محكمة النقض تُسقط حكما بـ10 سنوات سجنا لمتهم بـ”الاتجار بالبشر” بطنجة بسبب “قصور التعليل”

قضت محكمة النقض بنقض وإبطال قرار قضائي صادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بطنجة، أدان متهما بعشر سنوات سجنا نافذا من أجل جناية الاتجار بالبشر، بسبب قصور في التعليل وعدم مناقشة معطيات جوهرية في الملف. وبعد إعادة عرض القضية على المحكمة بهيئة قضائية جديدة، جرى تغيير التكييف القانوني للأفعال المنسوبة إلى المتهم، مع تخفيض العقوبة إلى خمس سنوات سجنا نافذا.
وتعود تفاصيل القضية إلى توقيف عناصر الأمن لشخص برفقة فتاة قاصر في وضعية تشرد، بالمحطة الطرقية، حيث أسفرت عملية التفتيش عن ضبط نحو 100 قرص مهلوس بحوزتهما.
وخلال الاستماع إليها في مرحلة البحث التمهيدي من طرف الشرطة القضائية، صرحت الفتاة بأن مرافقها افتض بكارتها واستغلها جنسيا، فضلا عن استغلالها في حيازة المخدرات وترويجها.
وبناء على هذه التصريحات، قررت النيابة العامة متابعة المتهم من أجل جناية الاتجار بالبشر، إلى جانب تهم تتعلق بحيازة المخدرات وترويجها، فيما أمر قاضي التحقيق بمتابعته في حالة اعتقال وإيداعه السجن.
غير أن القضية عرفت تطورا خلال مرحلة التحقيق التفصيلي، بعدما تراجعت الفتاة عن تصريحاتها الأولية، موضحة أن شخصا آخر هو من افتض بكارتها قبل مدة، ونافية تعرضها للاستغلال الجنسي من طرف المتهم.
ورغم هذا التراجع، قضت غرفة الجنايات الابتدائية بإدانة المتهم بعشر سنوات سجنا نافذا، وهو الحكم الذي أيدته غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بطنجة، قبل أن تطعن فيه أمام محكمة النقض.
محكمة النقض ترصد قصورا في التعليل
وحسب القرار الذي تتوفر جريدة “العمق” على نسخة منه، فإن محكمة النقض قضت بنقض وإبطال القرار الصادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بطنجة، مع إحالة الملف على المحكمة نفسها للبت فيه من جديد، بهيئة قضائية أخرى، طبقا للقانون، وتحميل الخزينة العامة الصائر.
وأوضحت محكمة النقض أن المحكمة التي أصدرت القرار المطعون فيه استندت في إدانة المتهم إلى الاعتراف المنسوب إليه والتصريحات التمهيدية للفتاة القاصر، دون أن تبين الأسباب التي دفعتها إلى ترجيح هذه التصريحات على الأقوال التي أدلت بها أمام قاضي التحقيق.
وسجل القرار أن الفتاة تراجعت عن تصريحاتها الأولية، ونفت تعرضها للاستغلال الجنسي من طرف المتهم، مؤكدة أن واقعة افتضاض بكارتها تعود إلى شخص آخر، كما أوضحت أنها لم تخبر المتهم بسنها، ونفت تلقي أي مقابل مادي لنقل الأقراص المخدرة.
واعتبرت محكمة النقض أن عدم مناقشة هذه المعطيات الجوهرية، وعدم توضيح أسباب استبعاد تصريحات الفتاة أمام قاضي التحقيق، يشكل قصورا في التعليل وإخلالا بواجب المحكمة في تمحيص الأدلة المعروضة عليها ومناقشتها، بما يتيح تكوين قناعة قضائية قائمة على أساس سليم.
كما أشار القرار إلى أن استدعاء الفتاة والاستماع إليها كان من شأنه المساهمة في توضيح الوقائع وتحديد مدى توافر العناصر القانونية المكونة لجناية الاتجار بالبشر.
وخلصت محكمة النقض إلى أن إغفال مناقشة هذه الجوانب جعل القرار المطعون فيه مشوبا بخرق القانون ونقص التعليل، وهو ما استوجب نقضه وإبطاله وإحالة الملف من جديد على المحكمة المختصة.
دفاع المتهم يطالب بإعادة التكييف القانوني
وبعد إحالة الملف، شرعت غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بطنجة، الخميس الماضي، في إعادة مناقشة القضية بهيئة قضائية جديدة، تنفيذا لقرار محكمة النقض.
وخلال الجلسة، تلا رئيس الهيئة الأحكام السابقة الصادرة في الملف، إلى جانب قرار محكمة النقض، قبل الشروع في استنطاق المتهم ومناقشة القضية من جديد.
والتمس دفاع المتهم، المحامي أمين عمراني، التقيد بالملاحظات الواردة في قرار محكمة النقض، وإلغاء القرار المطعون فيه، والتصدي للملف بالتصريح ببراءة موكله من جناية الاتجار بالبشر.
كما طالب الدفاع بإعادة التكييف القانوني للأفعال المنسوبة إلى المتهم، معتبرا أنها لا تتجاوز جنحة الاتجار بالمخدرات، والاقتصار على العقوبة التي سبق أن قضاها. واحتياطيا، التمس تمتيع موكله بظروف التخفيف، استنادا إلى الفصول 430 و146 و147 من القانون الجنائي، في حال ارتأت المحكمة خلاف ذلك.
حكم جديد يخفض العقوبة إلى خمس سنوات
وبعد المداولة، أصدرت غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بطنجة حكما حضوريا ونهائيا، بعد النقض والإحالة، قضى بقبول الاستئناف شكلا، وفي الموضوع بتأييد القرار المستأنف من حيث المبدأ، مع تعديله من خلال إعادة تكييف الأفعال المنسوبة إلى المتهم من جناية الاتجار بالبشر إلى جناية التغرير بقاصر وهتك عرضها بالعنف، استنادا إلى الفصلين 471 و485 من القانون الجنائي، وفق ما ورد في منطوق الحكم.
وقررت المحكمة، في الحكم الجديد، تخفيض العقوبة الحبسية من عشر سنوات إلى خمس سنوات سجنا نافذا، مع تحميل المتهم الصائر.
اترك تعليقاً