ومن قطاع الاستثمار إلى صناعة الفوسفاط والاتصالات، تبرز نادية فاسي فهري، مستشارة رئيس مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط مصطفى التراب، التي راكمت تجارب في تدبير التحول المؤسساتي وقيادة الشركات.

ومنذ أبريل 2026، تشرف على الإدارة العامة لفرع “روك سوليوشنز” التابع للمجموعة، في إطار مواصلة مهامها المرتبطة بتحويل المنظمات وتطوير أدائها.

وسبق لفاسي فهري أن ساهمت في إطلاق أول منجم للذهب بالمغرب مع شركة “مناجم”، قبل أن تصبح أول امرأة تتولى إدارة شركة اتصالات بالمملكة، من خلال قيادتها لشركة “إنوي”. كما ارتبط اسمها بإطلاق تنظيم يعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل فرع الفوسفاط سنة 2025، بهدف تحسين الإنتاجية وتطوير خدمات الزبناء.

وشملت مسؤولياتها كذلك عضوية مجالس إدارة “سي دي جي إنفست” وبورصة الدار البيضاء وشركة “إكواتوريال كوكا كولا”، إلى جانب تجربتها في قطاع الاتصالات بين 2015 و2020، حين ساهمت الشركة التي أدارتها في ربط نحو 600 ألف أسرة بالإنترنت عبر أجهزة الجيل الرابع خلال ثلاث سنوات. كما راكمت خبرة في تدبير الموارد البشرية خلال عملها بمجموعة “أونا”، التي اندمجت لاحقا في صندوق “المدى”.

وفي قطاع الصناعات الدوائية، تبرز لمياء التازي، الرئيسة المديرة العامة لشركة “سوطيما”، التي وضعت الجودة والسلامة والولوج إلى العلاج في صلب رؤيتها لتطوير الأداء الاقتصادي. وقد التحقت بالشركة التي أسسها والدها عمر التازي سنة 1976، عام 1997، قبل أن تتدرج في عدد من المسؤوليات، وصولا إلى رئاسة الشركة في دجنبر 2019.

وتحت قيادتها، واصلت “سوطيما” توسيع حضورها في الأسواق الخارجية، لتصل منتجاتها إلى 37 دولة. كما حققت الشركة محطة بارزة سنة 2020 باختيارها لتصنيع وتعبئة لقاح “سينوفارم” المضاد لفيروس كورونا بالمغرب.

وتسعى التازي إلى تعزيز البعد الدولي للمجموعة عبر شركة “سوطيما إنترناشيونال”، بهدف بناء مجموعة صيدلانية مغربية ذات امتداد إقليمي، وتوسيع حضورها في الأسواق الإفريقية وأسواق الشرق الأوسط، في سياق الجهود الرامية إلى تقليص تبعية القارة لاستيراد الأدوية.

أما القطاع البنكي، فيشهد بدوره حضورا نسائيا متقدما من خلال نزيهة بلقزيز، التي أصبحت في نونبر 2024 أول امرأة تتولى قيادة البنك المركزي الشعبي، أحد أبرز الفاعلين في القطاع البنكي المغربي، والذي حل في المرتبة الخامسة والعشرين ضمن تصنيف المجلة للمجموعات البنكية الأكثر أداء سنة 2025.

وتستند بلقزيز إلى خبرة مهنية تقارب ثلاثين سنة، شملت العمل بالبنك التجاري المغربي و”التجاري وفا بنك”، قبل الانتقال إلى مجال الاستشارات من خلال التعاون مع البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية. كما خاضت تجربة اجتماعية على رأس “بنك التغذية”، الموجه لدعم الفئات الهشة.

وتتجه أولوياتها الحالية إلى مواصلة استراتيجية البنك في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يمتد نشاطه إلى نحو عشرين دولة، في إطار توجه يروم تعزيز حضوره القاري وتطوير أنشطته خارج السوق المغربية.

وفي مجال الاستثمار الخاص، تتولى نفيسة قصار منذ يناير 2026 الإدارة العامة لصندوق “المدى”، الذي يعد من أكبر المجموعات الاستثمارية الخاصة في المغرب، ويضم محفظة واسعة من الأنشطة الاقتصادية.

وتشمل استثمارات المجموعة قطاعات البنوك والتأمين عبر “التجاري” و”تأمين الوفاء”، والاتصالات من خلال “وانا”، والطاقة عبر “ناريفا”، والتوزيع بواسطة “مرجان هولدينغ” و”أوبتورج”، إضافة إلى المناجم ومواد البناء عبر “مناجم” و”سوناسيد” و”لافارج هولسيم”، والعقار والسياحة من خلال “أميتيس” و”أطلس للضيافة”، فضلا عن شركة “كوبكو” المتخصصة في بطاريات السيارات الكهربائية.

وانطلقت تجربة قصار المهنية من شركة “نستله”، قبل أن تسهم في تأسيس وتدبير “التجاري فينانس كورب”. وتركز في مسؤوليتها الحالية على مواكبة التحولات التكنولوجية ودعم الشركات الناشئة، إلى جانب الاستثمار في مجالات الكهربة والانتقال الطاقي والصناعة الفلاحية، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد المغربي.

وتكتمل هذه الصورة بمسار مريم بنصالح شقرون، نائبة الرئيس والمديرة العامة لشركة المياه المعدنية بأولماس، والمتصرفة بمجموعة “هولماركوم”، التي تنشط في خمسة بلدان إفريقية ضمن قطاعات المالية والصناعة الغذائية واللوجستيك والعقار.

وتدير “أولماس” شبكة تضم 12 مركزا للتوزيع، وتغطي نحو 120 ألف نقطة بيع. وحققت الشركة رقم معاملات بلغ 230 مليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2024، وهو ما ساهم في حضور بنصالح شقرون ضمن قائمة “فوربس” لأقوى مائة سيدة أعمال سنة 2025.

وسبق لبنصالح شقرون أن تولت رئاسة الاتحاد العام لمقاولات المغرب بين 2012 و2018، لتصبح أول امرأة تقود هذه المنظمة المهنية. وشهدت ولايتها اهتماما بقضايا التنافسية والحوار الاقتصادي، كما ارتبطت بإخراج مقتضيات قانونية تتعلق بآجال الأداء واسترجاع الضريبة على القيمة المضافة.

وتواصل بنصالح شقرون حضورها في مجالس إدارة مؤسسات دولية وأكاديمية، من بينها مجموعة “رونو” وجامعة الأخوين ومجلس الاستشارة الدولي لجامعة “آي إي” بمدريد، فضلا عن عضويتها في التحالف العالمي للمستثمرين من أجل التنمية المستدامة التابع للأمم المتحدة.

وتعكس هذه المسارات اتساع حضور النساء المغربيات في قطاعات الاستثمار والتمويل والصناعة والاتصالات والصناعات الدوائية، مدفوعا بتراكم الخبرات المهنية وتطور الإطار القانوني. ومع ذلك، فإن محدودية نسبة النساء اللواتي يترأسن مجالس الإدارة تكشف أن تعزيز التمثيلية يظل خطوة ضمن مسار أوسع، يتطلب توسيع فرص الوصول إلى مواقع القرار وترسيخ حضور النساء في قيادة المؤسسات الاقتصادية الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *