وجهة نظر

حين نسي الملك فيليبي السادس في خطبة سبتة أن للبيت أهلا ورب..

لحسن العسبي

بعيدا عن “معركة الصور” ورمزيتها في صناعة “المعنى العام” على هامش زيارة العاهل الإسباني فيلليبي السادس للمدن المغربية المحتلة سبتة ومليلية، واختيار تاريخ الزيارة 13 أكتوبر (الممجد للزمن الإستعماري التوسعي لمملكة قشتالة في الذاكرة الإسبانية)، فإنه ليس من يمتلك قوة “الزمن” (السياسي) من يحدد مصير الأمور، بل يحددها من يمتلك قوة “الأرض” (جغرافيا).. ببساطة لأن “الزمن السياسي” متبدل، بينما “الجغرافية” راسخة عنيدة.. إن “مغربية الأرض” وحدها التي خطابها سيظل راسخا إلى الأبد من حيث إنه لن يتعب أهلها الفعليون من تأكيد بإصرار “أننا هنا قاعدون”..

نعم، قد يكون مُتَفَهَّمًا أن يبحث ملك إسبانيا عن سبيلٍ لإصلاح ما طال صورة عائلته من تلطيخ بسبب فضيحة الفساد المالي الذي اتهم به والده الملك خوان كارلوس (بالمناسبة نحن مغربيا نحترم كثيرا هذا الملك لأنه الرجل الذي قاد التحول الديمقراطي في مدريد وواجه بشجاعة الديكتاتورية العسكرية الفرنكاوية).. نعم مُتَفَهَّمٌ أن يكون فيلليبي السادس يسعى إلى أن يلعب “دور البطل القومي” في المخيال العام لأهل بلده، لكن ليس مقبولا أبدا أن يكون على حساب حقوقنا الوطنية القومية المغربية العليا.. إن له في ملفات “كاتالونيا” و “الباسك” و “جزر الخالدات” ما يكفي من المداخل ليصدر عن حمية وطنية تغسل عار الوسخ الذي طال صورة العائلة الملكية عند الإسبان. أكثر من ذلك لا نرضى لجلالته أن يتقمص صورة “دونكيخوطي” الغارقة في “أوهام البطولة المتخيلة”، فهي لا تليق به وبمكانته..

إننا مغربيا نَفْهَمُ إسبانيا جيدا، ونَتَفَهَّمُ آثار أزماتها (عُقَدَهَا) التاريخية، لكن لكل شيء حدودا.. بالتالي علينا أن نقولها بكل المسؤولية أن ليس من مصلحة مدريد أن تفتح معنا ملف تاريخها الإستعماري، فهي خاسرة فيه على كافة المستويات المادية والرمزية (فهي ارتكبت خلالها جرائم ضد الإنسانية حين قصفت المدنيين بشمال المغرب بالأسلحة الكيماوية).. لأنه يُخشَى أن يسري عليها المثل العربي القديم “على نفسها جنت براقش”.

إن “الرأسمالية الإسبانية” جد فتية تاريخيا مقارنة بمثيلاتها الأروبية والأمريكية، وعلى نخبها بالتالي ألا تنسى دروس التاريخ.. بدليل أن تجربتها الإستعمارية من ضمن التيار الإستعماري الأروبي ظلت الأكثر بؤسا، بسبب الضعف البنيوي للرأسمال الإسباني الذي لم يكن يغطي حتى مجالها الترابي الداخلي فأحرى أن يراكم “ثروات” و “آثارا حضارية” في المجالات الترابية الموهوبة لها خارجيا بمنطق الإستعمار من قبل القوى الأروبية الوازنة في القرن 19، التي للأسف شاء قدرنا البئيس أن تكون أراضينا مجال “تلك الهبة” في الصحراء الغربية للمغرب وفي الشمال (بلاد الريف وجبالة).. إذ في واقع الأمور ظل “الإستعمار الإسباني” من داخل الحركة الإستعمارية الأروبية “استعمار فقراء”.. وهذا النوع يكون عنيفا في خطابه ومتطرفا في “أوهامه”..

مهم التذكير أن بناء “الهوية القومية الإسبانية” قد تحقق أصلا من قلب منطق للصراع بين تيارين مجتمعيين هما:

– “الرأسمالية التجارية والصناعية والبحرية الكاطالانية والباسكية المدينية” بعاصمتيها برشلونة وسان سيباستيان.

– “الطبقة البدوية الفلاحية القشتالية” بمرجعيتها الكنسية المتطرفة حول مدينة مدريد.

لا يزال عمليا منطق هذا التجاذب الهوياتي والثقافي والسياسي قائما في بنية الجسد الإسباني إلى اليوم. بل ليس اعتباطا أنها البلد الأروبي الذي به أكثر مناطق حكم ذاتي (13 منطقة)، وأنها مهددة جديا بخطر مطالب التقسيم والإنفصال..

بالتالي، مفهوم بعض الخطاب السياسي القومي اليوم الذي يتزعمه الملك فيلليبي السادس، لكنه لا يمكن أن يكون عبر بوابة ملف حساس جدا من قبيل ملف “الاحتلال الإستعماري” لمدننا وجزرنا المغربية المتوسطية.. فلا يمكن تحقيق “الوحدة الوطنية” هناك رمزيا وسياسيا وهوياتيا على حساب حقوقنا الوطنية المشروعة لاستعادة أراضينا المحتلة تلك.

مستقبل إسبانيا مغربي

ما المقصود هنا؟

سيكون “عقل الدولة” في مدريد واهما إذا اعتقد أنه سيربح أروبا إذا خسر المغرب. ليس فقط لأن للجغرافية أحكامها الحاسمة، بل لأن منطق التوازنات بالقارة العجوز تجعل أن تقييم الأروبيين لإسبانيا يجعلهم دوما يصنفونها ضمن “جغرافية الجنوب”.. إن مدريد بالنسبة لباريس وبرلين ولندن وفارسوفيا هي “جنوبية” بالمعنى القيمي وبمعنى ميزان القوى الإقليمية.. وسيكون من الوهم اعتقادها أن “الخطابة الأروبية” ببروكسيل وبالبرلمان الأروبي حول “حدود أروبا” الممتدة إلى إفريقيا مكسب نهائي لها.. هذا خطأ في التقدير كبير.. لسبب بسيط هو أن ميزان القوة أروبيا لن يقبل ضمن منطق التنافس التاريخي أن تفوز مدريد بجبل طارق وسبتة لتصبح سيدة المضيق وزعيمة غرب المتوسط وغرب أروبا.. فالرأسمال الإسباني سيظل دوما “جنوبيا” بالنسبة لبروكسيل..

إن مستقبل مدريد هو المغرب برؤية الخيار الإستراتيجي، مما يلزمها بدفتر تحملات يقوم على تجفيف كل أسباب الخلاف أو التوتر بين البلدين (وليس فقط الدولتين).. إن للجغرافية منطقها العنيد في نهاية المطاف، حيث الأفق هو ما يمثله مشروع “الربط القاري” من أفق واعد ومفيد للجميع.. بصيغة أخرى إن مستقبل “الرأسمالية الإسبانية” في جوارها الإفريقي وليس في جوارها الأروبي.

نُدرِكُ مغربيا بشكل واضح أن مستقبلنا نحن أيضا هو مع إسبانيا متوسطيا وغرب أروبيا وغرب إفريقيا.. ونُدركُ أن لنا ما يكفي من الأدوات لتقوية العلاقات معها على قدر ما لنا أيضا من الأدوات للتأثير الملموس سلبيا في مستقبل الإيبيريين..

يُخطئُ تماما الملك فيلليبي السادس حين تأخذه الحماسة ليحدد لوحده مستقبل سبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة بالبحر الأبيض المتوسط.. إذ يكفي التوقف عند عنوانين دالين على ذلك الخطأ..

الدين والهجرة ودور المغرب الحاسم

كانت جريدة “العلم” المغربية قد نشرت في أحد أعدادها سنة 1957 (ربما في شهر أكتوبر) قصاصة خبرية صغيرة أسفل صفحتها الأولى تُفيدُ غرق قارب للهجرة السرية بين إسبانيا والمغرب بالمضيق أدى إلى فقدان أفراد عائلتين إسبانيتين مهاجرتين من طريفة صوب المغرب.. كانت الهجرة حينها إسبانية بسبب الفقر والإستبداد العسكري للجنرال فرانكو صوب الضفة المغربية الأكثر أمانا والأكثر تقدما على مستوى أسباب الحياة اجتماعيا..

إن التذكير بهذه القصاصة الخبرية لجيراننا الإسبان (في مقدمتهم ملك إسبانيا) الغاية منه الإنتباه إلى أن آفة الهجرة السرية بين البلدين وبين الضفتين قديمة، يتبدل الإتجاه فيها شمالا وجنوبا حسب الظروف التنموية والأمنية والمؤسساتية في كليهما.. بل إنه حين يقف فيلليبي السادس اليوم للترحم على ضحايا هجرة الجنوب بإحدى مقابر سبتة فقد كان المغاربة أيضا يقفون للترحم على قبور مجهولة الهوية لإسبانيين مهاجرين هاربين من جحيم الفقر والديكتاتورية في إسبانيا احتواهم التراب المغربي..

لنذهب إلى الأساسي.. الأساسي في ملف سبتة ومليلية والجزر هو أن الجغرافية عنيدة.. فأراضي إفريقيا هي أراضي إفريقيا وأراضي أروبا هي أراضي أروبا.. بوضوح أكبر إن أراضي إسبانيا (جبل طارق الذي تحتله بريطانيا) هي أراضي إسبانيا، وأراضي المغرب (سبتة ومليلية والجزر التي تحتلها مدريد) هي أراضي المغرب..

يَعلمُ بشكل مؤكد الملك فيلليبي السادس أن الأثر المغربي الملموس في الحياة اليومية لمدنه المحتلة بالشمال كبير وفاعل ومحوري وحاسم. لنذكره فقط بنموذج ملفين من ذلك الأثر:

– قليلٌ من يعرفُ أن من كان يَروِي عطش سكان سبتة على امتداد قرون (خاصة منذ العهد المريني) هي المياه العذبة لبلدة بليونش المغربية. بل وأنه قد حفرت من حينها قناة تحت الأرض يتم من خلالها تزويد المدينة ومساجدها وحماماتها وزواياها الدينية وعدد من أحيائها القديمة بالماء الشروب من الجبال المغربية المحيطة بالمدينة.. بل إن ذلك لا يزال قائما إلى اليوم، حيث جزء من ماء ساكنة المدينة آت من المغرب. بينما الجزء الآخر منه لم يصبح متوفرا سوى منذ الثمانينات حين تم إنشاء محطة تحلية مياه البحر أقامتها حكومة الزعيم الإشتراكي فيلليبي غونزاليس.. ولعل المفارقة اليوم هناك هي أنك حين تكون في ضيافة عائلة إسبانية أو مغربية بسبتة المحتلة وتطلب شربة ماء، فإن قدم لك كأس ماء من الصنبور فاعلم أنه “ماء بليونش” الطبيعي، أما إذا قدمت لك قنينة معبئة ب “ماء مائدة” فاعلم أن العائلة تتوفر فقط على صنبور مياه البحر التي تمت تحليتها (السبتيون لا يشربون هذا الماء الثاني)..

بالتالي فإن الحياة في طبيعتها في سبتة ومليلية تتحقق من خلال شربة ماء طبيعية يزودها بها المغرب، وليس من خلال الماء المستخرج من مصانع تحلية مياه البحر.. إن مستقبل الحياة الطبيعية هناك بقوة منطق الجغرافية إذن هي عبر “شربة ماء طبيعية” كهبة من السماء توفرها منابع المغرب وتوفرها شبكة سدوده المائية.. أليست حكمة الماء في السياسة تقول إن الماء يصنع طريقه آجلا أم عاجلا.. والأيام دول..

– ثاني العناوين المغربية النافذة الأثر تتعلق بالشأن الديني وآليات تدبيره بسبتة ومليلية.. حيث تُدركُ مدريد جيدا الفعالية المجربة الكبيرة للدور المغربي في حماية “الأمن الروحي” للمسلمين بالمدينتين من خلال نجاح الرباط في مقاومة مختلف الإختراقات المذهبية المشرقية المتشددة (سنية وشيعية) بمساجد وزوايا المدينتين منذ الثمانينات من القرن الماضي.. فقد كانت معركة صعبة غير يسيرة تطلبت صبرا وعزيمة وإصرارا حمى كامل التراب الإسباني من بؤر للتطرف الديني، على القدر نفسه الذي حمى لحمة التواشج الطبيعية بين أبناءنا من المغاربة في سبتة ومليلية مع جوارهما الاجتماعي والعائلي بكامل مناطق جبالة والريف..

ليس اعتباطا أن سمحت مدريد للمغرب من خلال عُرْفٍ تدبيري قائم منذ سنوات (ليس هناك اتفاقية رسمية) بتدبير الشأن الديني بالمدينتين المحتلتين لأنها مدركة أنه سينجح في ذلك أفضل منها بكثير.. فهي تعلم أن أكثر من 50 % من ساكنة سبتة ومليلية مسلمون من أصل مغربي، وأن ذاكرة التدين الإسلامي عريقة بهما، بل إن مدرسة فقهية مغربية مالكية جد قديمة ظلت قائمة في سبتة (أحد رجالات مراكش السبعة مثلا هو الفقيه السبتي الشهير وكذا الفقهاء آل العزفي أصحاب فتوى إحياء عيد المولد النبوي)..

بالتالي قليلٌ من يعرف أن بسبتة لوحدها أكثر من 30 مسجدا كلها تابعة تدبيريا من الناحية الدينية لوزارة الأوقاف المغربية وأنها هي من تعين الأئمة ومختلف القيمين الدينيين بها بعد اجتياز مباريات توظيف رسمية، بل أكثر من ذلك هي التي تؤدي أجورهم الشهرية إلى اليوم.

بصيغة صحفية إذا كانت لكنائس سبتة ومليلية بنيتها التدبيرية الإدارية التابعة لدولة الفاتيكان برئاسة البابا، فإن لمساجدها بنيتها التدبيرية الإدارية التابعة لصاحب الأمر بالمغرب أمير المؤمنين العاهل المغربي محمد السادس..

بالتالي مدريد مدركة جيدا أن الدور المغربي حاسم في المدينتين روحيا، ثقافيا، اجتماعيا وسياسيا أيضا.. بدليل أنه تقام صلاة الجمعة في 20 مسجدا بسبتة (وعدد أقل في مليلية) وجميعها تنتهي بالدعاء لأمير المؤمنين وأن خطبة الجمعة تصدر من وزارة الأوقاف المغربية.

للتذكير فقط أكبر مساجد سبتة (المسجد الكبير مولاي المهدي ومسجد سيد مبارك) بنيت أصلا منذ قرن بميزانية الأحباس المغربية وهدم بعضها وأعيد بناؤها مرة أخرى بميزانية مالية من المغرب. مثلا المسجد الكبير بني سنة 1937 بإجازة مكتوبة من الجنرال فرانكو لكن بميزانية مغربية ويوم تدشينه حضر رسميا وزير الأحباس والشؤون الدينية المغربية وألقى خطبة فيه. بينما تمت إعادة بناء مسجد سيد مبارك في التسعينات.. دون إغفال شبكة الزوايا القديمة بالمدينتين (خاصة الحراقية، التيجانية، القادرية، العيساوية) مثلها مثل كل المدن المغربية..

لابد من تسجيل ملاحظة في ختام هذه الورقة، هي أنه على قدر ما نجح المغرب في مقاومة الإختراقات المذهبية المشرقية رغم كل ما تم توفيره لها من ميزانيات مالية ضخمة (البترودلار الوهابي والإخواني والإيراني) بسبتة ومليلية، على قدر ما هناك فشل وأعطابٌ مقلقة على مستوى التأطير الاجتماعي للأجيال الجديدة من أبناء السبتيين والمليليين المسلمين، حيث يُسَجَّلُ بأسف ضُعفٌ ملموس على مستوى نتائجهم الدراسية التعليمية ضمن التعليم النظامي الإسباني يَحُدُّ من تحقيق الترقية الاجتماعية لهم مؤسساتيا هناك..

هل الأمر بسبب “عنصرية ما” غير مُعلَنَةٍ من قبل سلطات الاحتلال بالمدينتين؟ هل بسبب الفجوة الهوياتية بين الثقافتين؟ هل بسبب ضعف آلية الإندماج الاجتماعية؟؟ ربما هذا كله، مما يُلزمُ الدولة المغربية ابتكار آلية تأطيرية بأذرع ثقافية وتربوية وجمعوية لتحصين تلك الأجيال من أبنائنا في تلك المدن المحتلة، فهم في “رباط” صامدون باسمنا جميعا هناك..

ها هنا يكمن ما قصدناه فوق أن ليس من يمتلك قوة “الزمن” (السياسي) من يحدد مصير الأمور، بل يحددها من يمتلك قوة “الأرض” (جغرافيا).. لأن “الزمن السياسي” متبدل، بينما “الجغرافية” راسخة عنيدة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *