المغرب في زمن اللايقين: هل تستطيع الحكومة المقبلة تحويل الأزمات إلى فرصة لبناء الثقة؟

ان إدارة الاقتصاد في عالم اليوم مجرد عملية لتدبير الموارد وتوزيع النفقات، حيث أصبحت اختبارا لقدرة الدول على استشراف المستقبل والتحولات والتوقعات، واحتواء الصدمات، وحماية التوازنات الاجتماعية والسياسية في بيئة دولية تتسم بتزايد المخاطر وصعوبة التنبؤ بمساراتها. فارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، والتوترات الجيوسياسية، واضطراب سلاسل الإمداد، وتقلبات الأسواق المالية، كلها عوامل تجعل القرارات الاقتصادية أكثر تعقيدا، وتضع الحكومات أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن الحفاظ على الاستقرار المالي دون التضحية بالاستقرار الاجتماعي؟
ومع الانتخابات الأخيرة يدخل المغرب مرحلة سياسية جديدة، تتزامن مع تحديات اقتصادية واجتماعية لا يمكن التعامل معها بمنطق التدبير اليومي أو الاكتفاء بتدبير اثار الأزمات بعد وقوعها. فقد أسفرت الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026 عن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية. كما أن الاتفاق على تشكيل أغلبية حكومية لا يمثل سوى بداية الاختبار الفعلي والحقيقي لبلورة البرامج على مستوى الماكرو والرهان الحقيقي يكمن في تحويل التوافق السياسي إلى برنامج اقتصادي واجتماعي قابل للتنفيذ والمساءلة.
أولا: اقتصاد لا تحكمه الأرقام وحدها
إن أحد الأخطاء التي تقع فيها بعض القراءات الاقتصادية هو اختزال الوضع الاقتصادي في مؤشرات النمو والتضخم وعجز الميزانية والمديونية، دون التمييز بين تحسن المؤشرات الكلية وانعكاساتها الفعلية على الحياة اليومية للأسر. فقد يسجل الاقتصاد معدل نمو إيجابيا، وتتوسع الاستثمارات العمومية، وتتقدم المشاريع الكبرى، ومع ذلك يظل المواطن يشعر بضغط تكاليف المعيشة، أو يجد صعوبة في الولوج إلى فرص العمل والخدمات الأساسية.
وهنا تظهر ضرورة التمييز بين النمو الاقتصادي باعتباره نتيجة محاسباتية، والتنمية باعتبارها تحولت ملموسا في شروط العيش وتوزيع الفرص. فنجاح السياسات العمومية لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات التي جرى إطلاقها، وإنما أيضا بقدرتها على خلق قيمة مضافة محلية، وإحداث فرص شغل مستدامة، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين دخل الأسر وجودة الخدمات العمومية.
وتؤكد توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في مارس 2026 أن الاقتصاد المغربي يستفيد من انتعاش النشاط الفلاحي والاستثمار في البنيات التحتية، مع توقع نمو الناتج الداخلي الإجمالي بنسبة 4.4 في المائة خلال سنة 2026. غير أن المؤسسة نفسها تنبه إلى مخاطر خارجية مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وتقلب أسعار السلع، وإلى تحديات داخلية، في مقدمتها استمرار البطالة واحتمال ألا تتحول الاستثمارات بالقدر المتوقع إلى نمو وفرص عمل.
إن هذه المعطيات تدفع إلى طرح سؤال جوهري: هل يكفي أن يحقق الاقتصاد نموا مقبولا، أم أن المطلوب هو إعادة بناء العلاقة بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية؟ إن الإجابة تقتضي تجاوز منطق الاحتفاء بالأرقام في حد ذاتها، نحو تقييم أثرها على التشغيل والأجور والخدمات العمومية والقدرة الشرائية.
ثانيا: من تدبير الأزمة إلى استباق المخاطر
إن التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة المقبلة لا يتمثل في معرفة أن الأزمات قد تقع، انما في الاستعداد لها قبل أن تتحول إلى اختلالات يصعب احتواؤها. فالتخطيط الاقتصادي التقليدي، الذي يبني القرارات على فرضيات مستقرة نسبيا، لم يعد كافيا في عالم تتغير فيه أسعار الطاقة والمواد الغذائية وأسعار التمويل بوتيرة قد تربك التوقعات المالية للدولة ومن ثم يصبح من الضروري اعتماد مقاربة تقوم على بناء سيناريوهات متعددة للمستقبل: سيناريو نمو مستقر، واخر يتسم بارتفاع أسعار الواردات، وثالث يفترض تراجع الطلب الخارجي أو ضعف الموسم الفلاحي. ولا يتعلق الأمر بالتنبؤ الدقيق بما سيحدث، لأن ذلك يظل متعذرا في كثير من الأحيان، وإنما بتحديد ما يمكن أن يحدث، وتقدير كلفته، وإعداد بدائل عملية للتعامل معه.
ويقتضي هذا التوجه إرساء اليات مؤسساتية للتوقع الاقتصادي، تربط بين المعطيات المالية والتجارية والاجتماعية، وتتيح تحديث الفرضيات كلما تغيرت الظروف الدولية. كما يقتضي تقوية التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية والسياسات القطاعية، حتى لا تعمل كل مؤسسة وفق تقدير منفصل عن بقية مكونات الاقتصاد.وفي هذا الإطار لا ينبغي النظر إلى تدبير الأزمات باعتباره استثناء مؤقتا من قواعد التدبير العمومي، انما باعتباره وظيفة دائمة من وظائف الدولة الحديثة. فالدولة القادرة على مواجهة الصدمات ليست بالضرورة الدولة التي تتوفر على أكبر الموارد، وإنما الدولة التي تحسن ترتيب أولوياتها، وتملك معلومات موثوقة، وتتحرك في الوقت المناسب، وتحافظ على هامش يسمح لها بالتدخل عندما تتغير الظروف.
ثالثا: الإرث المالي وحدود الوعود السياسية
تواجه أي حكومة جديدة سؤالا صعبا يتعلق بالإرث المالي الذي تتسلمه، وبالالتزامات التي يتعين عليها مواصلة الوفاء بها، وبالموارد المتاحة لتمويل أولوياتها. فالموازنة العامة ليست مجرد وثيقة لتسجيل المداخيل والنفقات، وإنما تعبير عن اختيارات سياسية واجتماعية تحدد المستفيدين من الإنفاق العمومي، وتوزع أعباء التمويل بين الحاضر والمستقبل.
ولا يمكن معالجة هذا الإشكال من خلال الدعوة المجردة إلى التقشف، كما لا يمكن تجاوزه عبر توسيع الإنفاق دون تقدير دقيق لمصادر تمويله واستدامته. فالتحدي يكمن في التمييز بين النفقات الضرورية التي تحمي التماسك الاجتماعي وتدعم الاستثمار المنتج، والنفقات التي لا تحقق أثرا متناسبا مع كلفتها.
ومن هذا المنطلق يتعين على الحكومة المقبلة أن تجعل من مراجعة فعالية الإنفاق العمومي أولوية فعلية، من خلال تقييم البرامج والسياسات، وربط الاعتمادات المالية بنتائج قابلة للقياس، وتعزيز الشفافية في الصفقات والاستثمارات العمومية، والحد من الهدر وضعف التنسيق وتكرار البرامج.
كما أن المشاريع الكبرى المرتبطة بالبنيات التحتية والاستعدادات للاستحقاقات الدولية المقبلة تمثل فرصة اقتصادية مهمة، لكنها تفرض في المقابل ضرورة التدقيق في كلفتها، وتقدير مردوديتها، وضمان امتداد اثارها إلى الاقتصاد المحلي. فليس كافيا أن تنجز البنيات التحتية في اجالها؛ بل ينبغي أن تسهم في تحسين النقل والإنتاجية والخدمات، وأن تخلق فرصا اقتصادية مستدامة بعد انتهاء مرحلة الإنجاز.
إن المسؤولية المالية لا تعني تجميد الاستثمار انما تعني اختيار الاستثمار الذي يحقق أكبر منفعة اقتصادية واجتماعية ممكنة، مع الحفاظ على قدرة الدولة على تمويل التزاماتها المستقبلية.
رابعا: التحدي الاجتماعي بوصفه معيارا للنجاح الاقتصادي
لا يمكن فصل الاستقرار الاقتصادي عن الاستقرار الاجتماعي فحين ترتفع تكاليف المعيشة، أو تتقلص فرص الشغل، أو يشعر المواطن بأن تحسن المؤشرات الاقتصادية لا ينعكس على حياته، فإن المسألة تتجاوز الحسابات الاقتصادية لتصبح قضية ثقة في المؤسسات وفي جدوى السياسات العمومية.
إن حماية القدرة الشرائية لا ينبغي أن تقتصر على تدخلات ظرفية ولا لحظية حيث يجب أن تندرج ضمن سياسة متكاملة تشمل المنافسة، ومراقبة الممارسات غير المشروعة في الأسواق، وتحسين سلاسل التوزيع، ودعم الإنتاج المحلي، وتطوير اليات الاستهداف الاجتماعي للفئات الأكثر هشاشة.
كما أن التشغيل يظل الحلقة المركزية التي تربط النمو الاقتصادي بالاستقرار الاجتماعي. فخلق فرص العمل المستدامة يتطلب اقتصادا منتجا قادرا على استيعاب الشباب، ومقاولات تتوفر على شروط المنافسة والتمويل، وتكوينا يستجيب لحاجات سوق الشغل، وإدارة عمومية تيسر الاستثمار بدل أن تتحول الإجراءات المعقدة إلى مصدر إضافي للتكلفة وعدم اليقين.
ولا يقل عن ذلك أهمية الاستثمار في الصحة والتعليم، باعتبارهما مكونين أساسيين للرأسمال البشري، لا مجرد نفقات اجتماعية قابلة للتقليص كلما اشتدت الضغوط المالية. فضعف جودة الخدمات العمومية يفرض كلفة اقتصادية غير مباشرة على الأسر والمقاولات، ويؤثر في الإنتاجية وتكافؤ الفرص والحركية الاجتماعية.
وإذا كانت الموارد العمومية محدودة، فإن محدوديتها تجعل حسن توزيعها أكثر أهمية، ولا تبرر تأجيل الإصلاحات التي يحتاج إليها المواطن. فالعدالة الاجتماعية لا تتحقق بمجرد الإعلان عن البرامج، انما بمدى وصولها إلى المستحقين، وجودة تنفيذها، واستمرار أثرها.
خامسا: السياسة الاقتصادية واختبار الشرعية الديمقراطية
إن تشكيل الحكومة ليس مجرد عملية لتوزيع الحقائب الوزارية أو بناء أغلبية برلمانية، وإنما لحظة تتحدد فيها الأولويات التي ستوجه الموارد العمومية، وتتبلور من خلالها العلاقة بين الوعود الانتخابية والقرارات الحكومية وفي هذا المعنى، لا تنفصل السياسة الاقتصادية عن السياسة بمعناها الأوسع؛ فاختيار رفع الاستثمار أو إعادة ترتيب النفقات، وتحديد أولويات الدعم، وتوزيع الأعباء الضريبية، كلها قرارات تتضمن مفاضلات بين مصالح مختلفة، وتترتب عنها اثار غير متساوية على فئات المجتمع.
وإن قوة الحكومة لا تقاس فقط بمدى تماسك أغلبيتها، وإنما كذلك بقدرتها على تفسير قراراتها، وإقناع المواطنين بضرورتها، وتقديم نتائج ملموسة بشأنها. فالقرارات الصعبة قد تكون ضرورية في بعض الظروف، لكن مشروعيتها تزداد حين تستند إلى معلومات واضحة، وتخضع للنقاش والمساءلة، وتوزع الأعباء بطريقة عادلة.
كما أن المعارضة البرلمانية لا ينبغي أن تختزل وظيفتها في رفض المبادرات الحكومية، بل يتعين أن تقدم بدائل قابلة للتقييم، وأن تسهم في مراقبة تنفيذ السياسات العمومية. فالتنافس الديمقراطي الجاد لا يقوم على المزايدة في الوعود، وإنما على التنافس في جودة الحلول وواقعية التمويل ووضوح النتائج.
وتبرز هنا أهمية ربط البرنامج الحكومي بمؤشرات دورية تسمح بتقييم التقدم في التشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات والاستثمار، مع إتاحة المعطيات للرأي العام. فالمواطن لا يحتاج إلى خطاب سياسي يفسر له صعوبة الظروف فحسب، بل يحتاج أيضا إلى معرفة ما الذي ستفعله الحكومة، وفي أي أجل، وبأي موارد، وكيف يمكن محاسبتها على النتائج.
إن الثقة السياسية لا تبنى بالوعود وحدها، بالتناسب بين ما يقال وما ينجز، وبين حجم التضحيات المطلوبة والنتائج التي يشعر بها المجتمع.
سادسا: أي نموذج للحكامة في زمن اللايقين؟
إن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من تدبير يقوم على رد الفعل إلى حكامة تقوم على الاستباق والتقييم والتعلم من الأخطاء. ويتطلب ذلك تطوير قدرات الإدارة العمومية على إنتاج المعطيات وتحليلها، وتنسيق تدخلات القطاعات الحكومية، وتحديد المسؤوليات، وتقييم الأثر الفعلي للقرارات.
كما يقتضي الأمر وضع اليات واضحة لتحديد الأولويات عند وقوع الأزمات، حتى لا تتحول الاستجابة المستعجلة إلى سلسلة من التدخلات المتفرقة التي تستهلك الموارد دون أن تعالج أسباب الاختلال. ويمكن، في هذا السياق، تطوير أنظمة للإنذار المبكر بشأن أسعار المواد الأساسية، ومخاطر الجفاف، وحاجات التمويل، ومؤشرات التشغيل، مع تحديد إجراءات استجابة تتناسب مع طبيعة كل خطر.
لكن الحكامة الاستباقية لا تكتمل بالتكنولوجيا أو المؤشرات وحدها؛ فهي تحتاج أيضا إلى مؤسسات قادرة على التنسيق، وإدارة تتوفر على الكفاءات اللازمة، ومجال للمبادرة والمسؤولية، وثقافة سياسية تقبل مراجعة القرارات عندما تكشف المعطيات عن محدودية نتائجها.
ولا يعني ذلك التخلي عن التخطيط طويل المدى والبعيد والاستشراف المستقبل والجمع بينه وبين المرونة في التنفيذ. فالأهداف الاستراتيجية تضمن الاستمرارية، بينما تسمح اليات التقييم والتعديل بالتكيف مع المتغيرات. ومن دون هذا التوازن، قد تتحول الخطط إلى وثائق جامدة، أو تصبح القرارات اليومية مجرد استجابات ظرفية تفتقر إلى الاتجاه الواضح.
خاتمة: الرهان ليس تدبير الحاضر فقط، بل حماية المستقبل
إن المغرب وهو يدخل مرحلة حكومية جديدة، لا يحتاج فقط إلى برنامج يحدد ما ستقوم به الحكومة خلال ولايتها، انما إلى تصور واضح لكيفية إدارة المخاطر التي قد تعترض هذا البرنامج، وكيفية حماية التوازنات المالية والاجتماعية في آن واحد.
فالاقتصاد لا يتقدم بالاستثمار وحده، ولا تستقر المجتمعات بمجرد المحافظة على المؤشرات المالية، كما لا تكتسب المؤسسات الثقة من خلال الخطاب السياسي بمعزل عن النتائج. إن التحدي الحقيقي يكمن في بناء معادلة متوازنة تجعل الاستثمار منتجا، والإنفاق العمومي فعالا، والسياسات الاجتماعية مستدامة، والمساءلة الديمقراطية أداة لتحسين الأداء.
إن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بالإجابة العملية عن ثلاثة أسئلة مترابطة: كيف يمكن حماية الاقتصاد المغربي من الصدمات الخارجية؟ وكيف يمكن تحويل النمو والاستثمارات إلى فرص شغل وتحسن ملموس في ظروف العيش؟ وكيف يمكن ضمان أن تتم هذه التحولات في إطار من العدالة والشفافية والثقة السياسية؟
إن النجاح في مواجهة زمن اللايقين لا يتطلب ادعاء القدرة على التنبؤ بكل ما سيحدث، حيث امتلاك القدرة على الاستعداد لما قد يحدث، وتصحيح المسار عندما تقتضي الضرورة، وتوزيع تكاليف الأزمات بصورة عادلة.
فالدولة القوية اقتصاديا ليست تلك التي لا تتعرض للأزمات، وإنما تلك التي لا تسمح للأزمات بأن تتحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية مفتوحة. والحكومة الناجحة ليست التي تعد المواطنين بمستقبل خال من الصعوبات، بل التي تمتلك الشجاعة والكفاءة والوضوح لتدبير الصعوبات دون أن تجعل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح.
اترك تعليقاً