وجهة نظر

من الكتلة الديمقراطية إلى التحالفات السياسية الراهنة: تغير المشروع السياسي بتغير السياق التاريخي

من الكتلة الديمقراطية إلى التحالفات السياسية الراهنة: تغير المشروع السياسي بتغير السياق التاريخي

إن المنهج التاريخي يقتضي عدم التعامل مع الأحداث باعتبارها وقائع معزولة عن ظروفها، كما يقتضي عدم إسقاط دلالات مرحلة تاريخية على مرحلة أخرى دون فحص التحولات التي تفصل بينهما.

فإذا كانت الكتلة الديمقراطية قد تشكلت سنة 1992 في سياق المطالبة بالإصلاح السياسي والدستوري، فإن أي تقارب بين بعض مكوناتها في مرحلة لاحقة ينبغي تفسيره انطلاقاً من ظروفه الجديدة، وطبيعة الأهداف المعلنة، ومدى وجود برنامج سياسي مشترك.

فالتشابه في أسماء الفاعلين لا يعني بالضرورة وحدة المشروع، كما أن استمرار الأحزاب لا يعني استمرار التحالف التاريخي بالمعنى نفسه، فقد شكلت الكتلة الديمقراطية إحدى المحطات البارزة في تاريخ الحياة السياسية المغربية المعاصرة، بالنظر إلى دورها في توحيد مواقف أحزاب المعارضة والدفاع عن الإصلاح السياسي والدستوري، وترسيخ الممارسة الديمقراطية. وقد جاء تأسيسها في سياق اتسم بتزايد المطالب الرامية إلى توسيع الحريات العامة، وتعزيز دولة المؤسسات والقانون، وإقرار إصلاحات تستجيب لتطلعات المجتمع المغربي.

تأسست الكتلة الديمقراطية رسمياً في 17 ماي 1992، وضمت خمسة أحزاب هي: حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي. وقد سعت هذه الأحزاب، من خلال هذا الإطار المشترك، إلى تنسيق مواقفها وتوحيد جهودها بشأن القضايا السياسية والدستورية الكبرى، انطلاقاً من قناعة مفادها أن تحقيق الإصلاح يتطلب تجاوز المبادرات الحزبية المنفردة واعتماد العمل الجماعي.

وتركزت مطالب الكتلة على إجراء إصلاح دستوري يعزز التوازن بين المؤسسات، ويقوي دور البرلمان والحكومة، ويوضح الاختصاصات والمسؤوليات، إلى جانب ضمان استقلال القضاء واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة. كما دعت إلى إصلاح المنظومة الانتخابية وضمان نزاهة الاستحقاقات، فضلاً عن الاهتمام بالقضايا الاجتماعية من خلال تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين خدمات التعليم والصحة، وتوسيع فرص التشغيل، مع مواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب.

وقد اضطلعت الكتلة الديمقراطية بدور مهم في تأطير مطالب المعارضة خلال تسعينيات القرن العشرين، من خلال تقديم مذكرات ومقترحات للإصلاح الدستوري، والمساهمة في تعزيز الحوار السياسي حول مستقبل المؤسسات المغربية. كما أسهمت، إلى جانب عوامل سياسية ومؤسساتية أخرى، في تهيئة المناخ الذي أفضى إلى تجربة التناوب التوافقي سنة 1998، حين تولى عبد الرحمان اليوسفي رئاسة الحكومة، في خطوة شكلت منعطفاً مهماً في مسار المشاركة السياسية بالمغرب.

يمكن القول إن أحزاب الكتلة الديمقراطية ما تزال تحمل جزءاً من ذاكرتها التاريخية ومرجعياتها السياسية، لكن ذلك لا يكفي للقول إنها ما تزال تجسد المشروع نفسه الذي قامت عليه الكتلة سنة 1992.

إن الكتلة الديمقراطية بوصفها تجربة تاريخية شيء، والأحزاب التي أسستها بوصفها تنظيمات سياسية مستمرة شيء آخر، والتحالفات التي قد تجمع بعضها اليوم من حزب البام شيء ثالث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *