منتدى العمق

الموسيقى التي يغفل عنها أرشيف المغرب

الموسيقى التي يغفل عنها أرشيف المغرب

ترجمة: نيهاد القزوي

علمتُ برحيل عبد الرحمن الكادي بعد مضي زهاء شهرين على وفاته؛ وقد فاجأني ذلك، بالنظر إلى أنه لم يكن غائبا عن حياتي قط. فمن مقر إقامتي في الولايات المتحدة، كنت أدأب على العودة إلى تسجيلات هذا الموسيقي الأمازيغي المغربي وهو يعزف على آلة الوتار وهي طنبور طويل العنق يرتبط بالإرث الموسيقي للأطلس المتوسط. ومن بين الجلسات الموسيقية التي استهوتني قطعة بعنوان أغور اش تاوادا، أي احذر الرحيل، والتي أديت بفيض من الحميمية تمنح التسجيل طابعا يتجاوز حدود الاحتفال الموسيقي، لتغدو شبه مساحة دافئة أذن للمرء بولوجها. لكن ما لبثت أن علمت لاحقا أن الرجل الذي كنت أستمع إليه قد رحل عن دنيانا.

ينحدر الكادي من مدينة القصيبة، وهي بلدة صغيرة تقع في أحضان الأطلس المتوسط. وبجوارها لا تبتعد بلدة أيت إسحاق، مسقط رأس حادة أوعكي إحدى أبهى القامات الغنائية في تراث الأمازيغية، والتي يبدو صوتها الشادي وكأنه خصص ليعكس مجالية الطبيعة الجبلية التي انبثق منها. ولقد كانت آلة الوتار بين يدي الكادي تنتمي إلى ذات الجغرافيا الموسيقية الفسيحة، حيث ظلت الأصوات والآلات والأشعار الغنائية الإيزلان تتداول منذ زمن بعيد بين المدن والقرى، وفي الأعراس والأسوق والجلسات الحميمية.

بيد أنني عندما شرعت في قراءة النعي المقتضب الذي أمكنني العثور عليه عبر شبكة الإنترنت حول رحيل الكادي، اصطدمت بظاهرة لافتة، إذ أشارت تلك التدوينات إلى ولادته بالقصيبة، دون أن تحدد زمنها، فلم أجد له تاريخ ميلاد مدونا، بل حتى سنه عند الوفاة لم يرد له ذكر. وتعدت الحيرة ذلك إلى اسمه ذاته، إذ كان يتبدل ويتحور من أثر رقمي إلى آخر: فتارة يكتب El Gadi، وتارة LGadi، وتارة Abderrahman، وأخرى Abderrahmane. وهكذا غدونا أمام فنان عبرت تسجيلاته الحدود، بينما تعذر لمّ شتات المعطيات الأساسية لسيرته ذاتها، وهكذا يممت وجهي نحو البحث عنه.

كان من السهل العثور على التسجيلات، إذ ظهر الكادي مرارا وتكرارا وبيده آلة الوتار، تارة إلى جانب مغنيات، وتارة في المغرب، وتارة أخرى بين المغاربة في الخارج. كانت هناك أغان قديمة، وجلسات حميمية، وعروض في فرنسا وألمانيا، ومقاطع رفعها معجبوه، غير أنه كلما أمعنت البحث عن شخص الفنان القابع خلف الموسيقى، أخذ الأثر في التلاشي.

كنت أصبو إلى العثور على مقال تأبيني واف، أو سيرة ذاتية مكتملة، أو تقرير يسرد مسار تجربته الفنية. أردت أن أعرف عمن أخذ هذا الفن، ومن شاركه العزف والأداء، وإلامَ امتدت رحلاته، وكيف انتهى به المطاف إلى آلة الوتار. أردت أن أستشف كُنه رؤيته الفنية وما كان يستحضره في وجدانه حين كان يعيد عزف أغنيات ترددت على ألسنة أصوات أخرى قبل أن تستقر في صوته. بيد أنني، وبدلا من ذلك، لم أكن أقع إلا على المزيد من الموسيقى.

كان بإمكان صدى آلة الوتار بين يديه أن ينساب عبر شاشة حاسوبي على بعد آلاف الأميال، غير أن لمّ شتات سيرته وحياته ظل أمرا عسير المنال.. لقد امتدت رحلة موسيقاه وجابت آفاقا أبعد بكثير مما وصلت إليه سيرة حياته.

إن ما ظل يجذبني ويعيدني مرارا إلى هذه التسجيلات لم يكن البحث عن الجدة أو الابتكار، بل استشعار الألفة والأمان؛ ذلك اليقين الذي تبعثه رصانة عزفه على الوتار، وعراقة ألحان إزلان، والتفاعل المتناغم بينه وبين المغنيات المحيطات به. لقد بدت الآلة بين يديه وكأنها تحاور الصوت البشري بدلا من أن تكتفي بمجرد مرافقته، فتجيب على البيت المغنى، وتفسح المجال لآخر، وتنساب بالإزلي إلى الأمام دون أن تطغى على الصوت أو تحجبه. كان ثمة عفوية متجردة من التكلف في هذه الجلسات، وكأن الموسيقى لا تزال تنبض بقربها المباشر من البيئة الاجتماعية التي نبعت منها. ولعلني تنبهت إلى هذه المفارقة لأن الاستماع إلى موسيقى عابرة للمسافات والحدود كان جزءا أصيلا من مكونات حياتي منذ زمن بعيد. فقبل وقت طويل من أن أصير أنا نفسي مهاجرا، كانت مسجلة الكاسيت هي من هاجرت إلي أولا.

نشأت في واحة وادي زيز بجنوب شرق المغرب، وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي، اقتنت أسرتنا أول جهاز تشغيل الكاسيت.. ولا أزال أذكر ذلك اليوم بوضوح تام، فقد كان جهازا صغيرا من طراز كروندجيك Grundig، يشتمل على قارئ كاسيت فردي ومذياع ذي قدرة فائقة على التقاط الموجات القصيرة.

كان أحد أبناء قريتنا ممن هاجروا إلى ألمانيا قد جلبه معه وباعه لأبي الذي أبي مكانا بارزا في صدر مجلسنا، إذ بدا ذلك الصندوق المتكلم الصغير قادرا على جذب العوالم القاصية إلى قلب بيتنا، فكنا نستمع عبره إلى هيئة الإذاعة البريطانية BBC باللغة العربية، وإذاعة باريس، والمحطات الإسبانية، والإذاعة المغربية، فضلا عن محطات من الجزائر المجاورة. كما كنا نضبط المذياع في كل مساء، ولمدة ساعتين، للاستماع إلى البث الأمازيغي القادم من الرباط؛ وهي نافذة يومية وجيزة كانت تعود إلينا عبرها لغة وادينا من خلال الأثير الوطني.

على أن قارئ الكاسيت كان يحمل طرازا آخر من الإرسال، فقد دأب المهاجرون من أبناء القرية المقيمون في أوروبا على إرسال رسائل كاسيت إلى أهاليهم، وهي تسجيلات صوتية مفعمة بالأصوات والأخبار والتحايا. وقبل وقت طويل من أن تصبح المكالمات الهاتفية عبر الحدود أمرا مألوفا، كان شريط الكاسيت قادرا على حمل صوت أليف من أوروبا وإعادة بثه داخل بيت في وادي زيز.

وهكذا، وقبل وقت طويل من معرفتي بمصطلحات من قبيل العولمة أو العابرة للحدود الوطنية، كان بوسعي سماعها وإدراكها حسيا.. لقد وصل العالم إلينا كأثر صوتي.

ولم يكن جهاز كراندجيك مجرد رمز للمكانة الاجتماعية فحسب، وإنما هو تحفة مرغوبة جلبها أحد المهاجرين من أوروبا، بيد أنه سرعان ما اكتسب حياة اجتماعية خاصة به.. فقد كان والدي ينتمي إلى حلقة من شيوخ القرية وأعضاء القبيلة، أي مجلس القبيلة. وكانوا يجتمعون بانتظام لتناول شاي العصر بعد صلاة العصر، متناوبين على الاستضافة في بيوتهم، لا بالضرورة لعقد اجتماعات رسمية، وإنما التماسا للصداقة، والمؤانسة، ونقل الأخبار، والحكايات، وتدارس شؤون القرية.

وعندما كان الدور يؤول إلى أبي لاستضافة المجلس، كانوا غالبا ما يجلسون في حديقة بيتنا، وينضم إليهم جهاز الجروندج. يُسكب الشاي، وتتوزع مجالس الحديث هنا وهناك. وقد ينقل المذياع أخبارا من المغرب، أو الجزائر، أو من مناطق أبعد؛ وفي لحظات أخرى، كان أحدهم يعمد إلى إدخال شريط كاسيت. هكذا كان جهاز رحل من ألمانيا يندمج في إيقاع أقدم للضيافة، والمحادثة، والإنصات، فمجلس القبيلة كانت له طرائقه الراسخة في الاجتماع وتبادل الأخبار، ولم يكن المذياع سوى وافد انضم إلى ذلك العالم وتماهى معه.

إلى أن اكتشفنا عيبا فادحا في جهاز الكرونديك: البطاريات. كان الجهاز يستهلك البطاريات بسرعة تفوق قدرتنا المالية على تعويضها، وإذ لم تكن القرية قد حظيت بالكهرباء بعد، فقد كان الاستماع ينطوي على تدبير ومفاضلة، فتشغيل الموسيقى أمر مقدور عليه، أما هدر طاقة البطارية في إعادة لف الشريط فكان أمرا آخر.

لذا، استعنا بقلم بيك Bic الجاف. كان هيكله البلاستيكي يتلاءم تماما مع بكرة شريط الكاسيت؛ فكنا نخرج الشريط، وندخل القلم، ثم نديره يدويا إلى أن نصل تقريبا إلى المقطع الذي نرغب في إعادة سماعه. بعد ذلك، يعود الشريط إلى الكرونديك، لتبقى طاقة البطاريات مدخرة لما هو أهم: الموسيقى.

أما بالنسبة لأحد إخوتي، فقد كان شغفه بالجهاز أشد وأعمق.. إذ بلغ به الافتتان أن أخذ يحمله ملاصقا لصدره، حتى إن أمي رمقته يوما وداعبته بتهكم لطيف قائلة إن مسجل الكاسيت لا يحتاج إلى الرضاعة! ضحكنا جميعا، فقد أصبح ذلك الجهاز فردا من العائلة تقريبا.

وبالعودة إلى تلك الأيام، يدهشني حجم المسارات والحركات المتعددة التي التقت في ذلك الصندوق الصغير.. مهاجر يحمله من ألمانيا إلى وادي زيز، موجات قصيرة تتوافد من لندن وباريس ومدريد والرباط والجزائر. أصوات مسجلة لمهاجرين تعود صداها من أوروبا؛ رجال القبيلة ينصتون حول كؤوس الشاي. أطفال يكتشفون الموسيقى المسجلة.. وقلم بيك يسهم في استمرار العزف. فقبل أن أمتلئ أنا نفسي سفرا ورحيلا برفقة الأشرطة، كانت المسجلة هي من سافرت إلي.

وبعد سنوات طوال، حين غادرت المغرب نحو الولايات المتحدة لمتابعة دراستي الأكاديمية، وضعت في حقيبة سفري أشرطة عدة للفنان محمد رويشة أحد أبرز القامات الموسيقية للأطلس المتوسط في جيلي، وكان بعضها بالأمازيغية وبعضها الآخر بالدارجة المغربية. لم أكن أظن حينها أنني أصون ذاكرة، بل حملتها لمجرد عشقي للإنصات إليها. لم أكن أحمل أرشيفا داخل أمتعتي، بل كنت أستصحب موسيقى تمنحني البهجة، ولم تتحول تلك الأشرطة إلى أرشيف إلا في وقت لاحق.

لقد كان الكاسيت وسيطا مثاليا للهجرة والتنقل.. فحجمه الصغير، وتكلفته الزهيدة، وقابليته لإعادة الإنتاج، كلها عوامل مكنت الموسيقى من الرحيل مع الإنسان. وفي دراسته التاريخية حول ثقافة الكاسيت في مصر، يوضح أندرو سايمون Andrew Simon كيف تشابكت تكنولوجيا الكاسيت مع حركة التنقل البشري الهائلة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ورغم أن رحلتي كانت مختلفة، إلا أنني كنت أستفيد من نفس الميزة التكنولوجية: كنت أغادر المغرب، دون أن أكون مضطرا لترك أصدائه وأصواته خلفي.

تعاقبت التكنولوجيات المحيطة بتلك الأشرطة واختفت. زالت أجهزة الكاسيت وأطلت الأقراص المدمجة ثم انحسرت، وغدت الموسيقى ملفا حاسوبيا، ثم مادة تستحضر بلمسة على الهاتف. وفي نهاية المطاف، أتاحت منصة يوتيوب في ثوان معدودات تسجيلات كان يتطلب الوصول إليها قديما الشراء أو النسخ، أو ترقب بثها عبر المذياع، أو شحذ الهمة للحضور في أعراس ومجالس أنس. غير أن الأشرطة ظلت صامدة لم تبرح مكانها.

لقد تنقلت معي تلك الأشرطة عبر عقود من الترحال والتنقل الأكاديمي داخل الولايات المتحدة. ولم أعد بحاجة إليها اليوم للاستماع إلى رويشة، بيد أن ذلك لم يعد السبب الذي يحثني على الاحتفاظ بها. فعندما أمسك بشرائط الكاسيت تلك الآن، فإنني أمسك بلحظة المغادرة والرحيل، إذ تعود بي إلى وادي زيز، إلى سنوات دراستي الثانوية، وإلى مغرب ما قبل أن أعرف معنى أن أقضي معظم حياتي الراشدة في مغترب بعيد. لقد تحولت تلك الأشرطة إلى أرشيف مادي للمغادرة.

ولسنوات طوال، كنت أظن أنني من يحمل تلك الأشرطة ويقطع بها الفيافي، غير أنني صرت أتساءل بإلحاح.. ألم تكن هي أيضا تحمل لي وطنا ومكانا تشدني إليه؟ لقد صمم الكاسيت لجعل الصوت محمولا وعابرا للأمكنة. غير أن الهجرة حولته إلى ذاكرة.

أما الكادي، فقد وصل إلي على نحو مختلف، فلم أضطر يوما لوضع أشرطته في حقيبة سفري.. إذ إنه بحلول الوقت الذي بدأت فيه الاستماع إليه، كانت التكنولوجيا قد تعلمت كيف تقطع رحلة السفر نيابة عني. ومن مقر إقامتي في الولايات المتحدة، بات بوسعي أن ألج قصارة في مكان آخر.

ليست القصارة نوعا غنائيا بقدر ما هي مناسبة اجتماعية. جلسة موسيقية غير رسمية قد تمتد إلى وقت متأخر من الليل، حيث يعزف الناس ويغنون ويرقصون ويأكلون ويتسامرون معا. وفي جلسات الأطلس التي شاهدتها، قد تشكل آلة الوتار ركائز الموسيقى وأساسها، لكنها لا تصنع الموسيقى بمفردها، إذ يقرع الرجال على آلة التالونت أو البندير وهي طار إطاري من جلد الماعز وينضمون إلى غناء الإيزلان ينشد بيت شعري فيجيب عليه صوت آخر، ليتنقل الإيقاع والصوت جنبا إلى جنب في أرجاء الغرفة، في حين يمكن للمستمعين أنفسهم أن يتحولوا إلى مشاركين، فقد ينهض أحدهم للرقص، بينما يغني آخرون أو يهتفون بإعجابهم واستحسانهم. وكان ثمة حضور للغرامة أيضا، عندما يتقدم أحدهم بتقديم مبلغ مالي لمغن أو موسيقار. يتجاذب الحاضرون أطراف الحديث ويضحكون، ويأكلون ويتشاركون ما بين أيديهم.. وسرعان ما يفسح الحديث المجال للموسيقى، وسرعان ما تعود الموسيقى إلى الحديث.

وفي اللغة العربية، ثمة كلمة تعبر عن شيء من الشعور الذي يمكن للموسيقى أن تحدثه في مثل هذه اللحظات: الطرب. ولا توجد كلمة واحدة في اللغة الإنجليزية تستوعب هذا المعنى تماما، وإن كانت مفاهيم مثل المتعة أو السحر أو النشوة العاطفية تقترب منه. ينشأ الطرب في نقطة التلاقي بين الموسيقى والكلمات، وبين الصوت والآلة، وبين العازف والمستمع.. إذ تأسرك جملة موسيقية، أو يقع بيت شعر عليك بأثر بالغ غير متوقع. يجيب الوتار المغني، ويكرر أحدهم شطرا لأن المرة الواحدة لم تكن كافية.

تفسح القصارة المجال للانتشاء بصلات المتعة تلك.. فبيت شعري أليف بوسعه أن يستحضر غائبا، أو مشهدا طبيعيا طواه الرحيل، أو حبا قديما، أو فقدا، أو أمسية غابرة تُليت فيها الكلمات ذاتها. ولهذا السبب تحديدا أتردد في وصف القصارة في المقام الأول بأنها مجرد مكان لصون التراث وإبقائه، إذ إن صياغة كهذه تعكس ترتيب الأشياء وتربكه. فالناس يجتمعون لأن الإنصات والغناء وتشارك الطعام والضحك وقضاء الأمسية معا.. يشعرهم بالبهجة والطمأنينة.

ولعل المتعة ذاتها غدت إحدى آليات الانتقال والتواتر التراثي، فالأغنيات تبقى وتستمر لأن الناس يرغبون في الاستماع إليها مجددا. ولعل الإنصات، بدوره، يعد طرازا من أشكال الحفظ والصون.

لقد اتسقت سيرة الكادي الشخصية مع مسارات الهجرة ذاتها، فرغم جذوره الراسخة في بلدة القصيبة بالأطلس المتوسط، قضى شطرا كبيرا من أواخر حياته في ألمانيا، لا سيما بين فرانكفورت ومونستر، في حين جابت به موسيقاه أرجاء فرنسا ليعزف بين أوساط الجاليات المغربية. ومن ثم، لم تكن جلسات القصارة التي طالعتها عبر الشبكة الالكترونية مجرد عروض فنية في المغترب، بل كانت تنتمي أصالة إلى البيئة الاجتماعية التي ظلت موسيقاه تنبض وتعيش داخلها.

يمكن إقامة القصارة في أي مكان آخر: آلة لوتار، ونبض الطالونت أو البندير، وأصوات تجيب أصواتا، وطعام على المائدة، وشعر قديم، وضحكات، ومسامرة، وجمع من الناس مستعدون للولوج في أعماق الموسيقى والحلول فيها بدلا من الاكتفاء بمجرد الاستماع إليها. لم ينقل المغرب كاملا بجغرافيته إلى أوروبا، بل إن الناس حملوا معهم ما يكفي من مقومات اللقاء الإنساني ذي المعنى، ليعيدوا بناء المكان معا من جديد.

ثمة حلقة مغلقة هنا لم أتنبه لها في البداية؛ فقد وصل أول جهاز كاسيت في طفولتي من ألمانيا إلى قرية وادي زيز على يد أحد المهاجرين. وبعد عقود طويلة، وبدلا من أن أكون هناك، أجدني أتابع من الولايات المتحدة الكادي وهو يعزف ويصنع الموسيقى بين أوساط المهاجرين المغاربة في ألمانيا وفرنسا. لقد تغيرت المسارات والمسالك، بيد أن حركة التنقل ذاتها لم تتوقف. إن الموسيقى لا تلغي المسافات ولا تمحوها، ولكنها تجعل تلك المسافات قابلة للسكن والعيش داخلها.

ولعل هذا هو السبب الذي جعل ضآلة التوثيق وشح الأثر المدون حول الكادي يبعثان في نفسي القلق والاضطراب؛ فها نحن أمام حياة موسيقية كاملة قادرة على الترحال من الأطلس المتوسط عبر البحر الأبيض المتوسط، وصولا في نهاية المطاف عبر الأطلس إلي. ورغم ذلك، عندما غاب هذا الفنان ورحل، لم أكن على علم برحيله.

في البدء، استهوتني فكرة وصف حالته بالخفاء أو الغموض، غير أن هذه المفردة بدت غير دقيقة ومجانبة للصواب، فالكادي لم يكن نكرة أو مجهولا لدى جمهور المستمعين إليه.. فقد دعاه الناس للأداء، وغنت إلى جواره الأصوات، وعرف الجمهور رصيده الغنائي ومأثوره الفني، كما تداولت تسجيلاته الأيدي. لقد حظي الفنان بالاعتراف والتقدير، غير أن السؤال الحقيقي يكمن في طبيعة هذا الاعتراف ونوعيته.

كتب أنطونيو غرامشي عن المثقفين لا عن الموسيقيين الأمازيغ، بيد أن مفهومه عن المثقف العضوي حيث تنبثق السلطة والشرعية من عالم اجتماعي بخصوصيته يفتح أمامنا أفقا آخر للتفكير.. ماذا لو نظرنا إلى الكادي باعتباره فنانا عضويا؟

إن شرعيته الفنية وسلطته الرمزية قد صيغتا وتشكلتا في أحضان ذلك العالم الاجتماعي الذي عاشت الموسيقى ذاتها في كنهه. فلم يكن بحاجة إلى معهد موسيقي أو ناقد يصادق على معرفته ببيت من أسرار الإزلي العريق. كانت تلك الشرعية تبنى وتكتسب من خلال الموسيقيين والمغنين، وفي جلسات القصارة والأعراس، ودعوات الأداء، وعبر مستمعين قادرين على التمييز بين مجرد المحاكاة والتمكن الأصيل.

إن نعت هذا العالم بغير الرسمي يخل بعمقه ويغفل تعقيده، فهو عالم يحفل بالجاه والسمعة والمقامات، ويضم أساتذة ومريدين، ومقاييس للتقدير والنقد، وذاكرة حية تسجل من عزف ماذا ومع من.

إن الاعتراف العضوي والاعتراف المؤسساتي ليسا شيئا واحدا. ولا أعني بالاعتراف المؤسساتي وجود أرشيف رسمي أحادي، بل تلك المؤسسات والممارسات المشتتة التي يوثق بها المغرب حياته الموسيقية: من إذاعة وتلفزة، وصحف، ومؤسسات ثقافية، ومهرجانات، وسير فنية، ودراسات أكاديمية، وصولا إلى المقالات التأبينية.

لقد حظي رويشة في نهاية المطاف بكلا الاعترافين؛ إذ انبثق من البيئة الموسيقية ذاتها للأطلس المتوسط، غير أنه نفذ إلى سياقات التسجيل التجاري، والإذاعة والتلفزيون، والعروض الدولية، ثم أخيرا إلى أروقة الدراسات والأبحاث الأكاديمية. بينما يبدو أن الكادي ظل أكثر قربا والتصاقا بالشبكات الاجتماعية التي تنبض موسيقاه داخلها.

وهذا بالتحديد ما يساعدني على فهم الحقيقة الغريبة التي بدأت بها رحلة بحثي؛ فقد كنت أستمع إلى الكادي، دون أن أعلم بوقوع رحيله وانقضاء أجله. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن وفاته مرت دون أن يتنبه لها مقربوه، بل إن العبرة تكمن في اختلاف الشبكات: فالشبكة التي حملت إلي موسيقاه لم تكن هي ذاتها الشبكة التي تنقل أخبار حياته وسيرته.

لقد كان بوسع يوتيوب أن ينقل جلسة قصارة إلى بيتي على بُعد آلاف الأميال، وأن يصون عرضا فنيا بعد سنوات من إخلاء القاعة وانفضاض الجمع، غير أنه عجز عن إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية والمجالية الحافة بالفنان. لقد منحني التداول الرقمي حظا من الحميمية الثقافية دون أن يهبني القرب الاجتماعي؛ فصرت قريبا من الموسيقى، وبعيدا كل البعد عن الموسيقار.

فما الذي كان يحمله الكادي بين يديه إذن؟ الأغنيات حتما. بيد أن الأغنيات لا تعدو كونها السطح المسموع لجسد أكبر وأعمق من المعرفة: ألحان، وأشكال شعرية، وإيقاعات، وتقنيات؛ وكيف تجيب آلة الوتار الصوت البشري وتتجاوب معه.. وأي الأبيات الأبية للتبديل وتلك التي يجب أن تظل معروفة ومصونة، وكيف بوسع أغنية قديمة أن تخاطب أناسا يجلسون في غرفة الآن. هذه إحدى الطرائق التي يحيا بها الفن الشعبي.

ومع أن الحقيقة البيوغرافية الوحيدة التي نجت وظلت واضحة جلية كانت اسم مكان القصيبة. فالفن الشعبي لا يعني الانغلاق في المكان أو الجمود فيه، إذ إن جهاز الكرونديك في طفولتي كان قد علمني بالفعل مدى نفاذية المكان ومساميته؛ فقد كان وادي زيز محليا وعميق التجذر في مجلس القبيلة، والحديقة، والشاي، والأسر، والجيران بينما كان بوسع أصوات قادمة من الجزائر وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا أن تلج المساء ذاته. إن الموسيقى الشعبية ترحل وتتنقل، لأن الإنسان يرحل ويتنقل.

ولعل كلمة معرفة ذاتها تبدو جامدة وقاصرة عن التعبير عن شيء ينبض بالحس والوجدان، فالاعتلاء الموسيقي ينبثق لدى العازفين من الذاكرة والتقنية والممارسة، بينما يتشكل لدى المستمعين عبر الترقب والتلقي والانتشاء الجسدي بصوت أو بيت شعر… عبر الطرب. بوسع العازف أن يفكر بأصابعه، وبوسع المغني أن يفكر ببيت شعر، وبوسع المستمع أن يدرك المعنى من خلال الطرب. إن جلسة القصارة قادرة على احتضان أشكال من المعرفة والتواصل الإنساني لا يعلم وجودها أي فهرس في المكتبات.

وهذه المعرفة نادرا ما تكون ملكا لفرد واحد، فالنسب الموسيقي لرويشة، على سبيل المثال، يعود إلى حمو اليزيد الذي أخذ عنه وساهم في نقل رصيده الفني وتطويره. ثم صادفت تفصيلا صغيرا في دراسة “منية منور” حول رويشة غير طريقة تفكيري في هذا الأمر، إذ تسجل في معرض مناقشتها لأغنيات حمو اليزيد أنها لم تعثر على تسجيلات لبعضها. لقد اختفى التسجيل… غير أن الموسيقى لم تختف، ولكنها انتقلت وتخللت في أجساد آخرين وسرائرهم. ففي بعض الأحيان، يغدو الفنان هو الأرشيف ذاته.

بيد أن هذا التوصيف يظل فرديا أكثر من اللازم؛ فعند مشاهدة قدر كاف من عروض الكادي، تبرز وجوه وأصوات أخرى، لا سيما الأصوات النسائية: فاطمة تالكاديت، وفاطمة العاكري الزمورية، وفاطمة الكادية، ومولاتي، ومونة أطلس. تظهر أسماؤهن إلى جوار اسمه في تسجيلات متناثرة؛ أصواتهن حاضرة، ووجوههن بارزة، ورغم ذلك قد لا يتعدى الاسم المدون في عنوان فيديو على يوتيوب كل ما يتبقى للباحث من بعيد.

فشرعت في البحث عنهن أيضا. كان الوصول إلى أصواتهن أيسر بكثير من استكشاف سيرة حياتهن. وهكذا بدأت سيرة الكادي المقتضبة تبدو لي، لا كاستثناء منفرد، بل كقرينة ودليل. إن الموسيقى ذاتها ذات طبيعة علائقية، فالصوت وآلة الوتار يتجاوبان ويتحاوران. فمن يحفظ الأغنية إذن؟ أهو العازف؟ أم المرأة التي تصدع بالبيت الشعري؟ أم الموسيقي الذي أخذها عن رحيل؟ أم المستمع الذي يختزن في ذاكرته ضربا آخر منها؟ لعل السؤال ذاته خاطئ. فالمعرفة كامنة في العلاقة ذاتها.

وحين بدأت البحث من هذا المنظور، أطلت منصة يوتيوب بوجه مغاير؛ ففي البداية، يبدو الأمر وكأنه قد طوى صفحة الاندثار وحسم مسألة الغياب، فما إن تبحث لزمن كاف حتى يتدفق الماضي وينهمر.. أشرطة كاسيت منقولة ومحولة رقميا، وحفلات زفاف، وجلسات قصارة، وتجمعات خاصة، وعروض قديمة، ومقاطع فيديو ملتقطة بهواتف مهتزة. غير أن الوفرة والتدفق ليسا هما الذاكرة.

في السياق نفسه، يبدأ أندرو سايمون تاريخه لثقافة الكاسيت في مصر بصورة قديمة طفت على سطح فيسبوك: ثلاثة رجال يلتقطون صورة مع مذياع كاسيت، دون معرفة هوياتهم في البداية. ثم ما لبث أحد المتابعين أن تعرف عليهم، فبدأت خانة التعليقات تستعيد التاريخ الاجتماعي لصورة عاشت أطول من سياقها الأصلي. وشبيه بهذا يحدث تحت التسجيلات الأمازيغية القديمة: أحدهم يتذكر مغنيا، وآخر يحدد اسم القرية، وثالث يصحح اسما، ورابع يستحضر سماع الفنان قبل عقود.

بهذا يتحول قسم التعليقات إلى فهرس غير مقصود، فقد احتفظ شخص ما، في مكان ما، بشريط كاسيت، وعمد إلى تحويل تسجيل منه إلى صيغة رقمية، وتذكر اسما، ورأى أن ذلك العرض يستحق المشاركة. إنه أرشيف استثنائي، بيد أنه أرشيف هش ومحفوف بالخطر؛ فالقنوات تختفي، والقصاصات تُحذف، والتواريخ تتوارى، ويُسمى عازف بينما يظل الآخر مجهولا، وتعاود التسجيلات الظهور بعناوين مختلفة، لينجو التسجيل، بينما يتآكل سياقه المرجعي.

ثمة مفارقة لافتة هنا، فقد كانت شرائط الكاسيت هشة بتركيبها المادي، لكنها كانت مفعمة بكثافة اجتماعية عالية.. إذ كان يقتضي الأمر إنسانا يحملها، ويستنسخها، ويُعيرها، ويشغلها، بل وحتى يُعيد لفها بقلم بيك جاف. في المقابل، يبدو التسجيل الرقمي معرى من المادية وراسخا إلى ما لا نهاية، غير أنه قد يغدو منبوذا في عزلة غريبة؛ إذ يبقى الصوت صامدا، بينما تتهاوى وتتلاشى الأسماء والأمكنة والعلاقات التي منحته معناه.

إننا أمام أرشيف بلا أرشيف، شتات متناثر بين أشرطة كاسيت، وصور فوتوغرافية، وذكريات أعراس وقصارات، ورصيد فني لدى الموسيقيين، وبيوت المهاجرين، وقنوات يوتيوب، واستحضار أناس لا يزال بوسعهم القول.. إنني أعرف من يكون هذا الفنان. تخلق التكنولوجيا الرقمية وهما استثنائيا: فبما أننا لا نزال قادرين على مشاهدة شريط ما، فإننا نلتحف بالافتراض أنه قد صين وحُفظ.

بيد أن السؤال الحقيقي: ما الذي جرى حفظه وصونه بدقة؟ بوسع الكاميرا أن تصون حركة يدي الكادي وهما تتنقلان على آلة الوتار، لكنها تعجز عن إخبارنا عمن علمه مقطعا عزفيا بعينه. وبوسعها أن تصون صوت امرأة، لكنها لا تنبئنا من أين استقت ذلك البيت الشعري؛ وبوسعها أن تجسد اجتماع الناس حول مائدة الطعام، يضحكون وينصتون، غير أنها تعجز عن كشف الذكريات التي بعثتها أغنية في وجدانهم، أو العلة التي جعلت بيتا شعريا مفاجئا يلف. يحفظ التسجيل العرض الفني، غير أنه لا يحفظ بالضرورة العالم الذي منح ذلك العرض قيمته.

وهذا بالتحديد ما جعل خبر وفاة الكادي يلمسني شخصيا. فما إن علمت برحيله، حتى عدت إلى تسجيلاته بأسئلة لم يخطر ببالي طرحها أبدا حين كان حيا بيننا: من هن النساء اللائي كن يغنين إلى جواره؟ ماذا أخذ عن قدامى العازفين على آلة الوتار؟ وما الذي استقاه منه الجيل الشاب من الموسيقيين؟ أردت أن أسأله عن تلك القصارات في فرنسا وألمانيا: من دعاه إليها؟ ومن جاء للاستماع إليه؟ وما هي الأغنيات التي طلب الجمهور سماعها؟ وأي بيت شعري جعل أحدهم يتذكر وطنه؟ وماذا كان يعني، لساعات معدودات، خلق ذلك الطراز من الأنس والالتئام في أرض أخرى؟

وقبل هذا كله، أردت أن أسأله هو بالذات. بيد أنني لم أستطع. لم ينحصر أمر ما فاتني في مجرد فوات مقال تأبيني، بل لقد فاتتني إمكانية إدراج حوار ومسامرة.

على أن حوارات أخرى لا تزال ممكنة وقائمة؛ فالموسيقيون يستحضرون زملاءهم الذين رحلوا، والمغنيات يبقين كأحرف وأسماء على أغلفة الكاسيت وعناوين منصة يوتيوب، والعائلات تحتفظ بصور وتسجيلات لا تعلم أي مؤسسة بوجودها، والمهاجرون يختزنون ذكريات القصارات في أوروبا. إن إدراك تلك الذكريات والاعتراف بها لا يعني تحويل كل قصارة إلى مادة تراثية جامدة، فالناس الذين التأم شملهم هناك كانوا ينبضون بالحياة: ينصتون، ويغنون، ويتشاركون الطعام والضحك، ويتذوقون الطرب، ويأنسون ببعضهم البعض. وهكذا، وفي خضم تلك التفاصيل، كانوا ينقلون شيئا ما ويمتدون به إلى الأمام.

ثمة لفظة أمازيغية ظللت أطوف حولها على امتداد أسطر هذا المقال: أمارك Amarg. وهي مفردة تعجز الترجمة عن الإحاطة بكنهها كليا، إذ تنضوي تحتها معاني الشوق، والنوى، والحنين إلى الوطن، والعشق، ولوعة المسافات. إنها تنتمي إلى عالم موسيقي دأب أهله منذ القديم على الغناء للراحلين والمقيمين على حد سواء. وقد علمتني تجربة الهجرة بُعدا آخر من دلالاتها؛ رافقتني أشرطة رويشة لما يقارب ثلاثة وأربعين عاما. ولم أكن أحملها معي عبر المحيط الأطلسي رغبة مني في صون تراث أو حفظه، بل حملتها لمجرد أنني أردت الاستماع إليها. أردت الكلمات، وآلة الوتار، والشعور. أما الأرشيف، فلم يأت إلا لاحقا.

أما الكادي، فقد وصل إلي دون أشرطة كاسيت؛ إذ عبرت موسيقاه المحيط بطرق رقمية. فصار بوسعي أن أجلس في أمريكا وألج قصارة في المغرب، أو فرنسا، أو ألمانيا. بيد أن المهاجرين يعرفون الفرق الدقيق بين تذليل المسافة ومحوها. فالتسجيل بوسعه أن يدني الصوت، وأن يحرك مكامن الشجن فينا؛ لكنه يعجز عن إهدائنا الغرفة ذاتها بحرارتها وحضورها.

ولعل الطرب وأمارك يلتقيان عند هذه النقطة بالذات في عرض المسافة: متعة الانتشاء بالموسيقى والاهتزاز لها، مع لوعة الشوق لما يظل نائيا بعيدا عن المنال. ولعل هذا هو السر الذي يجعلني أعاود الكرة بالعودة إلى قطعة أغور اش تاوادا أي حذار من الرحيل.

لقد عرفت هذه اللازمة الشجية قبل وقت طويل من بدئي بالتفكير في أي من هذا: أغور اش تاوادا، إيسول أمارك ديغي أوري إفيغ، ومعناها لا ترتحل فالحنين لا يزال يسكنني ولم يبرح فؤادي. والآن فقط صرت أستمع إلى مدى ما تكتنزه تلك الكلمات من عمق، فالتحذير من الرحيل والشوق الذي يعقب المغادرة كانا حاضرين هناك منذ البداية.

كنت أستمع إلى تلك الجلسة قبل أن أعلم بوفاة الكادي. غير أنني أستمع إليها الآن بطريقة مغايرة تماما. أضغط على زر التشغيل، فتنطلق آلة الوتار، وتتداخل الأصوات.

ولدقائق معدودات، يبدو وادي زيز، وجهاز الجروندج الصغير القادم من ألمانيا، وأشرطة رويشة التي حملتها معي عبر الأطلسي، والأطلس المتوسط، وجلسات القصارة في أوروبا، وهذه الشاشة المنصوبة أمامي… وكأنها تنتمي جميعا إلى الجغرافيا ذاتها: جغرافيا الإنصات.

أراقب يدي الكادي وهما تتنقلان على آلة الوتار، بينما تعلو وجهه ابتسامة صادقة نابعة من أعمق جوارحه. وفي لحظات بعينها، يبدو مستغرقا بالكامل في كنه الموسيقى، وكأنه لم يعد في الوجود سوى تلك الآلة، والأصوات، والغناء. ولعل هذا، بدوره، وجه من وجوه الطرب.

وأتساءل في سري: ما الذي كان يعلمه أولئك الحاضرون في الغرفة ولم أدركه أنا؟ غير أن التسجيل يعجز عن الإجابة.

ثم تنتهي الجلسة، وللحظة، لا يتبقى سوى الصمت يلف أركان غرفتي. بوسعي أن أعيد تشغيل التسجيل غدا، أو بعد سنوات من الآن؛ وسيبتسم الكادي مجددا، وتعود يداه إلى الوتار، وتتداخل الأصوات، وسينشد من ينشد، ويجيب من يجيب، وستمتلئ الغرفة من جديد… بيد أنه امتلاء بالصوت فحسب. فالتسجيل باق صامد، أما الغرفة فقد توارت وانقضت.

*أنثروبولوجي وأستاذ جامعي بجامعة أريزونا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *