منوعات

اختفاء أدوية حيوية من الصيدليات يضع مرضى الصرع في مواجهة الخطر وسط صمت حكومي

اختفاء أدوية حيوية من الصيدليات يضع مرضى الصرع في مواجهة الخطر وسط صمت حكومي

كشفت شكاوى متداولة خلال شهري شتنبر وأكتوبر الجاري عن تسجيل صعوبات بالغة بصيدليات المغرب في توفير دواء غاردينال 50 ملغ، وهو عقار أساسي يعتمد عليه مرضى الصرع للسيطرة على النوبات، مما أعاد إشكالية استمرارية التزود بالأدوية الحيوية إلى الواجهة وما يرافقها من هواجس صحية.

وأوضحت شهادات استقتها المصادر لمعاناة أسر المرضى في رحلة البحث اليومية بين الصيدليات، خاصة بالنسبة للحالات التي يرتبط استقرارها الصحي بتناول العلاج بانتظام، حيث أفاد شقيق مريض بالصرع المزمن أن أخاه يحتاج لقرصين يوميا وعلبتين شهريا، مبديا تخوفه من نوبات حادة قد تعقبها غيبوبة تمتد إلى 48 ساعة في حال عدم الحصول على الجرعات.

وعكست هذه الشكاوى حجم الضغط النفسي المرافق للبحث عن هذا المستحضر، إذ يتجاوز الأمر مجرد صعوبة في الاقتناء إلى قلق مستمر يعيشه المرضى وأسرهم بشأن القدرة على مواصلة الخطة العلاجية وتفادي انتكاسات صحية وخيمة.

وأبانت البيانات الدوائية أن العقار المعني يحتوي على مادة الفينوباربيتال المنتمية لفئة الباربيتورات، ويستعمل كمضاد للتشنجات في علاج بعض أنواع الصرع لدى الأطفال والبالغين سواء بمفرده أو إلى جانب أدوية أخرى، حيث تسوق العلبة التي تضم 30 قرصا بسعر مرجعي محدد في 11.30 درهما.

وأبرزت المعطيات الطبية الأهمية البالغة للدواء بالنسبة للمرضى المستقرين على نظام علاجي محدد، لأن تدبير المرض لا يقتصر على التعامل مع النوبات بل يشمل الحد من تكرارها، مما يضاعف المخاوف عند تعذر الحصول على الدواء وغياب المعلومات الكافية عن موعد استئناف التوزيع أو توفر بدائل آمنة.

وحذرت النشرة المرافقة للمستحضر من التوقف المفاجئ عن تناوله لتجنب عودة النوبات أو تفاقمها وصولا إلى ما يعرف بالحالة الصرعية التي تستدعي تدخلا طبيا مستعجلا، مشيرة إلى ضرورة خفض الجرعة تدريجيا تحت إشراف طبي عند اتخاذ قرار إيقاف العلاج.

وفرضت هذه المخاطر التعامل بحذر شديد مع هذا الانقطاع، حيث إن تعويض العقار أو تغيير الجرعة يستوجب تقييما طبيا دقيقا يراعي نوع الصرع والأدوية المتناولة، مما يؤكد الحاجة لتوجيهات واضحة ترشد الأسر للجهات المعنية للتدخل وتفادي المضاعفات.

وانتقلت أزمة انقطاع أدوية الصرع إلى المؤسسة التشريعية، حيث سجل مجلس النواب سؤالا كتابيا تقدم به البرلماني أنوار صبري عن فريق التجمع الوطني للأحرار قبل ثمانية أشهر، يوجه فيه مساءلة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية حول الانقطاع المتواصل لهذه العلاجات.

وتضمن السؤال مطالبة بالكشف عن الأسباب الحقيقية للانقطاع المستمر لأدوية أساسية مثل غاردينال وأوربانيل وتوبيراميد التي تغيب لبعضها بدائل علاجية فعالة، مستفسرا عن الإجراءات الاستعجالية لضمان التزويد الفوري للسوق الوطنية ومدى توفر مخزون استراتيجي لتفادي تكرار الأزمات.

وأثار السؤال ذاته أهمية حماية المرضى في وضعية هشاشة كالأطفال متعددي الإعاقة والمعتمدين على التغذية الطبية، مبرزا أن هذا النقص يطرح إشكالية صحية وإنسانية تتطلب تدابير بنيوية لضمان الحق الدستوري في العلاج وحماية الأمن الدوائي الوطني. وأظهرت معطيات الموقع الرسمي لمجلس النواب عدم تسجيل أي جواب من الوزارة الوصية إلى حدود اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026.

وطرح مواطنون تساؤلات حول الكلفة المالية المنخفضة للدواء وتأثيرها المحتمل على استمرارية تسويقه، معتبرين أن النقاش يتجاوز سعر العلبة ليسائل قدرة منظومة التزود على توفير العلاجات الأساسية بانتظام، ومدى ملاءمة البدائل المتاحة للقدرة الشرائية للمرضى.

وتعليقا على الموضوع، قال بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، إن عددا كبيرا من الأدوية اختفى من الصيدليات المغربية، من بينها أدوية حيوية مخصصة لمرضى الصرع، مرجعا ذلك إلى ما وصفه بـ”جشع” المختبرات ووحدات إنتاج الأدوية، وليس إلى ضعف أرباحها.

وأوضح الخراطي، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن وحدات إنتاج الأدوية تخوض حربا غير معلنة مع وزارة الصحة، مشيرا إلى أن المختبرات تلجأ، بحسب تعبيره، إلى سحب منتجاتها من السوق كلما اتجهت الوزارة إلى اتخاذ قرارات ترمي إلى خفض أسعار الأدوية، وهو ما وصفه بـ”الانتقام”.

وأضاف المتحدث أن المختبرات ملزمة بتزويد السوق بجميع الأدوية الضرورية فور حصولها على رخص الإنتاج، معتبرا أن سحب الأدوية يطرح إشكالا في احترام هذه الالتزامات.

وانتقد الخراطي وضعية الوكالة الوطنية للأدوية، معتبرا أنها تفتقر إلى الموارد البشرية والإمكانيات المادية اللازمة للقيام بدورها الرقابي، ووصفها بـ”القوقعة الفارغة”، رغم ما اعتبره نوايا حسنة لدى مديرها العام، وهو ما يجعلها، بحسب تقديره، عاجزة عن مواجهة ما سماه “لوبي الأدوية”.

وأشار رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك إلى أن أسعار بعض الأدوية في المغرب مرتفعة جدا مقارنة بأسعارها في دول أخرى، من بينها تركيا وإسبانيا ومصر.

ووصف الخراطي القطاع الصحي بأنه يعاني من “مرض مزمن”، داعيا إلى إصلاح حقيقي يقوده وزير في المستوى، ومذكرا بأن الجامعة سبق أن أصدرت بلاغين للتحذير من خطورة استمرار غياب الأدوية عن السوق.

وكانت الجامعة المغربية لحقوق المستهلك قد سجلت في وقت سابق انقطاع متكرر ومقلق لأزيد من 600 نوع من الأدوية الحيوية والأساسية من رفوف الصيدليات المغربية، محذرة من التداعيات الخطيرة لهذا الوضع الذي تعتبره تهديدا مباشرا لحق المريض في العلاج والولوج السلس إلى الدواء.

وأوضحت الهيئة الحقوقية، بناء على الشكايات العديدة التي توصلت بها شبابيك المستهلك التابعة لها، أن مشاهد تنقل المواطنين بين الصيدليات بحثا عن أدوية الأمراض المزمنة، كالسكري والضغط الدموي وأمراض القلب والأعصاب، وصولا إلى بعض أدوية السرطان، أصبحت مشاهد يومية تعكس حجم هشاشة المنظومة الدوائية في البلاد، وتبرز غيابا مقلقا للتخطيط والاستباق من قبل الجهات المعنية.

وحملت الجمعية ذاتها، السلطات الوصية وعلى رأسها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، المسؤولية الكاملة في ضمان توفير الأدوية بشكل دائم وفي جميع ربوع المملكة، مطالبة بفتح تحقيق عاجل وجاد حول أسباب هذا الانقطاع، مع ضرورة محاسبة كل من ثبت تقصيره أو تورطه في الإخلال بمسالك توزيع الأدوية أو احتكارها.

ودعت الجهة المدافعة عن حقوق المستهلك، في بلاغها الصادر بمدينة القنيطرة بتاريخ 24 يونيو 2025، إلى إحداث نظام يقظة دوائية فعال يمكن من التبليغ الفوري عن النواقص وتوفير بدائل طبية آمنة، فضلا عن المطالبة بإحداث مخزون استراتيجي وطني للأدوية الحيوية لتفادي أزمات مماثلة مستقبلا، موجهة دعوة صريحة للشركات المصنعة والمستوردين والموزعين للتعامل بمسؤولية أخلاقية وتجنب استغلال الوضع.

وخلصت الجامعة في ختام بلاغها، الذي أرفقته بلائحة مفصلة للأدوية المعنية بالانقطاع، إلى توجيه نداء لعموم المواطنين من أجل التبليغ عن حالات اختفاء الأدوية للجهات المسؤولة ولجمعيات حماية المستهلك، معتبرة أن حماية الحق في الصحة مسألة لا تقبل التهاون بأي شكل من الأشكال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *