هل يشهد المغرب حكومة سياسية حقيقية؟

عاد الحديث خلال الأيام الماضية عن تشكيل “حكومة سياسية قوية”، ليعود معه الجدل حول هذا المصطلح الذي يحمل دلالات دستورية وقانونية وسياسية، ويرتهن لمجموعة من الممارسات الدستورية بالمغرب، سواء قبل دستور 2011 أو بعده.
وفي ظل المنظومة الدستورية التي تؤطر تشكيل الحكومات المتعاقبة، عادة ما كان يثار الإشكال حول حدود المسؤولية السياسية للأحزاب المتحالفة أمام المواطنين.
وكانت بعض الأحزاب تلجأ للتنصل من مسؤولياتها عن التدبير الحكومي أو عن قطاعات أساسية فيه (خاصة عندما تكون جزءا منه ولا تترأس الحكومة)، وقد شهدنا هذا النموذج بشكل واضح خلال انتخابات 2021 مع الأحرار ثم في اقتراع 23 شتنبر الأخير مع حزبي الاستقلال والأصالة والمعاصرة.
وإذا كانت الدساتير السابقة تجعل مسؤولية الحكومات أمام الملك بالدرجة الأولى، ثم بشكل نسبي أمام البرلمان، فإن دستور 2011 جاء بمقتضيات واضحة تفسح المجال لتشكيل حكومات سياسية حقيقية، سواء على مستوى رئاستها وتشكيلها، أو على مستوى مسؤولياتها السياسية.
المرجعية السياسية لهندسة وتشكيل الحكومة:
في ظل الدساتير السابقة، كان تشكيل الحكومة يخضع لمسطرة مغايرة بشكل جذري، خاصة على مستوى تعيين الوزير الأول، ثم التنصيب البرلماني الذي يبقى شكليا بالأساس.
فالمنظومة الدستورية القديمة (دستور 1996 وما قبله) كانت تمنح الملك سلطة تعيين الوزير الأول دون أي تقييد بنتائج الانتخابات أو بالأحزاب التي تنافست فيها، بل إن هذا التعيين كان يتم في الكثير من الأحيان خارج المنظومة الحزبية.
أما دستور 2011 فقد جاء بتغييرات جذرية، سمحت بالحديث عن “الحكومة السياسية” المنبثقة فعليا عن الانتخابات التشريعية، بحيث أصبح تعيين رئيس الحكومة يتم من الحزب الفائز بالانتخابات (الفصل 47)، وهو ما يشكل تجسيدا للبعد السياسي والديمقراطي لتشكيل الحكومة.
كما أصبحت الحكومة مسؤولة دستوريا وسياسيا وانتخابيا، بدءا من تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان، وصولا إلى ضرورة حيازة ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لأعضائه، وهو ما يفترض وجود أغلبية برلمانية يشكلها تحالف الأحزاب السياسية المشكلة للحكومة.
كما أن دستور 2011 ينص بين أبوابه وفصوله أحكاما تتحدث عن الأغلبية الحكومية وتربطها بالأغلبية البرلمانية، إما صراحة أو ضمنيا، وذلك في الفصول 47 و88 و98… وهو بعد سياسي حقيقي للحكومة في ظل المنظومة الدستورية الحالية.
وبالتالي فإنه جميع الحكومات التي تم تشكيلها في ظل دستور 2011 كانت على أساس حزبي، غير أن الجدل كان يثار دائما خلال وجود وزراء تكنوقراط إما يتم إلحاقهم بالأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي بعد أو أثناء تشكيل الحكومة، أو يبقى هؤلاء الوزراء خارج المنظومة الحزبية طيلة الولاية التشريعية (بخلاف وزراء السيادة اللذين يبقى وضعهم خاصا واستثنائيا ومرتبطا ببعض الاختصاصات الحصرية لجلالة الملك)، مما يطرح مسألة المسؤولية السياسية للأحزاب بوجود قطاعات لا تسيرها، وبرنامج حكومي لا تتحكم في تنفيذه بشكل كلي.
برنامج سياسي نابع من مرجعيات الأحزاب السياسية:
هل يمكن الحديث عن حكومة سياسية تضم مرجعيات إيديولوجية متناقضة؟
إن الحديث عن حكومة سياسية يفترض بالضرورة انسجاما سياسيا وإيديولوجيا بين مكوناتها الأساسية، وهو ما جرى به العرف الديمقراطي في مختلف المنظومات الغربية، بحيث لا يمكن تخيل تحالف حكومي بين أحزاب مختلفة في مرجعياتها الإيديولوجية.
في حين أن التجربة المغربية، وحتى في ظل دستور 2011، أبانت عن تناقضات عديدة في تشكيل الحكومات المتعاقبة، بحيث تواجد الاشتراكي مع المحافظ واليميني مع اليساري والإسلامي مع الشيوعي في حكومة واحدة، وجميع الأحزاب تقريبا تحالفت مع بعضها البعض رغم التناقض الظاهر في إيديولوجياتها.
وفي أفق تشكيل الحكومة المقبلة، يمكن فهم منطق أي تحالف الأصالة والمعاصرة مع احزاب اليسار والاحزاب الليبرالية وحتى أحزاب الوسط، لكن هل يمكن الحديث عن “حكومة سياسية” تضم اليسار واليمين والحزب المحافظ وأحزاب الوسط في تشكيلة واحدة؟ وكيف سيتم الاتفاق على محاور أساسية تتناقض مرجعياتها في برامج الأحزاب؟
فإذا كانت شكليات تأليف الحكومة تعتبر واضحة ضمن المنظومة الدستورية بالمغرب، فإن الشرط الأساسي لاعتبار حكومة ما “سياسية” يقوم بالضرورة على تقديمها لبرنامج حكومي سياسي وليس تقني، أي أن هذا البرنامج يُفترض أن ينبثق من برامج الأحزاب المكونة للحكومة، ويسطر التوجهات السياسية والفكرية والإيديولوجية للحزب أو الأحزاب المشكلة لها.
بمعنى أن المرجعيات الحزبية هي التي يجب أن تؤطر هندسة وتشكيل وبرنامج الحكومة خلال تسطيرها للسياسات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية التي تُضمنها البرنامج الحكومي المعروض أمام مجلس النواب لضمان التنصيب البرلماني.
وهذا ما يفترض مبدئيا أن التحالف الحكومي يجب أن يتأسس على مرجعيات سياسية منسجمة، وهو ما عشنا نقيضه في مختلف الحكومات السابقة، وهذا ما يعني أن المشهد الحزبي المغربي لا زال هجينا وهشا، ولم يصل بعد إلى النضج الكافي الذي يسمح ببناء تحالفات سياسية حقيقية، إذ إننا نجد أنفسنا أمام تحالفات انتخابية محضة.
بل إننا نجد أن محاور البرامج الحكومية كانت تعاكس تماما توجهات بعض الأحزاب التي تترأس هاته الحكومات أو تشارك فيها.
ويمكن فهم تنازل بعض الاحزاب عن جزء من تعهداتها للوصول لأرضية توافقية مع الأحزاب الحليفة، لكننا لاحظنا في غالب الأحيان تجاهل الأحزاب لجل أو معظم التعهدات المقدمة للمواطنين من أجل برنامج حكومي تقني يتشابه في عمومه مع البرامج السابقة له.
وقد أبانت التجارب السابقة عن غياب تام للمرجعيات والإيديولوجيات عند تشكيل التحالفات وصياغة البرامج الحكومية، مما أدى لخلط كبير في ذهن المواطن، خلافا لما نجده في الديمقراطيات الغربية التي تحافظ على مستوى عالٍ من التمايز الإيديولوجي.
المسؤولية السياسية للأحزاب المشكلة للحكومة:
يعتبر مبدأ “مسؤولية” الأحزاب المشكلة للحكومة السياسية أحد أهم أركانها، بحيث يتعين أن تنزيل التعهدات التي تم تسطيرها في البرامج الانتخابية حتى يتم الوصول إلى هذا المستوى. ولا يمكن ضمان تنزيل التعهدات السياسية والانتخابية إلا بوجود قيادات سياسية في صلب هاته الحكومة.
وبالتالي فإن الحديث عن “حكومة سياسية” يبدأ وجوبا من تعيين حكومة تنبع من صناديق الاقتراع، وهذا لا يعني اشتراط أن يكون الوزراء منتخبين في مجلس النواب كما هو الحال في بعض الديمقراطيات الغربية (بل إن الدستور المغربي يمنع الجمع بين عضوية البرلمان والحكومة)، بل إن الأمر يتطلب تعيين وزراء سياسيين وقيادات الأحزاب السياسية، وتفادي الوزراء التكنوقراط اللذين يتم إلحاقهم بالأحزاب بعد تعيينهم في المناصب الوزارية.
فقيادات الأحزاب تستوعب إكراهات العمل السياسي بمستوياته المختلفة، سواء في العلاقة مع المواطن أو على مستوى تملُّك توجهات الحزب المرجعية أو الإيديولوجية. وبالتالي فإن استوزار قيادات الأحزاب يعطي صبغة سياسية حقيقية للحكومة، على اعتبار أنها تستوعب مضمون المسؤولية السياسية للأحزاب التي تنتمي إليها.
وعلى هذا الأساس يتعين التخلي تدريجيا عن النظام الهجين أو المختلط، والذي كان يمزج بين الحكومات السياسية والتكنوقراطية في الحكومات السابقة، بحيث كانت قرابة خمس أو ثلث بعض الحكومات تضم شخصيات تكنوقراطية لم تنتمي سلفا لهاته الاحزاب ولم تخض الحملات الانتخابية في مواجهة المواطنين، وتختفي عن الأنظار بمجرد انتهاء مهامها الوزارية دون تقديم حساب سياسي لتدبيرها للشأن العام.
في حين أن اختيار قيادات الاحزاب السياسية للمناصب الوزارية يعطي بعدا سياسيا فعليا للحكومة، والذي معه تتجسد القدرة على تنزيل البرامج السياسية، وتكون ضمانا للمحاسبة السياسية والدستورية أمام البرلمان بصفته ممثلا للأمة (الفصل الثاني من الدستور) أو المسؤولية الانتخابية الحقيقية أمام المواطنين.
اترك تعليقاً