سياسة

بين رسائل مدريد وموقف المغرب.. زيارة فيليبي السادس تضع الشراكة المغربية الإسبانية أمام اختبار جديد

بين رسائل مدريد وموقف المغرب.. زيارة فيليبي السادس تضع الشراكة المغربية الإسبانية أمام اختبار جديد

أعادت زيارة العاهل الإسباني، الملك فيليبي السادس، إلى مدينتي سبتة ومليلية، يومي 13 و14 أكتوبر 2026، على التوالي، تسليط الضوء على تداخل اعتبارات السيادة والحسابات السياسية الداخلية في إسبانيا مع مستقبل التعاون الاستراتيجي بين مدريد والرباط، في ظل استمرار تعقيدات ملف الهجرة والخلافات المرتبطة بتدبير الحدود.

وتكتسي هذه الزيارة، التي تعد الأولى لملك إسباني إلى المدينتين منذ زيارة خوان كارلوس الأول سنة 2007، أهمية خاصة بالنظر إلى سياقها السياسي والأمني، ولا سيما عقب أزمة الهجرة التي شهدتها المنطقة في يوليوز الماضي، والضغوط التي مارستها أحزاب المعارضة الإسبانية بشأن أمن الحدود.

كما تتزامن مع تأكيد المغرب، في الخطاب الملكي أمام البرلمان يوم 9 أكتوبر الجاري، الحاجة إلى مراجعة صيغة التعاون الحدودي القائمة وإرساء رؤية استراتيجية جديدة للشراكة مع إسبانيا.

وفي قراءة لهذه التطورات، يرى لحبيب شباط، المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسباني، أن الزيارة لا يمكن اختزالها في محاولة لاسترضاء اليمين الإسباني، كما لا ينبغي اعتبارها خطوة كافية لتسوية الملفات العالقة بين البلدين؛ إذ تجمع، بحسب تحليله، بين رسائل مؤسساتية مرتبطة بتأكيد الموقف الإسباني من المدينتين، واعتبارات سياسية داخلية، ورغبة في الحفاظ على التعاون الحيوي مع المغرب.

بين تأكيد السيادة والحسابات السياسية الداخلية

يعتبر شباط أن قراءة زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية تقتضي استحضار أربعة أبعاد جيوسياسية متداخلة، تتعلق بالمشهد السياسي الداخلي الإسباني، وتعقيدات ملف الهجرة، ومسار العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد، فضلاً عن الرسائل التي حملها الخطاب الملكي المغربي الأخير أمام البرلمان.

وفي هذا السياق، يوضح الخبير في تصريحه لجريدة “العمق المغربي”، أن المؤشرات المتاحة لا تدعم اعتبار استرضاء أحزاب المعارضة اليمينية المحرك الأساسي أو الوحيد للزيارة، رغم ما قد تحمله من مكاسب سياسية لهذه التيارات، التي تدعو إلى تشديد مراقبة الحدود وتعزيز الحضور الإسباني في المدينتين.

ووفق قراءة شباط، يمكن تفكيك خلفيات الزيارة من خلال ثلاث محددات رئيسية. يتعلق الأول بتأكيد الحضور المؤسساتي للدولة الإسبانية، باعتبار المؤسسة الملكية رمزا لوحدتها وسيادتها؛ إذ تمثل الزيارة، من وجهة نظر مدريد، تأكيدا رسميا على تمسك المؤسسات الإسبانية بموقفها من “إسبانية” سبتة ومليلية.

أما المحدد الثاني، فيرتبط بالبعد الاجتماعي والأمني الداخلي، من خلال توجيه رسائل طمأنة إلى سكان المدينتين وتأكيد حضور الدولة عقب التوترات التي شهدتها المنطقة في يوليوز الماضي. ويتصل المحدد الثالث بإمكانية توظيف الزيارة سياسيا من قبل التيارات المطالبة بتشديد الحراسة الحدودية وتعزيز السيادة، حتى إن لم يكن استرضاء هذه القوى هدفا معلنا للمؤسسة الملكية.

ويضيف المحلل السياسي أن موافقة حكومة بيدرو سانشيز على الزيارة، رغم عدم مرافقة رئيس الحكومة للعاهل الإسباني خلالها، تمنحها بعدا مؤسساتيا ووطنيا يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، دون أن ينفي ذلك إمكانية استفادة بعض التيارات السياسية منها في النقاش الداخلي بشأن الهجرة وأمن الحدود.

ملف الهجرة يتجاوز المقاربة الأمنية

وبخصوص انعكاسات الزيارة على ملف الهجرة، يستبعد شباط أن تكون هذه الخطوة كافية لإنهاء الإشكال بقرار أحادي، معتبرا أنها قد تشكل مناسبة لإعادة طرح قواعد التعاون بين البلدين، أكثر مما تمثل مدخلا حتميا إلى اتفاق جديد.

ويشير الخبير إلى أن تدبير الهجرة بين المغرب وإسبانيا لم يعد مقتصرا على مراقبة الحدود والتعامل مع تدفقات المهاجرين، بل أصبح متشابكا مع التنسيق القضائي، وملف القاصرين غير المصحوبين، وقضايا اللجوء، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، فضلا عن رهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق المعنية.

وفي هذا الإطار، يربط شباط التطورات الأخيرة بمضامين الخطاب الملكي أمام البرلمان المغربي في 9 أكتوبر الجاري، الذي شدد فيه الملك محمد السادس على أن صيغة التعاون الحالية أضحت متجاوزة، في ظل ما يحيط بتدبير الملف من تعقيدات قانونية وقضائية، خصوصا فيما يتعلق بإعادة القاصرين وطالبي اللجوء. كما أعلن الخطاب توجه المغرب نحو تقديم رؤية استراتيجية جديدة لشكل الشراكة الحدودية.

وبحسب المحلل، فإن جوهر الإشكال لم يعد مرتبطا فقط بحجم تدفقات الهجرة، بل يمتد إلى مدى التوافق بين الطرفين بشأن قواعد تدبير الملف وتحديد مسؤوليات كل منهما. ومن ثم، فإن الوصول إلى تسوية مستدامة يقتضي، في تقديره، توفير أربعة شروط أساسية.

أولها إرساء آلية عمل مشتركة لتدبير الأزمات الحدودية، تستجيب للضرورات الميدانية بعيدا عن المزايدات الإعلامية والسياسية. وثانيها وضع إطار قانوني وإنساني متكامل يوفر حلولا عملية لملف القاصرين والمهاجرين في سبتة ومليلية. أما الشرط الثالث، فيتمثل في تعزيز التنسيق الميداني لمواجهة شبكات التهريب، مع احترام حقوق الإنسان والالتزامات الدولية. ويتعلق الشرط الرابع بالانتقال من سياسة تقوم على تدبير الأزمات المتكررة إلى مقاربة أمنية وتنموية مستدامة.

وبناء على ذلك، يحذر شباط من استنتاج أن الزيارة الملكية ستؤدي بالضرورة إلى إطلاق اتفاق جديد؛ فالخطوات الرمزية، مهما كانت أهميتها السياسية، لا تعوض المفاوضات الحكومية والتقنية اللازمة لمعالجة الملفات القانونية والعملية المرتبطة بالهجرة والحدود.

بين الرسائل الملكية وحدود الصلاحيات الدستورية

وفيما يتعلق بمدى استعداد إسبانيا للتفاعل مع الرسائل التي حملها الخطاب الملكي المغربي، يدعو شباط إلى التمييز بين إدراك مدريد لمضامين الموقف المغربي وبين قدرة المؤسسة الملكية الإسبانية على تحويل هذه الرسائل إلى قرارات عملية.

ويوضح أن الموقف المغربي يؤكد أن التعاون مع إسبانيا خيار سيادي طوعي، يقوم على الندية وتكافؤ الفرص، ويرفض أشكال الضغط أو الابتزاز، مع التشديد على ضرورة بناء نموذج للشراكة الاقتصادية والأمنية يستحضر التنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي.

في المقابل، تفرض طبيعة النظام الدستوري الإسباني التمييز بين الدور الرمزي والسياسي للعاهل الإسباني وبين الاختصاصات التنفيذية للحكومة. فبإمكان الملك فيليبي السادس توجيه رسائل سياسية ذات دلالات مؤسساتية، غير أن صياغة سياسات الهجرة وتنفيذها يظلان من اختصاص الحكومة الإسبانية، في إطار التشريعات الوطنية والأوروبية.

ويشير شباط إلى أن الموقف الإسباني المعلن خلال الزيارة شدد على أن سبتة ومليلية جزء من الأراضي الإسبانية ومن حدود الاتحاد الأوروبي، وأن أي مساس بهما يرتبط، وفق التصور الإسباني، بأمن الحدود الأوروبية. وفي الوقت نفسه، أكد العاهل الإسباني أهمية علاقات حسن الجوار والثقة المتبادلة مع المغرب.

ويرى المحلل أن هذا المعطى يكشف عن تقاطع بين الرباط ومدريد في الحرص على استمرار الشراكة الاستراتيجية، مقابل اختلاف جوهري في تصور السيادة ومحددات تدبير الملف الحدودي. لذلك، لا يمكن الجزم بأن الخطاب الملكي المغربي سيؤدي إلى تحول جذري في الموقف الإسباني، لكنه سيظل، بحسب قراءته، عاملا مؤثرا في الحسابات الدبلوماسية المقبلة.

المصالح المشتركة تحد من مخاطر التصعيد

وبعيدا عن الخلاف المرتبط بسبتة ومليلية، يلفت شباط إلى أن العلاقات المغربية الإسبانية تقوم على شبكة من المصالح المتداخلة، تشمل المبادلات التجارية والشراكات الاقتصادية والتنسيق الأمني، فضلا عن الرهان الاستراتيجي المرتبط بالتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 إلى جانب البرتغال.

ومن هذا المنطلق، يعتبر أن التحدي المطروح أمام البلدين لا يتمثل في إلغاء الاختلافات القائمة، بقدر ما يرتبط بقدرتهما على احتواء الخلافات ومنع انتقالها إلى باقي مجالات التعاون. كما يرى أن التعاطي الرسمي والإعلامي مع الزيارة بدا هادئا نسبيا مقارنة بأزمة سنة 2007، وهو ما يمكن قراءته في سياق الحرص على عدم تحويل الخلاف حول المدينتين إلى أزمة ثنائية شاملة.

غير أن هذا الهدوء، وفق التحليل ذاته، لا يعني أن أسباب التباين قد زالت؛ إذ تظل الإشكالية الأساسية مرتبطة بمدى استعداد الطرفين لتفكيك عناصر الخلاف، وإيجاد صيغ عملية للتوفيق بين المواقف السيادية المعلنة ومتطلبات التعاون الأمني والاقتصادي.
ثلاثة مؤشرات لتقييم المرحلة المقبلة

وفيما يتعلق بمستقبل العلاقات الثنائية، يحدد شباط ثلاثة مؤشرات أساسية يمكن من خلالها تقييم مدى انتقال الرسائل السياسية المتبادلة إلى خطوات عملية.

يتعلق المؤشر الأول بمدى إطلاق مشاورات رسمية رفيعة المستوى بشأن الرؤية الاستراتيجية الجديدة للتعاون الحدودي التي أعلن المغرب عزمه تقديمها. أما الثاني، فيرتبط بإمكانية التوصل إلى تفاهمات إجرائية بشأن ملف القاصرين، وآليات إعادة المهاجرين، وتنسيق مراقبة الحدود. ويتمثل المؤشر الثالث في قدرة القنوات السياسية والدبلوماسية على الحفاظ على فعاليتها، بما يضمن استمرار الشراكات الاقتصادية والأمنية وعدم تأثرها بالخلافات القائمة.

ويخلص الخبير في الشأن الإسباني إلى أن أهمية زيارة الملك فيليبي السادس لا تكمن في تحقيق مكسب لطرف على حساب الآخر، وإنما في وضع قضايا السيادة والتعاون الحدودي أمام اختبار المرونة الدبلوماسية وقدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف.

فبينما تؤكد الزيارة تمسك مدريد بموقفها من سبتة ومليلية، يحمل الخطاب الملكي المغربي رسالة مفادها أن استمرار التنسيق الحدودي لا يعني القبول المسبق بصيغة إدارية أحادية أو الإبقاء على نموذج تعاون يعتبره المغرب متجاوزا.

وبذلك، يظل الرهان الحقيقي، وفق شباط، هو قدرة الرباط ومدريد على إعادة تنظيم شراكتهما على أسس أكثر توازنا، مع الحفاظ على المصالح المشتركة وتجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *