أحمد رحو.. من تدبير الأبناك ومجلس المنافسة إلى قيادة أول وزارة للذكاء الاصطناعي بالمغرب

من رئاسة مجلس المنافسة إلى قيادة أول وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة في المغرب، ينتقل أحمد رحو إلى محطة جديدة في مساره المهني، بعد تجربة امتدت بين القطاع البنكي وتدبير المقاولات والعمل الدبلوماسي وتقنين المنافسة، حيث يضعه هذا التعيين على رأس قطاع حكومي مستحدث للمرة الأولى بهذه التسمية، في سياق تتزايد فيه الرهانات المرتبطة بتحديث الإدارة العمومية، وتوسيع الخدمات الرقمية، وإدماج الذكاء الاصطناعي في تدبير المرافق والمؤسسات.
ولم يكن تعيين رحو وزيرا للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة مجرد انتقال لمسؤول راكم تجارب في مؤسسات اقتصادية وإدارية مختلفة إلى موقع حكومي جديد، بل وضع اسمه على رأس قطاع يحمل رهانات تتجاوز الرقمنة بمعناها التقني، لتشمل تحديث المرفق العمومي، وتطوير الخدمات الإدارية، ومواكبة التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد والمجتمع.
ويكتسي هذا التعيين دلالة خاصة لكونه يتزامن مع إحداث وزارة تجمع هذه الاختصاصات تحت مسمى واحد للمرة الأولى، في خطوة تضع تدبير التحول التكنولوجي وإصلاح الإدارة أمام اختبار سياسي ومؤسساتي جديد.
ويصل رحو إلى هذا المنصب بعد مسار مهني غير تقليدي في تركيبته، جمع بين الهندسة وتدبير المقاولات الكبرى والقطاع البنكي والعمل الدبلوماسي ورئاسة مجلس المنافسة، وهي تجربة متعددة الواجهات تمنحه معرفة بآليات اشتغال المؤسسات الاقتصادية والإدارية، لكنها تضعه أيضا أمام مهمة مختلفة عن مسؤولياته السابقة.
ويحمل المسار المهني لأحمد رحو مزيجا من الخبرة في الهندسة والمعلوميات والتدبير البنكي وقيادة المقاولات والعمل الدبلوماسي والتنظيم الاقتصادي. وقد أتاح له التنقل بين هذه المجالات الاطلاع على آليات اشتغال مؤسسات تختلف في طبيعتها وأهدافها، من الشركة الخاصة إلى المؤسسة البنكية، ومن التمثيل الدبلوماسي إلى هيئة ضبط المنافسة.
من التكوين الهندسي إلى عالم المقاولات والأبناك
وُلد أحمد رحو بمدينة مكناس في 25 يونيو 1958، وتلقى تكوينا هندسيا بفرنسا، حيث درس بالمدرسة متعددة التخصصات بباريس (École Polytechnique)، التي تخرج منها سنة 1980، ثم بالمدرسة الوطنية العليا للاتصالات بباريس، التي حصل منها على دبلوم مهندس سنة 1982، وقد شكل هذا التكوين قاعدة لمساره المهني الأول في مجال المعلوميات، قبل أن يتجه تدريجيا نحو التدبير المالي والإدارة العامة للمؤسسات.
وبدأ رحو حياته المهنية بالخطوط الملكية المغربية، حيث تولى مسؤولية مصلحة المعلوميات بين سنتي 1982 و1985، وانتقل بعد ذلك إلى مجال الاستشارة في التدبير المعلوماتي، قبل أن يشغل مسؤوليات مرتبطة بالبرمجة ومراقبة التدبير والإعلاميات والتنظيم، ومن خلال هذه المحطات، انتقل من الاشتغال على الأنظمة المعلوماتية إلى مجالات أوسع تتصل بتنظيم المؤسسات وتدبير مواردها ومراقبة أدائها.
وفي سنة 1994، التحق رحو بمصرف المغرب، حيث شغل مناصب إدارية متدرجة، من بينها منصب المدير العام المساعد، وعضوية مجلس الإدارة الجماعية، وشكلت هذه المرحلة مدخلا لتوسع تجربته في المجال المالي، قبل أن ينتقل إلى قيادة مؤسسات اقتصادية كبرى، في مسار لم يقتصر على المجال التكنولوجي الذي بدأ منه.
وفي مارس 2003، عُيّن رئيسا مديرا عاما لشركة “لوسيور كريسطال”، وهو المنصب الذي شغله إلى غاية سنة 2009، وفي أكتوبر من السنة نفسها، عُيّن على رأس القرض العقاري والسياحي “CIH Bank”، حيث تولى قيادة المؤسسة البنكية خلال مرحلة امتدت قرابة عقد من الزمن، قبل أن يغادرها إلى مسؤولية دبلوماسية، وقد أضافت هذه التجربة إلى مساره خبرة في تدبير المؤسسات المالية والتجارية، والتعامل مع متطلبات التسيير والاستثمار والمنافسة.
من الدبلوماسية إلى ضبط المنافسة
في يونيو 2019، انتقل رحو إلى مجال مختلف، بعدما عُيّن سفيرا للمغرب لدى الاتحاد الأوروبي ورئيسا لبعثة المملكة لدى المجموعة الأوروبية للطاقة الذرية، ومثّل هذا التعيين محطة جديدة في مساره، نقلته من إدارة المؤسسات الاقتصادية إلى تمثيل المصالح المغربية في الفضاء الأوروبي، بما يتطلبه ذلك من اشتغال على العلاقات المؤسساتية والملفات الاقتصادية والتعاون مع الشركاء الدوليين.
ولم تستمر مهمته الدبلوماسية سوى نحو عامين، إذ عُيّن في 22 مارس 2021 رئيسا لمجلس المنافسة، خلفا لإدريس الكراوي، وعلى رأس هذه المؤسسة، انتقل رحو إلى موقع يرتبط بمراقبة احترام قواعد المنافسة في الأسواق، ودراسة عمليات التركيز الاقتصادي، والتصدي للممارسات التي قد تخل بالتنافس الحر والنزيه.
وخلال هذه المرحلة، برزت الأسواق الرقمية ضمن الملفات التي حظيت باهتمام مجلس المنافسة، في سياق اتساع دور المنصات الإلكترونية وتزايد تأثيرها في المعاملات الاقتصادية.
وزارة جديدة أمام رهانات تتجاوز رقمنة الإدارة
بتعيينه وزيرا للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، في الحكومة الجديدة التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، يدخل رحو مرحلة مهنية جديدة، يتصدر فيها قطاعا يجمع بين التكنولوجيا والحكامة الإدارية، فإدراج الذكاء الاصطناعي صراحة في اسم الوزارة يمنح هذا المجال موقعا حكوميا بارزا.
ولا يتعلق الرهان بمجرد توسيع استعمال الخدمات الرقمية أو نقل الإجراءات الإدارية إلى المنصات الإلكترونية، بل يمتد إلى إعادة تنظيم المساطر، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتقليص آجال معالجة الملفات، وتسهيل ولوج المواطنين والمقاولات إلى الإدارة، كما يطرح توظيف الذكاء الاصطناعي أسئلة بشأن حماية المعطيات الشخصية، وأمن الأنظمة المعلوماتية، وموثوقية القرارات المؤتمتة، وتوفير الكفاءات اللازمة لمواكبة التحول التكنولوجي.
ويجد رحو نفسه، بالنظر إلى مساره، أمام مهمة تستدعي الجمع بين المعرفة التقنية والخبرة في تدبير المؤسسات والقدرة على التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية، فنجاح التحول الرقمي لا يتوقف على الوزارة المكلفة به وحدها، وإنما يرتبط بمدى انخراط الإدارات العمومية في تحديث أنظمتها، وتوحيد مساراتها الرقمية، وتجاوز صعوبات التنسيق وتبادل المعطيات.
كما أن إصلاح الإدارة، الذي يشكل جزءا من التسمية الجديدة للقطاع، يضع الوزير أمام ملف يتجاوز تحديث الوسائل التقنية إلى تغيير أساليب العمل وعلاقة المرفق العمومي بالمرتفقين، فاعتماد أدوات رقمية متقدمة لا يضمن وحده تحسين الخدمة ما لم يواكبه تبسيط المساطر، وتحديد المسؤوليات، وتطوير الكفاءات، وضمان استفادة المواطنين من الخدمات دون خلق أشكال جديدة من الإقصاء الرقمي.
كما يطرح إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن العمل الحكومي تحديات تتعلق بتحديد مجالات الاستخدام ذات الأولوية، ووضع ضوابط واضحة لاستعماله، وضمان حماية المعطيات والحقوق، إلى جانب بناء قدرات وطنية قادرة على تطوير الحلول التكنولوجية وتقييمها، وهي ملفات تتطلب وضوحا في الاختيارات، وتنسيقا مؤسساتيا، وقدرة على تحويل التوجهات العامة إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم.
اترك تعليقاً