العنف الرسمي ضد الأطفال

هناك فجوة عميقة بين الطموح المعبر عنه في الخطاب حول حماية حقوق الطفل وبين واقع الحال، حيث تمارس مؤسسات رسمية عنفا ممنهجا ضد الأطفال، أبرزه ذاك الممارس في فصول الدراسة.
منذ المصادقة على الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مع بداية العشرية الأولى من هذا القرن، أي قبل ربع قرن من اليوم، انفجر خطاب التجريب في المنظومة التربوية والتعليمية بالمغرب وتابعنا جميعا تلك الجعجعة حول بيداغوجيات التدريس المختلفة والمتنوعة، وكان في مقدمتها التدريس بالكفايات والبيداغوجيا الفارقية وما شابه، والتقييم على أساس المهارات المكتسبة والكفايات المحققة حسب كل مستوى دراسي.
غير أنه لا شيئ من خطاب ذاك الزمن تم تنفيذه، واستمر نظام التقييم ذاته، باعتماد الرسوب أو النجاح والانتقال من مستوى دراسي لآخر بناء على معيار التنقيط، والفروض والامتحانات الموحدة، واستمر نظام الخريطة المدرسية ونظام التفريغ ساري المفعول إلى اليوم.
لم يسلم الأطفال منذ اللحظة الأولى لالتحاقهم بالفصول الدراسية من نظام التقييم هذا، حيث يوضع الطفل أمام امتحان/ فرض بعد استكمال الدروس المقررة في الوحدة، يتم تقييم مستواه على أساس النقط المحصل عليها في هذا الفرض. وهنا يبدأ العنف الرسمي ضد الطفل الذي لم يتوفق في الإجابة الصحيحة عن الأسئلة/ الوضعيات المشكلة المطروحة أمامه. وبناء على النتيجة/النقطة المحصل عليها يشرع التكوين النفسي لشخصية الطفل المتمدرس في التشكل بأحد اتجاهين، إما بنفسية المجتهد المتفوق أو بنفسية “الكسول المتخلف”، وتلكم هي بذرة العنف الرمزي والنفسي. في هذه المرحلة من شخصية الطفل، يصبح لأحكام القيمة في التقييم تأثير كبير على نفسية الطفل، ولا معنى لأن تواجه طفلا في متمدرس بمختلف مستويات السلك الابتدائي بأنه حصل على دون المعدل في مادة دراسية معينة ومكوناتها، اللغات: القراءة والكتابة وفهم المقروء، والرياضيات: الجمع والطرح …، على سبيل المثال لا الحصر، سوى الشروع في تدميره نفسيا ومعنويا.
مع الكشف عن النقطة/المعدل المحصل عليه تبدأ معاناة الطفل، بداية مع أقرانه، قد تتطور لممارسة التنمر بمختلف أنواعه، الذي قد ينتقل إلى الأسرة والمحيط، فيكبر الطفل وتكبر معه هذه الغصة، هذا الإحساس بالنقص، بالتخلف، بالدونية، باللامساواة مع الأقران. وطبعا تنتج عن ذلك ردود أفعال دفاعية تختلف باختلاف مصدر وحِدة وشكل التنمر الممارس. ويعتبر الهدر المدرسي أحد المسالك المتوقعة، الذي يفضي هو الآخر، في أحسن الأحوال، إلى إلقاء الطفل المعني إلى عالم الشغل، وهناك أنواع شتى من العنف المادي والنفسي.
هذا العنف لا يمارس على الطفل (الكسول) الذي يرسب في ختام الموسم الدراسي (لا ينتقل)، بل في حق الطفل (المجتهد) أيضا الذي يتم نقله للمستوى الموالي (ينتقل) لضرورة الخريطة المدرسية واستجابة لنظام التفريغ المعمول به. في هذه الحالة يتم الكذب على الطفل بشكل رسمي، بأنه يستجيب لشروط الانتقال من مستوى دراسي إلى آخر، ما قد يمنحه الإحساس بأن بذل المجهود والاجتهاد لتحصيل (نقط مرتفعة) في الامتحانات/الفروض غير ذي أهمية، ما دام النجاح لا يتطلب ذلك. بل لا دخل لاكتساب المهارات المطلوبة والتمكن من الكفايات المقررة في قرار النجاح والرسوب. وقد زاد الطين بلة وعمق الفوارق ورسخ هذا التمييز مشروع ما يعرف بـ “مدارس الريادة”.
إما أن تكف وزارة التربية الوطنية عن ممارسة هذا العنف، أو تكف عن “تحريض” الأطفال ضد آبائهم وأمهاتهم، بدعوى المطالبة بحقوقهم المكفولة لدى أسرهم بواسطة مضامين مقرر “التربية على المواطنة”.
النوع الثاني من العنف الرسمي ضد الطفل هو ذاك الذي تمارسه الحكومة عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المتعلق بصرف التعويضات العائلية، الذي يظهر بداية في شروط الاستفادة المحدِّدة للفئات المستفيدة في الأجراء المزاولين لنشاط مهني، الخاضعين لنظام الحماية الاجتماعية والمقيمون بالمغرب؛ وأصحاب المعاشات الذين لديهم أطفال ولدوا على أبعد تقدير في اليوم الثلاثمائة الموالي للتاريخ الفعلي للمعاش. وتبعا لذلك فإن أطفال المواطنين/ات غير المنتمين لهذه الفئات لا يستحقون هذه التعويضات. وهذا التمييز الأول بين المواطنين من جهة وبين الأطفال من جهة ثانية، ولعله عنف رمزي لا غبار عليه.
والسؤال هنا هو: لماذا يتم شرط صرف التعويض العائلي بتوفر الأجر/المعاش ووجود مشغل؟ . ننتظر جواب الحكومة على هذا السؤال.
وأما العنف الثاني فهو ذلك الممارس بين أطفال الأسرة الواحدة من حيث قيمة/مبلغ التعويض، حيث يصرف الصندوق للمؤمن له، شهريا، تعويضات عائلية عن كل طفل متكفل به في حدود 6 أطفال: 300 درهم للطفل في حدود الأطفال الثلاثة الأوائل، و100 درهم للأطفال الثلاثة الموالين. لماذا هذا التمييز بين الأطفال الثلاثة الأوائل وبين الأطفال الثلاثة الموالين؟ وكأن هذا التمييز يقول بأن المجتمع لا يحتاج من كل أسرة إلا لثلاثة أطفال فقط، ولا حاجة له بالزائد. وكأن للثلاثة الأوائل احتياجات تفوق احتياجات الثلاثة الموالين. ترى لو يعلم طفل رابع، بالصدفة أو بالخطأ بأن الدولة تصرف له 100 درهم تعويضا شهريا فقط، فيما تصرف لإخوته قبله 300 درهم تعويضا شهريا للواحد، ماذا يكون رد فعله الدفاعي عن هذه الوضعية التمييزية في حقه؟. لعل أبرز رد فعل هو طرح السؤال: لماذا؟ لماذا تصرف لي 100 درهم وإخوتي 300 درهم. ننتظر جواب الحكومة على هذا السؤال.
وكل خطاب حول حقوق الطفل وأنتم على بينة..
اترك تعليقاً