الاستوزار أمام سلطة التعيين: الجدية قبل المحاصصة

الحقائب الوزارية مسؤوليات دولة قبل أن تكون مكاسب أحزاب. لذلك، فإن الطريق إلى الحكومة يمر عبر سؤال الكفاءة والقدرة على الإنجاز، مهما بلغت قوة التوافقات بين المتفاوضين. ومن هذه الزاوية، يكتسب الاستقبال الملكي لرئيسة الحكومة المكلفة دلالة تتجاوز متابعة المشاورات، ويفتح نقاشا حول الحدود التي تقف عندها الحسابات الحزبية أمام مقتضيات المرحلة.
استقبال الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة، يوم الرابع عشر من أكتوبر، جاء للاطلاع على المراحل التي قطعها تشكيل الحكومة. غير أن العبارة الأكثر استحقاقا للتأمل هي تأكيد البلاغ ضرورة «أداء حكومي جاد ومسؤول». فالتركيز على الجدية والمسؤولية، في لحظة اختيار الفريق التنفيذي، يسمح بقراءة سياسية تتصل بمعايير الاختيار، إلى جانب متطلبات الأداء المرتقب.
وتنبع أهمية هذا اللقاء من موقعه داخل مسار التشكيل، بين التكليف والإعلان عن الفريق الحكومي. ففي هذه اللحظة تتبلور الخيارات، وتتقاطع مطالب الأحزاب مع مسؤولية إعداد حكومة قادرة على العمل. ومن ثم، فإن متابعة المشاورات في هذا التوقيت تمنح مضمون البلاغ وزنا خاصا، وتدعو المتفاوضين إلى التفكير في حصيلة الحكومة المنتظرة، وهم يناقشون أسماء أعضائها وتوزيع مسؤولياتها داخل التشكيلة المقبلة.
تستند هذه القراءة إلى تمييز دستوري واضح بين الاقتراح والتعيين. فالفصل السابع والأربعون ينص على تعيين الملك أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. ومن ثم، يبقى الاتفاق بين الأحزاب على أسماء مرشحيها جزءا من مسار التشكيل، ولا يتحول بذاته إلى تعيين. وهذه المسافة تستوجب ترشيحات قابلة للدفاع عنها بمؤهلات أصحابها وملاءمتهم للمسؤوليات المقترحة.
سياسيا، يمكن فهم الرسالة الملكية باعتبارها دعوة إلى رفع سقف الاختيار، وتقديم حاجات البلاد على رغبات الاستوزار. فالمفاوضات تفقد قيمتها عندما تنحصر في عدد الحقائب وأوزان الأحزاب، وتتراجع فيها الأسئلة المتعلقة بمن يستطيع تدبير قطاع، أو قيادة إصلاح، أو تحمل تبعات قرار صعب. والتشكيلة الناجحة تبدأ من تحديد المهمة، ثم البحث عن الشخص المناسب لإنجازها.
الجدية هنا مفهوم عملي: معرفة الملفات، واحترام الوقت، والقدرة على اتخاذ القرار، ومتابعة التنفيذ. والمسؤولية تعني وضوح الالتزامات وقبول المحاسبة، بعيدا عن الاحتماء بالموقع أو الحزب. لذلك، فإن القيمة السياسية للبلاغ تكمن، في إحدى قراءاته الممكنة، في إعادة توجيه النقاش نحو نوعية الوزراء. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى فريق يحول التوجهات إلى نتائج ملموسة، ويشرح اختياراته للمواطنين.
ويقتضي هذا التوجه أن تقدم الأحزاب ترشيحاتها على أساس مؤهلات واضحة، وتجارب قابلة للتقييم، وقدرة على تحمل المسؤولية. فالانتماء الحزبي يوفر إطارا للتمثيل السياسي، وتمنح الكفاءة هذا التمثيل فاعليته في التدبير. والسؤال الذي ينبغي أن يوجه كل اختيار هو: ما الذي يؤهل المرشح للمهمة، وما الإضافة التي سيقدمها للقطاع وللمصلحة العامة معا؟
ويمتد هذا الاختبار إلى ما يسمى بالكتلة الحكومية. فتقارب الأحزاب حول توزيع المناصب يقدم صورة أولية عن إمكان التوافق، أما الانسجام الحقيقي فتظهره القدرة على الاتفاق حول الأولويات وتحمل كلفة تنفيذها. وقد تجمع الرغبة في المشاركة أطرافا متباعدة، ثم تكشف أولى القرارات الصعبة هشاشة اجتماعها. لذلك، يحتاج تماسك التحالف إلى برنامج واضح، وآليات تنسيق، والتزام جماعي بالمحاسبة.
أمام فاطمة الزهراء المنصوري، إذن، مهمة تتجاوز إرضاء شركاء محتملين. عليها بناء فريق تستطيع قيادة عمله، والدفاع عن اختياراته، وضمان تكامل اختصاصاته. وكل تنازل يقدم لتسهيل التشكيل يستحق أن يقاس بأثره على الأداء اللاحق. فالتوافق الذي يحل خلافا تفاوضيا اليوم قد يخلق أزمة تدبير غدا، إذا جاء على حساب الكفاءة أو وحدة التوجه.
وتمنح انتظارات المواطنين هذا النقاش وزنه الفعلي. فالأسر تقيس جدوى الحكومة بأوضاع المعيشة، وجودة التعليم، وخدمات الصحة، وفرص العمل. ومن هنا، تصبح عبارة «المرحلة المقبلة» إحالة إلى مسؤوليات محددة، ينبغي ترجمتها إلى أولويات وقرارات وآجال. فالحقائب التي تستنزف المشاورات ستتحول، بعد التعيين، إلى ملفات تتطلب عملا يوميا ونتائج يمكن تقييمها.
تضع الرسالة الملكية الجدية والمسؤولية في صلب النقاش حول الحكومة المقبلة. والمفيد أن تتعامل الأحزاب مع هذا التوجه باعتباره التزاما في الاختيار والممارسة، وأن تترجمه إلى سلوك يحترم انتظارات المواطنين. فنجاح الحكومة يبدأ بكفاءات تستحق المسؤولية، ويتأكد بسياسات تستجيب للحاجات. والمغرب يحتاج إلى وزراء يحملون أعباء المرحلة، ويجعلون الثقة الممنوحة لهم عملا يراه الناس في حياتهم.
اترك تعليقاً