وجهة نظر

الحكومة وأمانة القسم: شرف الثقة ومسؤولية الوفاء

الحكومة وأمانة القسم: شرف الثقة ومسؤولية الوفاء

تهنئة صادقة إلى من حملوا أمانة الوزارة، ونالوا الثقة الملكية لخدمة المغرب والمغاربة. نبارك لكم هذا التكليف، وندعو الله أن يعينكم على الوفاء بحقه، وأن يجعل صلاحياتكم سبيلا إلى إنصاف الناس وصيانة مصالحهم. فالفرحة بالمنصب تكتمل يوم يلمس المواطن أثرها في مدرسة أفضل، ومستشفى أرحم، وإدارة تحفظ كرامته، وفرصة تفتح أمام أبنائه باب المستقبل.

القسم الذي أديتموه عهد يرافقكم بعد انقضاء مراسمه، ويشهد على قراراتكم حين تغيب الكاميرات وتغلق أبواب المكاتب. استحضروه عند توقيع العقود، واعتماد النفقات، واختيار المسؤولين، والمفاضلة بين المشاريع. فالكلمة التي تستدعي اسم الله تلزم صاحبها بأن يطابق فعله وعده، وأن يبقى ضميره يقظا أمام الإغراء والضغط، وألا يتحول المنصب إلى امتياز شخصي يتجاوز ما تقتضيه الخدمة.

اتقوا الله في مناصبكم، وفي الضعفاء الذين قد لا تصل أصواتهم إليكم. اجعلوا التقوى عدلا في الحكم، ونزاهة في التدبير، ورفقا بمن ضاقت بهم السبل. وراء كل ملف متأخر أسرة تنتظر، وكل مشروع معطل حاجة تتفاقم. وللوقت في المسؤولية ثمن يدفعه الناس من أعمارهم وأرزاقهم؛ فأدوا واجباتكم بتفان يقدر استعجال حاجاتهم، وجدية تحترم حقوقهم، وحرص على رفع المشقة عنهم.

ليكن الوطن أحب إليكم من مصالح أنفسكم وأهليكم، ولتظهر هذه المحبة في المواقف التي تمتحن النزاهة. قدموا الكفاءة على القرابة، والاستحقاق على الولاء، والمصلحة العامة على المكاسب الحزبية والعائلية. فالمواطنون متساوون في حقهم في الدولة، ومن واجبكم أن يجدوا أبوابها مفتوحة بالعدل نفسه. وتجنبوا تضارب المصالح، وافصلوا بين مهامكم وشؤونكم الخاصة، حتى يصدر القرار عن تقدير مستقل، وتظل الوظيفة العمومية بعيدة عن حسابات المقربين ونفوذهم.

احفظوا المال العام، واستحضروا أن لكل درهم وجهة ينتظرها مواطن: دواء لمريض، أو مقعدا لتلميذ، أو ماء لقرية، أو موردا يحمي أسرة من الهشاشة. راجعوا النفقات بعين من يعرف قيمتها، وأوقفوا التبذير والاستعراض، وصونوا ممتلكات الدولة من الاستعمال الشخصي. واجعلوا الشفافية قاعدة في إبرام الصفقات وتتبع تنفيذها، واستفيدوا من تقارير الرقابة لتدارك الخلل ومنع تكراره. فالأموال التي تدبرونها تحمل حقوقا للناس، ومسؤوليتكم أن تصل إليهم منافعها.

ضعوا الميزانيات حيث تكون الحاجة أشد، والمنفعة أوسع، والأثر أبقى. أعطوا الأولوية للمناطق الأقل استفادة من التنمية، وللخدمات التي تمس حياة الناس مباشرة. واربطوا التمويل بدراسة جادة، وآجال واقعية، ومتابعة منتظمة، وتقييم معلن. فعدالة توزيع الموارد تبدأ بمعرفة الميدان والإنصات لأهله، وتستدعي مراجعة الاختيارات متى أثبتت الوقائع أن وجهة أخرى أجدى. واحرصوا على استكمال المشاريع وضمان تشغيلها وصيانتها، حتى تؤدي الغرض الذي أنجزت من أجله.

الجدية الحكومية تظهر في أهداف قابلة للقياس، ومسؤوليات محددة، ومواعيد يحترمها أصحابها. اختاروا حولكم من يقول الحقيقة، ويملك الخبرة، ويقترح الحلول، وامنحوا الكفاءات فرصة المبادرة. واجعلوا المعلومة الدقيقة أساس القرار، وأخبروا المواطنين بما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك، وحددوا ما ستفعلونه لتجاوز الصعوبات. فالمصارحة تتيح فهما مشتركا للتحديات، وتحمي النقاش العمومي من الغموض، وتمنح الإصلاح سندا يزداد رسوخا كلما تطابق الإعلان والإنجاز.

كونوا لبعضكم عونا على الصواب، وليجد كل وزير في زملائه من ينصحه ويصحح مساره. التضامن الحكومي التزام مشترك بالنتائج، يقتضي مواجهة الخطأ قبل اتساع ضرره، ومناقشة الخلاف بشجاعة واحترام. ومن حق الوطن عليكم أن تتعاونوا عبر القطاعات، وأن تمنعوا تنازع الاختصاصات من تعطيل مصالحه. والاعتراف بالتقصير بداية إصلاحه، متى تبعته إجراءات واضحة، ومساءلة منصفة، واستدراك يحفظ حقوق المتضررين، ويعيد العمل إلى وجهته الصحيحة.

اقتربوا من المواطنين، وأصغوا إلى النقد مهما كان مزعجا. زوروا المرافق، واسألوا العاملين والمرتفقين، وتابعوا ما يحدث بعد مغادرتكم. يحتاج الناس إلى مسؤول يفهم مرارة الانتظار، ويحترم صاحب الشكوى، ويضمن له جوابا ومسارا واضحا للمعالجة. وبسطوا المساطر، ويسروا الولوج إلى الخدمات للأشخاص في وضعية إعاقة. وليكن الحضور الميداني عملا تتبعه حلول، وتتحول ملاحظاته إلى التزامات يمكن تتبعها والتحقق من أثرها.

مبارك لكم شرف التكليف، وأعانكم الله على ثقله. نرجو أن تكونوا جديرين بالثقة المولوية، أوفياء لقسمكم، وأن تتركوا للمغاربة ما يستحق الذكر والامتنان. ستنقضي أيام الوزارة، وتبقى حصيلتها في ذاكرة البلاد. وأجمل ما تردون به على تهنئة اليوم أن يجد المواطن غدا حقه مصونا، وحياته أكرم، ومستقبل أبنائه أكثر أمنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *