منتدى العمق

«مسرحة الدروس»… صلاح الدين بلوط مجادلًا الآفاق التربوية لأبو الفنون

«مدخل إلى ديداكتيك مسرحة الدروس»

توالي أصوات إصلاح التجربة التربوية في المغرب ومشاريع «إصلاح الإصلاح»، ليست دومًا مهمة إدارية خاضعة لاعتبارات تشغيلية خالصة، أو مرتبطة فقط بانتظارات السوق والشواغل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أو متعلقة بأدوار المؤسسات المعنية بصياغة الاستراتيجيات الوطنية والرؤى الاستشرافية، ولا تلك التي تتابع المشهد التربوي العالمي ومدارسه قصد تصيُّد نماذج تراها مناسبة للتطبيق مغربيًا، أو أي مسارات بحثية مهمتها تقييم أرقام الفشل ومؤشرات النجاح بمقياس كمي..، وإنما هي جهد جماعي يُبنى على استحضار النقاشات الجوهرية المتصلة بهوية فعل التربية، من حيث كونه مسارًا موجَّهًا باعتبارات صناعة مستقبل الوطن والمواطن وقيمه واحتياجاته، والإمساك بمسارات هذه الصناعة في كل تفاصيلها المعرفية والثقافية والقيمية والإنسانية.

ضمن هذا الأفق الإنساني والتربوي والمعرفي؛ يجادل الباحث المغربي الدكتور «صلاح الدين بلوط» في مؤلفه الجديد الصادر قبل أسابيع «مدخل إلى ديداكتيك مسرحة الدروس» تلك المسلمات المتعلقة بالفضاء التعليمي في التجربة التربوية المعاصرة، بغرض تفكيك بعض جوانبها، وتحديدًا تلك المتعلقة بسؤال الإلقاء والتلقي، والفاعلية التربوية، وشروط الإبداع، وأساسيات صناعة الأجيال الجديدة، ورهانات تطوير الخطاب الإنساني، وتأسيس مقدمات التفكير النقدي التي تُفرِّخُ روح المواطن الفاعلة، والتي تمر جميعها من القدرة على بناء منظومة تربوية فاعلة، وإطار ديداكتيكي يستوعب هذه المقولات الإبداعية والإنسانية.

أول طريق لبناء هذه المنظومة من وجهة نظر صاحب كتاب «مدخل إلى ديداكتيك مسرحة الدروس»، هو الانفتاح على الآفاق الفنية في تعزيز العرض التربوي، وجعله مسارًا مركزيًا ليس في سياقه المتصل بالفعل الديداكتيكي فقط، وإنما ضمن إطار أشمل يستهدف تهذيب الحس الجمالي كشرط من شروط بناء مفهوم «المواطنة الفاعلة»، والرهان على المسرح وباقي الأشكال الإبداعية في تخليق الحياة المشتركة والفضاء العام، انطلاقًا من نقطة ارتكاز مؤسسات التنشئة الاجتماعية (المدرسة)، مع الإصرار على تحويل هذه الغايات التعليمية التي هي جزء أصيل من «روح التربية»، لتكون إطارًا شموليًا يُثبِّتُ أركان انفتاح المؤسسة التعليمية على وظائفها ومهامها الرئيسية المجسَّدة عند نقطة انتهاء الغايات في مطلب «بناء الإنسان».

قياسًا على هذه الوظيفة الإنسانية المعنية بالميثاق القانوني والحقوقي للتربية، يعيد الكتاب التعريف بالنقاشات المتعلقة بالمسرح والفن بشكل عام في المنظومة التربوية، من خلال العودة إلى مساءلة الأطروحات التي تعتبر هذا الأفق الجمالي والإبداعي الذي يمنحه المسرح أو غيره من الأشكال الفنية والتعبيرية، مجرد عمليات خداع تعليمية، واهتمام بكماليات تربوية مناقضة للفكر العقلي والمنطقي، وما يعنيه هذا المسار حسب هذه الأطروحات التقليدية من خلط بين الشروط الموضوعية للمعرفة الواضحة وبين «التكوين العاطفي» المؤسس على الانفعالات المتسرِّعة والميولات الشخصية والاعتبارات الذاتية، والمؤسسة بالمجمل على نظرة تبسيطية تحتقر الفن بشكل عام وفي أدواره التربوية على وجه الدقة والتحديد.

في مقابل هذا ينفتح الكتاب على تقديم وتثمين أطروحات أخرى حديثة ومعاصرة، بُنيت بالأساس على نقد هذه النظرة التقليدية التي تحاكم الفن في علاقته بالتربية، أمثال «Philippe Mérieu» في كتابه العُمدة «le théâtre- l’école et la cité»، أو عند غيره من المدافعين عن ضرورة توطين الفن ضمن جوهر فعل التربية، لا باعتباره نمطًا تواصليًا يُسهِّل عمليات تبليغ الرسالة التعليمية ومعارفها وأنماطها وصنوفها، وإنما باعتباره تمرينًا على الإبداع واكتشاف الذائقة الجمالية للإنسان، مُعرَّفًا هذا الأخير بكونه «مُبدعًا» وقادرًا على خلق المعاني وتجسيدها وتمثُّلها، وباعتباره أيضًا مسارًا من مسارات بناء واكتشاف الذكاءات المتعددة، وتطوير الكفاءات والمهارات، وتهذيب الانفعالات ضمن تصور أشمل ومكتمل عن كيفية الاستجابة السلوكية وتوازنها وتوافقها.

وفقًا لهذه الاعتبارات وتطويرًا لهذا النقاش، يقتحم المؤلف أيضأ سجالًا محوريًا آخر يتعلق بتقييم أنماط بناء التعلمات، ومدى ملاءمة التجربة التربوية لهذه الإطارات التربوية الحديثة التي أعلنت انفصالها عن التصور التقليدي للمسرح والفن، وكيف أن هذه الملاءمة والانفتاح هو أساس الانخراط في منظومة تعليمية حديثة، منتجة وفاعلة، تستجيب للضمانات الحقوقية من جهة أولى، وتتوافق مع احتياجات المتعلم الاجتماعية والنفسية من جهة ثانية، وتكرس الصفة التعاقدية – الديمقراطية كميثاق تربوي وإنساني من جهة ثالثة، وتنسجم مع أسئلة الهوية لقدرتها على ضمان الإنصاف والمساواة، ولدورها في كسر حواجز الإقصاء المبني على اعتبارات النوع، الدين، العرق والمستوى الاقتصادي والاجتماعي.

كما أن هذا الانفتاح على الفن والمسرح والنشاط الإبداعي والحس الجمالي الذي أصبح أساسيًا، ضروريًا، وملحًا لأي منظومة تعليمية معنية بتجاوز عراقيل وموانع الإبداع وشروطه، هي أشبه ما تكون بخريطة شاملة لأي أطروحات إصلاحية تريد توفير أساسيات الاندماج، وتكريس مقولات الانتماء الجماعي للوطن والإنسانية من خلال التربية، على اعتبار أن الفن وفقًا لوجهة نظر مؤلف «مدخل إلى ديداكتيك مسرحة الدروس»، هو آلية تعبير، وأداة تواصلية، وقناةً لتبليغ المعنى، ووسيط بلاغي، ينقل الإحساس من الداخل إلى العالم من خلال مسلك اللغة المبدعة، التي تتجاوز التواصل اليومي نحو الأفاق التعبيرية المتصلة بالمعنى والإبداع وبناء جسور الغيرية واكتشاف الذات وتحفيز شروط استقبال المعرفة وتقاسمها.

على هذا الأساس تُفسَّر اعتبارات انفتاح الكتاب على مفهوم «التعبير الفني» في النظريات النفسية والتربوية، من حيث كونه يعني النظر للمسرح والفن ضمن سياق أوسع، يشمل تفسير سلوك الطفل وطاقاته وقدرته على الابتكار كجواز عبور للجواب عن أسئلة «الإنسان»، وكيف أن التخلي عن فتح هذه الأبواب التي هي مدخل أساسي للتربية المعاصرة، يعني عمليًا إجهاض المطلب الرئيسي لروح التربية، من حيث كونه يهدف إلى تفريخ أجيال منفلتة من مأزق الاضطراب، وتكريس التوافق والعيش بالمعية مع هذه الذوات التي لها قابلية للعيش الجماعي والتواصل وفهم الذات عوض جلدها، بما ينسحب في النهاية على الحياة المشتركة للمتعلم الإنسان، وقدرته على التخييل والتجسيد، وبما يخدم أيضًا استقراره النفسي الذي تشترطه المواطنة الفاعلة والإنسانية الصادقة، المؤسسة على طبيعة التكوين الفاعل، ومدى قابليته للانفتاح على الإبداع الفني في لحظات الطفولة تحديدًا.

هذا ما يستنتجه الكاتب من متابعته لأطروحات التربية الحديثة والمعاصرة، ورؤى مدارس التعلم بشأن القابلية الإبداعية التي يمنحها الفن والنشاط المسرحي تحديدًا، وقدرته على خدمة مطلب الذكاءات المتعددة، المرتبطة بالحركة والإقناع وإبداع النصوص والقدرة على تبليغها والتواصل بشأنها، واستثمار الجسد كلغة حية يمكن لتطويعها أن يخلق مسارًا تواصليًا، وتفريخ أنماط جديدة في تغذية النشاط الذهني والعصبي، وتحفيز التفكير النقدي والإبداعي المُنعكس على المعرفة الإنسانية والتخصصات العلمية والمنطقية، تأكيدًا لحقيقة عدم تناقض هذه المعرفة الواضحة والمحكومة باعتبارات الصرامة المنهجية (العلوم الدقيقة)، مع الرسالة الفنية حال النظر إليها في آفاقها التي تتجاوز ربطها بالرغبات والانفعالات فقط.

وبالمجمل؛ الكتاب هو محاولة لرسم ملامح عامة عن «مسرحة الدروس» كمكون رئيسي في تحقيق أهداف المنظومة التربوية، سواء في «الصدق الديداكتيكي» الذي يتيحه المسرح، حينما يعبر صراحة عن جوهر الإنسان ودواخله، ويمكِّنُ صاحبه من تحفيز هذه «الجوَّانِية التعبيرية»، أو في استجابته الإنسانية والحقوقية التي تُبنى من خلالها جسور التواصل البشري والانفتاح التاريخي والتعاون الحضاري، عطفًا على طبيعة الفن وقدرته على اختراق حواجز اللغة والدين والعرق والثقافة، أو في إمكاناته المتعلقة باستكشاف جزر وقارات الذكاءات المتعددة، وربط جوانبها الرياضية والجسدية والعقلية والنفسية والحركية والنقدية والذهنية .. بعضها ببعض، بدليل طبيعة الانفتاحات التي يقيمها المؤلف وتعدد النصوص والمقاربات التي أشار إليها، وخاض فيها مناقشًا ومساجلًا، فقط لإعلان وتوثيق هذه الصلة التي لا يمكن تجاوزها بين المسرح والفنون عامة من جهة، والتربية والتعليم من جهة ثانية.

وهذا تحديدًا ما يجعله كتابًا تعليميًا وأكاديميًا، لما يمنحه من إمكانات الانخراط في مساءلة «وجع سؤال التربية»، من زاوية نظر تعليمية وديداكتيكية مبنية على واقع التجربة التربوية المعاصرة، وما نُشر بشأنها في لغة الضاد أو غيرها، مع عدم إغلاق أعينها عن أسئلة الهوية، الانتماء، الإنسانية، المواطنة، الإبداع، الحرية، الغيرية، التواصل..، ولا عن الأهداف والغايات النبيلة للتربية من حيث كونها وقبل كل شيء درس في تعلم كيفية استكشاف الذات المُنتجة، وقدرتها على العيش في انسجام مع ذاتها وطبيعتها الداخلية وامتدادها الخارجي، الذي هو أساس بناء جسور الإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *