تشكيلة الحكومة المقبلة وملابسات انتخاب رئيس مجلس النواب

يشكل انتخاب أحمد التويزي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، رئيساً لمجلس النواب يوم 13 أكتوبر 2026، محطة سياسية مهمة في إعادة ترتيب موازين القوى داخل المشهد السياسي الذي أفرزته انتخابات 23 شتنبر والإعلان عن تشكيل أغلبية حكومية تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.وقد حصل أحمد التويزي على 220 صوتاً، مقابل 59 صوتاً لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي عن حزب العدالة والتنمية، فيما بلغ عدد الأوراق الملغاة 90 ورقة. ليتم التساؤل عن دلالات هذا الانتخاب وملابساته في سياق سياسي تصدر فيه حزب الاصالة والمعاصرة المشهد الانتخابي وعينت فيه منسقته العامة كأول رئيسة للحكومة في تاريخ المملكة
الدلالات السياسية لانتخاب أحمد التوزي رئيسا لمجلس النواب
يمكن قراءة انتخاب أحمد التويزي رئيسا لمجلس النواب من خلال ست دلالات سياسية مترابطة:
1. تعزيز موقع حزب الأصالة والمعاصرة داخل مؤسسات الدولة
يمثل انتخاب أحمد التويزي انتقال حزب الأصالة والمعاصرة من موقع الحزب الذي تصدر الانتخابات التشريعية إلى موقع يتولى فيه أيضاً رئاسة المؤسسة التشريعية، بالتوازي مع قيادته للأغلبية الحكومية الجديدة.فسياسياً، يمنح ذلك الحزب حضوراً مؤسساتياً بارزاً على مستويين: المشاركة في قيادة الحكومة، والإشراف على تدبير أشغال مجلس النواب. إذ لا تقتصرأهمية منصب رئيس مجلس النواب على رئاسة الجلسات أو تنظيم أشغال المؤسسة التشريعية، بل تتجاوز ذلك إلى أبعاد دستورية وسياسية وحزبية ورمزية، تجعله من أبرز مواقع التمثيل والتأثير داخل النظام السياسي المغربي.وفي سياق انتخابات 23 شتنبر 2026، وانتخاب أحمد التويزي عن حزب الأصالة والمعاصرة رئيساً للمجلس، تزداد أهمية هذا المنصب لأنه يأتي في مرحلة إعادة ترتيب مواقع الأحزاب داخل الأغلبية والمعارضة.
فمن ناحية الأهمية الدستورية والمؤسساتيةن يحتل رئيس مجلس النواب موقعاً محورياً في تنظيم عمل إحدى غرفتي البرلمان، وفق الدستور والنظام الداخلي للمجلس. وتتجلى أهميته في رئاسة الجلسات وتنظيم المناقشات والتصويت على مشاريع ومقترحات القوانين، والإشراف على سير الأشغال بما يتيح للأغلبية والمعارضة ممارسة أدوارهما داخل المؤسسة. أما من ناحية الأهمية السياسية والحزبية ، فيتولى رئيس المجلس تمثيل المؤسسة التشريعية، ويصبح واجهة مؤسساتية بارزة أمام الحكومة والأحزاب والفاعلين الوطنيين والدوليين. ولذلك فإن المنصب يمنح صاحبه حضوراً يتجاوز موقعه داخل حزبه.
وبالتالي ،فعندما يحصل حزب على رئاسة الحكومة أو يشارك فيها، ثم يتولى أحد أعضائه رئاسة مجلس النواب، فإنه يعزز حضوره داخل المؤسسات. كما تظهر أهمية الرئيس في قدرته على توفير شروط النقاش والتعبير عن المواقف المختلفة، وتدبير الجلسات وفق القواعد البرلمانية. وهنا تتحدد قيمة المنصب ليس فقط بمدى مساندته للأغلبية، بل أيضاً بمدى ضمانه لحقوق المعارضة. لكن كل هذا لا يعني أن حزب الاصالة والمعاصرة أصبح يحتكر القرار السياسي، لأن رئاسة المجلس تظل مقيدة بالدستور والنظام الداخلي وبالتعددية البرلمانية. وتكتسب هذه المسألة أهميتها من كون الحزب انتقل، منذ تأسيسه سنة 2008، عبر مراحل من المعارضة والمشاركة الحكومية، وصولاً إلى قيادة الأغلبية في المرحلة الحالية.
2. اختبار تماسك الأغلبية الحكومية الجديدة
إن انتخاب رئيس مجلس النواب ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل يمثل اختباراً عملياً لقدرة الأحزاب الأربعة المكونة للأغلبية على تنسيق مواقفها والالتزام بتفاهماتها. فالأغلبية التي اتفقت على تشكيل الحكومة مطالبة أيضاً بتدبير المؤسسات البرلمانية، والتنسيق بشأن مشاريع القوانين، ومراقبة العمل الحكومي، والتصويت على القضايا ذات الأولوية.ومن هنا، فإن حصول مرشح الأغلبية على 220 صوتاً يكشف عن قاعدة دعم برلمانية مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات الانسجام الكامل بين مكوناتها؛ إذ ينبغي التمييز بين التوافق على توزيع المسؤوليات والتوافق حول السياسات العمومية.
3. انتقال مركز الثقل السياسي من التجمع الوطني للأحرار إلى الأصالة والمعاصرة
فمن أبرز دلالات هذا الانتخاب أنه يعكس التحول الذي عرفته خريطة القيادة البرلمانية مقارنة بالولاية السابقة، حين كان رشيد الطالبي العلمي، المنتمي إلى التجمع الوطني للأحرار، يتولى رئاسة مجلس النواب. أما في الولاية الجديدة، فقد انتقلت الرئاسة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر انتخابات 23 شتنبر 2026 بحصوله على 97 مقعداً، بينما انتقل التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة. وهكذا يمكن قراءة هذا التحول باعتباره إعادة ترتيب لمواقع الأحزاب داخل المؤسسات، وليس مجرد تغيير في الشخص الذي يرأس المجلس. حيث تبرز هنا ثلاثة مستويات:
– على المستوى الحزبي: تثبيت موقع الأصالة والمعاصرة باعتباره القوة السياسية الأولى في المرحلة الجديدة.
-على المستوى الحكومي: منح الحزب موقعاً مؤسساتياً يواكب قيادته للأغلبية التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري.
-على مستوى المعارضة: انتقال التجمع الوطني للأحرار من المشاركة في قيادة المؤسسات إلى موقع يتطلب منه إعادة تحديد دوره الرقابي والسياسي.
4. مراكمة الخبرة البرلمانية والتنظيم الحزبي
ترأس أحمد التويزي الفريق النيابي للأصالة والمعاصرة خلال الولاية التشريعية 2021-2026، كما سبق له أن ترأس مجلس جهة مراكش بين 2011 و2016. ويمنحه هذا المسار تجربة في العمل الانتخابي والتمثيل المحلي وتدبير الفريق البرلماني. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم اختياره بوصفه توجهاً نحو الاستفادة من شخصية راكمت تجربة داخل المؤسسة التشريعية، بدلاً من الاكتفاء باختيار شخصية ذات حضور حزبي أو حكومي.كما أن الاختيار يحمل دلالة تنظيمية داخل الأصالة والمعاصرة: فالحزب لا يحتاج فقط إلى تدبير موقعه داخل الحكومة، بل يحتاج أيضاً إلى تأمين حضوره داخل مجلس النواب، وضبط العلاقة بين فريقه النيابي وبقية الفرقاء.ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الخبرة السابقة والنتائج المستقبلية؛ إذ ستتحدد فعالية رئاسته بمدى احترام استقلالية العمل البرلماني، وتيسير النقاش بين الأغلبية والمعارضة، وتحسين جودة التشريع والرقابة.
ملابسات انتخاب أحمد التويزي رئيسا لمجلس النواب
إن مواجهة التويزي بإدريس الأزمي، القيادي في حزب العدالة والتنمية، تمنح الانتخاب بعداً سياسياً إضافياً. فالحزب الذي سجل عودة انتخابية ملحوظة بعد تراجع 2021 اختار المعارضة، وأصبح مرشحه منافساً لمرشح الأغلبية على رئاسة الغرفة الأولى. ومن ثم، يمكن قراءة النتيجة في ضوء التباين بين موقعين:
– أغلبية تسعى إلى تحويل تفوقها الانتخابي إلى حضور مؤسساتي وقدرة على تنفيذ برنامجها.
– معارضة تسعى إلى توظيف موقعها البرلماني لاستعادة المبادرة السياسية ومراقبة الحكومة.
وبالتالي ،فحصول الأزمي على 59 صوتاً لا يعني أن حزب العدالة والتنمية فقد قدرته على التأثير في النقاش البرلماني؛ فالتأثير لا يقاس فقط بالتصويت على الرئيس، بل أيضاً بالمبادرة التشريعية، والأسئلة الرقابية، وتشكيل التحالفات حول القضايا المطروحة.
كما أن امتناع حزب التجمع الوطني للأحرار عن تقديم مرشح لرئاسة مجلس النواب، بعد أن كان الحزب يقود الحكومة السابقة ويتولى أحد قيادييه، رشيد الطالبي العلمي، رئاسة المجلس، يعكس تحولاً سياسياً يستحق القراءة في ضوء موقع الحزب الجديد داخل المشهد السياسي المغربي. إذ تشير التغطيات المنشورة يوم 13 أكتوبر 2026 إلى أن الفريق النيابي ناقش خيار تقديم مرشح قبل أن يستقر على الامتناع عن التصويت. وبالتالي يمكن تفسير هذا الموقف من خلال خمس دلالات أساسية:
1. الانتقال من موقع القيادة إلى موقع إعادة التموقع حيث كان حزب التجمع الوطني للأحرار يجمع بين قيادة الحكومة ورئاسة مجلس النواب خلال الولاية السابقة. أما اليوم، فقد أصبح خارج الأغلبية الحكومية الجديدة، وانتقلت رئاسة المجلس إلى الأصالة والمعاصرة.هذا التحول في التموقع يطرح سؤالاً حول كيفية تكيف الحزب مع فقدانه موقعين مؤسساتيين بارزين. وعدم تقديم مرشح قد يعكس اختياراً لتجنب الدخول في منافسة لا يملك فيها ضمانات النجاح، أو رغبة في إعادة ترتيب أولوياته قبل خوض معارك برلمانية أخرى.
2. عدم منح حزب الأصالة والمعاصرة تزكية سياسية مجانية حيث كان بإمكان التجمع الوطني للأحرار تقديم مرشح خاص به، بما يسمح له بإظهار استقلاليته ومنافسته للأصالة والمعاصرة على رئاسة المجلس. لكنه اختار عدم القيام بذلك. حيث يمكن قراءة هذا الامتناع باعتباره رفضاً لمنح مرشح الحزب الذي يقود الأغلبية الجديدة دعماً سياسياً مباشراً، خصوصاً في ظل انتقال الأحرار إلى المعارضة.لكن لا ينبغي اعتبار هذا الموقف دليلاً قاطعاً على وجود صراع شخصي أو قطيعة نهائية بين الحزبين؛ فالمعطيات المتاحة تثبت قرار الامتناع، ولا تثبت وحدها الدوافع الكاملة وراءه.
3. وجود تباين داخل الحزب بشأن كيفية ممارسة المعارضة حيث تفيد بعض التغطيات الصحفية بأن النقاش داخل الفريق النيابي للحزب انقسم بين اتجاه يدعو إلى تقديم مرشح عن التجمع الوطني للأحرار، واتجاه يفضل الامتناع عن التصويت، قبل الاستقرار على الخيار الثاني. وهذا المعطى مهم؛ لأنه يشير إلى أن كيفية تموقع الحزب في المعارضة لم تكن مسألة إجرائية محضة، بل موضوع نقاش داخلي. مما قد يعكس اختلافاً في تقدير جدوى المنافسة على المناصب البرلمانية حول هل ينبغي خوضها لإبراز وزن الحزب، أم تجنبها عندما تكون فرص التوافق حول مرشحه محدودة؟ مما يكشف عن وجود خيارات متباينة داخل الفريق.
4. الامتناع ليس هو التصويت لصالح المعارضة ، حيث من المهم التمييز بين الامتناع عن دعم أحمد التويزي، مرشح الأغلبية، وبين دعم إدريس الأزمي، مرشح العدالة والتنمية.فالتجمع الوطني للأحرار لم يختر، وفق ما نشرته وسائل الإعلام، الانضمام إلى دعم مرشح العدالة والتنمية، بل فضّل عدم دعم أي من المرشحين. وهذا يعني أن الحزب حاول الاحتفاظ بمسافة سياسية عن طرفي المنافسة، وهو ما يمكن تفسيره بوصفه سعياً إلى تثبيت استقلالية موقفه في المعارضة، دون الدخول في تحالف برلماني مع العدالة والتنمية.
بالإضافة إلى كل ذلك ، يمكن قراءة هذا الامتناع باعتباره رسالة سياسية إلى الأغلبية التي استبعدت التجمع الوطني للأحرار من تشكيلتها الحكومية، مفادها أن الحزب لن يمنح دعمه بصورة تلقائية لترتيباتها المؤسساتية. كما قد يكون القرار مرتبطاً كذلك بحسابات المنافسة البرلمانية أو بتقدير فرص المرشح الذي كان يمكن أن يقدمه الحزب. لكن الأهم في هذا الموقف ليس فقط أن حزب التجمع الوطني للأحرار لم يقدم مرشحاً لرئاسة مجلس النواب، بل أن ذلك حدث بعد انتقاله من قيادة الحكومة والمشاركة في رئاسة المجلس إلى المعارضة.ومن ثم، فإن هذا الموقف يفتح ثلاثة أسئلة مترابطة: هل يريد الحزب ممارسة معارضة مستقلة عن بقية الفرق؟ أم يعكس الامتناع تحفظاً على طريقة توزيع المسؤوليات داخل الأغلبية الجديدة؟ أم أنه مجرد اختيار تكتيكي لتجنب معركة انتخابية لا يرى جدوى من خوضها؟
وبالتالي ، فستتضح الخلفيات الفعلية لهذا القرار من خلال سلوك الحزب لاحقاً : هل سيصوت ضد مشاريع الأغلبية، أم سيتعاون معها في بعض الملفات، أم سينسق مع بقية أحزاب المعارضة؟ فـالامتناع عن التصويت قد يكون موقفاً سياسياً قائماً بذاته، لكنه لا يكفي وحده لتحديد طبيعة المعارضة التي سيختارها التجمع الوطني للأحرار خلال الولاية التشريعية الجديدة.
لكن إلى جانب ذلك ، فهناك نقطة ملفتة في انتخاب رئيس مجلس النواب تتمثل في الأصوات الملغاة. حيث تستحق هذه النقطة اهتماماً خاصاً؛ لأن عدد الأوراق الملغاة بلغ 90 ورقة، وهو رقم يثير التساؤل حول مواقف بعض مكونات المجلس من مرشح الأغلبية. وقد أشارت تغطيات صحفية إلى احتمال ارتباط هذه الأوراق بمواقف نواب من التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية وتحالف اليسار، لكن ذلك يظل تفسيراً صحفياً لا نتيجة مؤكدة بشأن اختيارات كل نائب. ويمكن تفسير ذلك بثلاثة احتمالات ممكنة:
الاحتمال الاول. التصويت الاحتجاجي: حيث قد تعبر الأوراق الملغاة عن عدم الرغبة في دعم مرشح الأغلبية، من دون التصويت لصالح مرشح العدالة والتنمية.
الاحتمال الثاني. التحفظ على الترتيبات السياسية: حيث قد تعكس عدم الرضا عن كيفية توزيع المسؤوليات داخل الأغلبية أو عن مسار المفاوضات السياسية.
الاحتمال الثالث.استقلالية بعض النواب في التصويت: والتي قد تكون نتيجة مواقف فردية أو حسابات حزبية لا تعكس بالضرورة موقفاً موحداً.
والأهم أن انتخاب التويزي بأغلبية واضحة لا يلغي وجود مسافة بين التوافق على المرشح والتوافق السياسي الكامل حول مستقبل الولاية التشريعية.
وعموما ، فيمكن اعتبار انتخاب أحمد التويزي حلقة في إعادة بناء المشهد السياسي المغربي بعد انتخابات شتنبر 2026. فقد اجتمع تصدر الأصالة والمعاصرة للانتخابات مع قيادته للأغلبية الحكومية وتوليه رئاسة مجلس النواب. وهذا يمنح الحزب حضوراً مؤسساتياً متقدماً، لكنه يضعه أيضاً أمام مسؤولية أكبر في تدبير العلاقة بين الحكومة والبرلمان والمعارضة. لكن تبقى هناك ثلاثة أسئلة مركزية تستحق المتابعة:
– هل ستترجم رئاسة التويزي إلى تقوية الدور التشريعي والرقابي لمجلس النواب، أم سيطغى منطق الانضباط للأغلبية؟
– هل تكشف الأوراق الملغاة عن تحفظات داخلية قد تؤثر في تماسك الأغلبية، أم أنها مجرد مواقف تصويتية ظرفية؟
– هل يستطيع حزب العدالة والتنمية، بقيادة معارضته، تحويل عودته الانتخابية إلى تأثير فعلي في العمل البرلماني؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستساعد على تحديد ما إذا كان انتخاب أحمد التويزي مجرد تداول على منصب برلماني، أم جزءاً من تحول أوسع في توزيع الأدوار بين الأحزاب المغربية خلال المرحلة السياسية الجديدة.
اترك تعليقاً