وجهة نظر

هل تسقط أحزاب الكتلة الحكومة المقبلة؟

هل تسقط أحزاب الكتلة الحكومة المقبلة؟

يبدو أن السيدة رئيسة الحكومة ومنسقة حزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، قد اختارت الطريق الأقل خطورة بانفتاحها على التحالف مع أحزاب الكتلة الوطنية، الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية، وتخليها عن حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الحركة الشعبية.

ويضع هذا التوجه تشكيل الحكومة المرتقبة أمام معادلة سياسية دقيقة، تتجاوز مجرد استبدال حلفاء بآخرين، لتطرح مسألة طبيعة الأغلبية المقبلة، وموازين القوى داخلها، وحدود قدرة الحزب المتصدر على الاحتفاظ بقيادة القرار الحكومي.

فالتخلي عن التجمع الوطني للأحرار يمكن قراءته في سياق الكلفة السياسية التي ارتبطت بتجربته الحكومية، في ظل الانتقادات التي طالت تدبير عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية، وما أثاره ذلك من نقاش حول الحصيلة الحكومية وصورة الأحزاب المشاركة فيها.

أما الابتعاد عن الحركة الشعبية، فقد يكون مرتبطا بشخصية زعيمه محمد أوزين الذي يصارع على أحثر من جبهة.

غير أن الانفتاح على أحزاب الكتلة الوطنية يحمل رهانات مختلفة، بالنظر إلى طبيعة هذه الأحزاب وتاريخها السياسي، وإلى ما راكمته من تجربة في المعارضة والمشاركة الحكومية والتفاوض حول موازين السلطة.

فالاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية لا تدخل هذه المعادلة من فراغ، وإنما تحمل مرجعيات وتجارب تنظيمية وسياسية متباينة، وهو ما قد يجعل التفاهم معها فرصة لتوسيع قاعدة الأغلبية، ومصدرا في الوقت نفسه لتعقيدات مرتبطة بتحديد من يقود ومن يشارك ومن يملك الكلمة الأخيرة.

وتكتسب هذه المخاطرة أبعادا أعمق حين نستحضر تاريخ هذه الأحزاب. فالاستقلال ارتبط بالحركة الوطنية وبمعركة الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي خاض عقودا من المعارضة قبل مشاركته في حكومة التناوب سنة 1998، فيما راكم التقدم والاشتراكية تجربة سياسية قائمة على التحالفات والعمل المؤسساتي.

وقد منحت هذه المسارات الأحزاب الثلاثة خبرة في التفاوض والتكيف مع التحولات السياسية، كما رسخت لديها تقاليد تنظيمية ومصالح حزبية لا يمكن تجاهلها عند تشكيل أي أغلبية.

إننا أمام مكونات تمتلك تصوراتها الخاصة لموقعها داخل الدولة والمشهد الحزبي، وتعرف أن المشاركة الحكومية ليست غاية منفصلة عن الحفاظ على حضورها السياسي وتوسيع مجال تأثيرها.

ومن ثم، فإن دخولها إلى تحالف يقوده الأصالة والمعاصرة قد يفتح الباب أمام تفاهمات واسعة، لكنه يفرض على الحزب المتصدر التعامل مع شركاء لا تنحصر طموحاتهم في الحصول على تمثيلية حكومية، وإنما تمتد إلى التأثير في اتجاه الحكومة وتحديد أولوياتها.

وتكمن المفارقة في أن الأصالة والمعاصرة، وهو يسعى إلى الابتعاد عن الكلفة السياسية التي قد يجرها عليه استمرار التحالف مع التجمع الوطني للأحرار، قد يجد نفسه أمام مخاطرة مختلفة، تتمثل في احتمال تحول أحزاب الكتلة الوطنية إلى مركز ثقل قادر على إعادة ترتيب موازين القوى داخل الأغلبية.

فامتلاك هذه الأحزاب مجتمعة عددا حاسما من المقاعد البرلمانية، قد يجعل قدرتها التفاوضية تتجاوز حدود المطالبة بالحقائب الوزارية إلى التأثير في القرارات الكبرى، وربما إعادة النظر في التفاهمات المؤسسة للتحالف كلما تغيرت المصالح أو احتدمت الخلافات.

وهنا تحديدا تكمن حساسية الرهان، إذ قد يجد الأصالة والمعاصرة نفسه أمام أغلبية ساهم في بنائها، ثم يكتشف أن الشركاء الذين منحوه إمكانية قيادة الحكومة يمتلكون، مجتمعين، أدوات الضغط الكافية لتقييد قراره أو فرض إعادة توزيع النفوذ داخلها.

فالتاريخ السياسي لا يمنح ضمانات دائمة للتحالفات، والاتفاق على تشكيل الحكومة لا يعني بالضرورة الاتفاق على من يقودها فعليا.

وقد يكون التحدي الأكبر أمام المنصوري هو بناء أغلبية لا تكتفي بمنح حزبها موقع الصدارة، وإنما تقبل أيضا باستمرار قيادته عندما تبدأ المصالح في التصادم وتصبح القرارات الحكومية أكثر كلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *